مجلة أميركية: تعاقد مصر مع شركة لتحسين صورة النظام يثير السخرية.. ولهذه الأسباب لن تنجح الصفقة

تم النشر: تم التحديث:
TRUMP SISI
MANDEL NGAN via Getty Images

يقول تقرير لمجلة ذي أتلانتيك الأميركية إن شركة ويبر شاندويك التي تعمل في مجال العلاقات العامة أبرمت صفقةٌ قيمتها 1.2 مليون دولار أميركي سنوياً مع جهاز المخابرات العامة المصرية، الذي يشتهر في الولايات المتحدة بتعاونه مع وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) في تعذيب أعضاء القاعدة المشتبه بهم، بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، والمتهم بالعمل سراً مع أجهزة أمن الداخلية للتلاعب بالانتخابات وقمع الأصوات المعارضة في مصر منذ الانقلاب الذي أتى بعبد الفتاح السيسي رئيساً في عام 2013، حسب وصف التقرير.

آفي أشر شابيرو وهو كاتب وصحفي مهتم بقضايا الشرق الأوسط، وحصل على جزء من دراسته في القاهرة بمصر، وشارك في تغطية الحرب الأهلية السورية نشرت تقريراً في مجلة ذي أتلانتيك عن هذا العقد الذي أبرم بين المخابرات المصرية مع شركة ويبر شاندويك، ومدى ملائمته من الناحية الأخلاقية للشركة الأميركية، ومدى فاعليته من الناحية الواقعية بالنسبة للمصريين.

يقول شابيرو في التقرير إن عقد شركة ويبر مع المصريين ليس أمراً غير تقليدي في ذاته. لكنَّ قرار الشركة بالتعامل مع جهازٍ استخباراتي أجنبي يشتهر بالتعذيب والقمع، ولعب دوراً فعالاً في قمع السيسي لجماعة الإخوان المسلمين وجماعاتٍ أخرى، هو قرارٌ غير قويم يأتي في لحظةٍ حاسمة.

فبعد أربعة أعوام من إطاحة السيسي بالحكومة المصرية المنتخبة، يتلهف السيسي لتوطيد علاقاته بإدارةٍ أميركية جديدة مستعدة للتغاضي عن سلطويته، وفي الوقت نفسه يتعطش لكسب أصدقاءٍ جدد في الكونغرس الأميركي، الذي يُشرِف على حزمة المعونات الأميركية الهائلة لمصر.

يبدو أنَّ نظام السيسي قد وجد في ويبر شاندويك شركة علاقات عامة مستعدة لتكريس براعتها الفائقة في إيصال الرسائل من أجل ضخ أموال دافعي الضرائب الأميركيين، واستجلاب رضاهم عن قيادة السيسي الوحشية لأكبر دولةٍ عربية، حسب تقرير مجلة ذي أتلانتيك الأميركية.

وقَّعت شركة ويبر وشركة الضغط "كاسيدي وشركاه"، وهي شركة "متخصصة" تابعة لويبر (وكلتاهما مملوكة لمجموعة شركات إنتر بابلك العامة)، اتفاقاتٍ مع مصر في أواخر يناير/كانون الثاني 2017، بعد 8 أيام من تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة. وتعمل الشركتان مباشرةً تحت إمرة اللواء ناصر فهمي، المدير العام لجهاز المخابرات المصرية، وفقاً للأوراق المقدمة لوزارة العدل الأميركية.

وتروِّج الشركتان "للشراكة الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة"، وتشددان على "دورها القيادي في إدارة القضايا الإقليمية". بعبارةٍ أخرى، ستكرر الشركة رسالة الحكومة المصرية نفسها: أنَّ تسليح الدولة المصرية السلطوية ودعمها ضروريان من أجل حفظ السلام.

يقول التقرير من منظور السيسي، يمثل ترامب فرصةً هائلة. وكان الملياردير ونجم تلفزيون الواقع قد عبَّر أثناء حملته الانتخابية عن إعجابه الشديد بالديكتاتور المصري.

وصرَّح الجنرال جيمس ماتيس، وزير الدفاع الأميركي الحالي، في أبريل/نيسان 2016، بأنَّ "السبيل الوحيد إلى دعم تحول مصر إلى دولة مجتمعٍ مدني ديمقراطية هو دعم الرئيس السيسي".

ترامب حتى الآن صديقٌ عزيز لحكومة السيسي، إذ دعا الرئيس المصري إلى البيت الأبيض بعد أعوامٍ من تجنب إدارة أوباما التعامل معه بشكلٍ وثيق. وقد قدم ترامب الكثير على مستوى السياسة. ورغم أنَّ تعهد ترامب بأن يضع "أميركا أولاً" ومقترحات الموازنة الأولية أشارت إلى تفكيره في تقليص حزمة المعونة العسكرية السخية لمصر، فإنَّه تخلَّى سريعاً عن هذه المهمة.

وتحرَّكت وزارة الخارجية في إدارته لتهميش حقوق الإنسان، ما يعني أنَّ واشنطن لن توبِّخ مصر علناً بسبب أعمال القمع، وهو ما كان سابقاً مصدراً رئيسياً للتوترات بين وزارة الخارجية في عهد أوباما وبين حكومة السيسي.

من وجهة نظر كاتب التقرير فإنه يبدو توقيع العقد مع الحكومة المصرية غير مناسبٍ لشركة ويبر من عدة نواحٍ. آخر مرة عملت فيها الشركة لحساب مصر كانت قبل عقدٍ كامل، لتساعد في الترويج لصناعة القطن المصرية. كما أنَّ مصر حظيت بعلاقاتٍ مؤخراً مع جهات ضغطٍ سياسي بمجموعة شركات غلوفر بارك، ساعدت في إقناع المشرعين الأميركيين باستئناف المعونة الأميركية للقاهرة بعد انقلاب عام 2013، حسب تعبير المجلة الأميركية.

لكن على العكس من شركة غلوفر بارك المتوغلة في واشنطن، التي تضم بين صفوفها عدداً من أعضاء الحزب الديمقراطي السابقين، فإنَّ ويبر شركة علاقات عامة تروِّج المنتجات لعامة الشعب، وتشتهر بحملتها العامة للتوعية بشأن مشروع "أوباماكير" الصحي.


مصر للأمام


بدأت الشركة عملها لحساب مصر بإبداع اسمٍ دعائي جذاب، "مصر للأمام"، وإنشاء موقعٍ وحسابٍ على موقع تويتر ينشر بانتظام محتوىً من المقاطع المصورة والمقالات المتفائلة، التي تصف مصر بالبلد المستقر النابض بالحياة، الذي يسير قدماً نحو مجتمعٍ أكثر ديمقراطية واحتواءً.

وكان التوقيت بالغ الأهمية، إذ كان من المقرر أن يناقش مجلس الشيوخ الأميركي في الربيع حزمة مساعداتٍ قيمتها 1.5 مليار دولار للقاهرة، وسيقرر المشرعون ربطها بأوضاع حقوق الإنسان من عدمه.

وكانت الحكومة المصرية تضغط بنفسها على واشنطن في هذا الوقت، من أجل استمرار "التمويل النقدي"، الذي يسمح لمصر بشراء الأسلحة من شركات التصنيع الأميركية بالآجل. وكانت إدارة أوباما تأمل في إيقاف التعامل بهذه الآلية.

ورغم أنَّ ميزانية الدعم العسكري لم يتم إقرارها بعد، فإن مسؤولين بإدارة ترامب طمأنوا مصر، وأكدوا أنَّ حزمة المساعدات لن تتأثر، حتى مع احتمالية تقليص الدعم لحلفاء الولايات المتحدة الآخرين مثل باكستان وكولومبيا. إلا أنَّ تمويل برامج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في مصر يبقى في خطر، ويبدو أنَّ الإدارة الأميركية ستمتثل لخطة أوباما في إنهاء نظام التمويل النقدي. فما زال أمام شركة ويبر الكثير من العمل على ما يبدو.


الإخوان المسلمون


يُمكن أن تمثِّل جماعة الإخوان المسلمين فرصةً للشركة. فازت الجماعة الإسلامية السنية المنتشرة عالمياً بأول انتخاباتٍ مصرية ديمقراطية في 2012، لكنَّها سرعان ما خسرت الدعم الشعبي. هُنا قاد الفريق عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع حينها انقلاباً عسكرياً شعبياً أطاح بحكومة الإخوان والرئيس محمد مرسي، ثم شنَّ حملة قمعٍ دموية على مؤيدي الجماعة. ولطالما رغب السيسي في أن تعلن واشنطن الجماعة منظمة إرهابية رسمياً، وهو ما رفضت إدارة أوباما فعله، ومن شأن ذلك أن يجعل دعم أيٍّ من فروعها الدولية أو العمل معها ممارسةً غير قانونية، رغم أنَّ الكثير من فروعها تربطها علاقاتٌ مقربة بحلفاء الولايات المتحدة، وأبرزهم تركيا.

من جانبه، ملأ ترامب صفوف المسؤولين عن السياسة الخارجية بمنتقدي الإخوان المسلمين. وفي غضون أسابيع من توليه المنصب، كان السيسي ينظر جدياً في مطالبة مصر بإعلان الجماعة منظمةً إرهابية. كذلك تواردت الأخبار عن محاولات كبير الاستراتيجيين بالبيت الأبيض ستيف بانون دفع ترامب نحو استخدام سلطته التنفيذية، في إعلان الإخوان المسلمين منظمة إرهابية.

وتلعب شركة ويبر شاندويك دورها في هذه الجهود. بدأت الشركة هذا الربيع في إغراق المراكز البحثية وصناع القرار في واشنطن بمقاطع مصورة ومذكرات لكتاب غامضين، نُشِرَت كلها على موقع egyptfwd.org. وصفت المواد المنشورة مصر بأنَّها بلد يشق طريقه إلى نظامٍ أكثر ديمقراطية، وشريكٌ في الحرب على الإرهابيين الذين يهددون أميركا، أو كما قالت ورقة سياسية مختصرة أعدتها الشركة: "مصر تحارب الإرهاب نيابةً عن البشرية".

لكنَّ الحملة سرعان ما وقعت في الخطأ. إذ نشر الموقع، في 31 مارس/آذار أول منشوراته بعنوان "ما يحتاج العالم معرفته عن الإخوان المسلمين". ألقى المنشور بمسؤولية هجومٍ انتحاري في القاهرة أودى بحياة عشرات المسيحيين في نهاية عام 2016 على الإخوان المسلمين. لكنَّ تنظيم داعش كان قد أعلن بالفعل مسؤوليته عن الهجوم.

أهملت شركة ويبر شاندويك كذلك بعض السياقات الرئيسية في موادها عن الإخوان. فعندما صعد السيسي إلى السلطة، نفذت قواته الأمنية مجزرةً بحق مؤيدي الجماعة، مجبرةً إياها على العمل تحت الأرض وممزقةً أوصالها. وبينما لجأ عددٌ من فصائلها إلى العنف، اعتبر أقسى منتقدي الجماعة في الولايات المتحدة إعلانها جماعةً إرهابية أمراً بالغ الخطأ.

وقال دانييل بنجامين، أحد المنسقين السابقين لجهود مكافحة الإرهاب بوزارة الخارجية الأميركية، لمجلة بوليتيكو في وقتٍ سابق من هذا العام "أظن أنَّه أمرٌ غبي جداً... لعدة أسباب أهمها أنها ليست جماعةً إرهابية".

منذ وقَّعت ويبر شاندويك الاتفاق مع مصر، زاد السيسي من حدة قمعه. إذ حظر بعض الصحف، وحجب عدداً كبيراً من المواقع الإخبارية، واعتقل رموز المعارضة، وضاعف رهانه على سياسة الأرض المحروقة ضد الجماعات الإرهابية. وبعد تسريب مقطعٍ مصور، في أبريل/نيسان، يظهر قوات الجيش المصري وهي تنفذ عمليات إعدام خارج إطار القانون، هاجم الأعضاء الجمهوريون والديمقراطيون بلجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي سجل حقوق الإنسان المصري.

واقترح الديمقراطي بن غاردن، والجمهورية ليندسي غراهام في جلسة استماعٍ قطع حزمة المساعدات العسكرية عن مصر.

وحضر الجلسة ممثلون عن ويبر شاندويك كذلك، ووزعوا رزمةً لامعة من الملفات الدعائية، تصف مصر بـ"الشريك المستقر الذي يمكن الاعتماد عليه".

قدم الملف المكون من 14 صفحة تقييماً مشرقاً لسجل حقوق الإنسان في ظل نظام السيسي. وزعم المستند أنَّ أول عامين من حكم السيسي قد نتج عنهما "تحسنٌ في المؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في البلاد، والحقوق المدنية للشعب".

وفي حين ينقسم مراقبو الوضع المصري حول مدى خطورة التهديد الإرهابي الذي تواجهه مصر الآن، والحكمة وراء حملة السيسي القمعية، لا يمكن لأحدٍ أن ينكر الاعتداء الواقع على الحريات السياسية والاجتماعية.

ووصفت نجية بو نعيم، مديرة حملات شمال إفريقيا بمنظمة العفو الدولية، رسائل حملة ويبر شاندويك بـ"المثيرة للسخرية"، قائلةً إنَّ "الأوضاع أسوأ بكثير موضوعياً مما كانت عليه في عهد حسني مبارك، فيما يتعلق بمساحات المعارضة المتاحة".

لعبت الشركة أيضاً دور الميسر السياسي. حين وصل وفدٌ من البرلمانيين المصريين إلى واشنطن، من أجل تقديم موجز عن الوضع للمراكز البحثية والمشرعين الأميركيين قبل أسابيع.

وكانت ويبر شاندويك، من خلال شركة الضغط الخاصة "كاسيدي وشركاه"، هي التي توزع نقاط الحديث وتساعد على تنظيم الاجتماعات في الكونغرس الأميركي، وأعدَّت المشرعين لحضور هذه الاجتماعات، وفقاً لأشخاصٍ حضروا الاجتماعات مع الوفد، لكنَّهم فضلوا عدم ذكر أسمائهم.

وقد اتخذ تيد كروز، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس، تصنيف الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية مهمةً على عاتقه، داعماً تمرير مشروع قانون يحقق هذا الغرض. وفي حين لا تتوافر أدلةٌ عن لقائه بآخر الوفود البرلمانية المصرية، فإنَّه التقى بوفدٍ سابق، في أبريل/نيسان 2017، بعد وقتٍ قصير من إطلاق موقع ويبر شاندويك. ولا يتضح ما إذا كانت ويبر شاندويك قد لعبت أي دورٍ في ترتيب هذا اللقاء. ولم يستجب مكتب كروز لطلب التعليق على الأمر.

وقال مايكل وحيد حنا، الخبير المصري بمؤسسة القرن، إنَّ تأثير ويبر شاندويك محدودٌ على الأرجح، لأنَّ الكثير من أصحاب النفوذ في واشنطن لديهم آراءٌ مسبقة عن التحالف الأميركي المصري. وأضاف: "لن يغيروا رأي شخصٍ مثل جون ماكين، أو باتريك ليهي، أو ليندسي غراهام"، وهم من أبرز الأصوات المنتقدة لمصر في مجلس الشيوخ الأميركي.

لكنَّ ويبر تظل عاكفة على مهمتها. وأنتجت الشركة مقطعاً يلخص الزيارة التي شهدت لقاءاتٍ مع 15 مشرعاً أميركياً، وجَّه فيها المصريون رسالةً تحث على الوحدة، على حد تعبير النائب البرلماني المصري أحمد يوسف.

وقال يوسف: "لنتحد يداً بيد في مواجهة الإرهاب". والنائبة البرلمانية داليا يوسف، نائبة أخرى من أعضاء الوفد، قالت إنَّ الوفد ركز على تغيير "المفاهيم المغلوطة" حيال ما يحدث في مصر. ولم ترد السفارة المصرية في واشنطن على طلب مجلة "ذي أتلانتك" للتعليق على الأمر.

واحدٌ من هذه المفاهيم المغلوطة، وفقاً لأعضاءٍ بمراكز بحثية التقوا بالوفد وفضلوا عدم ذكر أسمائهم، يتعلق بقانونٍ أخير يُنظِّم عمل الجمعيات الأهلية في مصر. يمنح القانون المخابرات العامة، التي عينت شركة ويبر شاندويك، سلطة المشاركة في إيقاف نشاط جمعيات حقوق الإنسان غير الحكومية الممولة من الخارج.

ويؤسس القانون "جهازاً تنظيمياً يشمل أعضاءً من جهاز المخابرات العامة، إضافةً إلى ممثلين من وزارات الدفاع، والداخلية، والعدل، وممثلين آخرين". ووصف الوفد المصري، وكذلك موقع ويبر شاندويك والمواد المنشورة عليه، قانون الجمعيات الأهلية الجديد بأنَّه قانونٌ تنظيمي عادي.

لكن، وفقاً لمنظمة هيومان رايتس ووتش، القانون "سيحظر فعلياً نشاط الجمعيات المستقلة غير الحكومية". وقالت منظمة العفو الدولية إنَّه "سيقضي على منظمات حقوق الإنسان".


مثير للسخرية


ويقول حنا ومراقبون آخرون للساحة المصرية إنَّ أبرز ملامح ظهور ويبر شاندويك على الساحة هو قرارها بالعمل مباشرةً مع الاستخبارات المصرية. وأخبرني أوين سيرز، المحلل السابق للشأن المصري بوكالة الاستخبارات الدفاعية الأميركية، ومؤلف كتاب عن تاريخ البوليس السري المصري، أنَّ المخابرات كانت طوال تاريخها تفضل البقاء بعيداً عن الأضواء.

وقد ساعد هذا في إبقاء حجم جرائم جهاز المخابرات العامة لغزاً. ورغم أنَّ برنامج الدعم الأميركي لا يصل إلى المخابرات العامة مباشرةً، فإنَّ الولايات المتحدة من منظورٍ معين تدفع أجر خدمات شركة العلاقات العامة بصورةٍ غير مباشرة.

ويقول سيرز: "حين تتعرض للصعق بالكهرباء والتعذيب، فإنَّك لا تدري أهي المخابرات العامة أم هو جهازٌ مخابراتي مصري آخر. لم أتمكن أبداً من رؤية الصورة الكاملة حول ما تقدمه وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية للمخابرات العامة المصرية سنوياً، لكن هناك سبباً وراء امتلاك المخابرات العامة مقراً فاخراً".

ويضيف: "المثير للسخرية هنا أنَّ أموال دافعي الضرائب الأميركيين يتم ضخها إلى البوليس السري المصري سيئ السمعة، ثم يُعاد تدويرها إلى أيدي جماعات الضغط من أجل تحسين صورة مصر في واشنطن".

ووفقاً لحنا، حقيقة أنَّ جهاز المخابرات العامة قد خرج من الظلال على ما يبدو ليدعم جهود الضغط المصرية "تعطي صورة عن المؤسسات الصاعدة في مصر".

والسيسي بالتأكيد يتحرك لإبقاء المزيد والمزيد من المؤسسات المصرية، ومن ضمنها البرلمان والإعلام، في فلك الأجهزة الأمنية.
وقد وثَّق الصحفيون الاستقصائيون في مصر بالتفاصيل كيف لعبت الأجهزة الاستخباراتية في البلاد دوراً كبيراً في تجنيد مرشحي الأحزاب الموالية للسيسي في البرلمان المصري، ووفرت لرجال الأعمال التمويل اللازم لشراء الشركات الإعلامية.

ووجدت المؤسسات المدنية مثل وزارة الخارجية نفسها مهمشة، إذ يتولى ضباط المخابرات أدواراً دبلوماسية أكثر فأكثر. ومنذ تولي السيسي السلطة، أُعيدَ تعيين أكثر من 40 دبلوماسياً مخضرماً بطلبٍ من ضباط المخابرات وفقاً لموقع مدى مصر.

واعتبر تقرير لموقع الخليج أون لاين، أن الشيء غير المألوف في هذه الصفقة هو أن هذه هي المرة الأولى التي تعلن فيها مثل هذه التعاقدات للأجهزة الأمنية القوية في البلاد على الملأ، وأيضاً خطوة نادرة من قبل جهاز المخابرات.

كما أنها خطوة غير مسبوقة للحكومة المصرية، التي توفد بشكل تقليدي السفارة المصرية في واشنطن لوضع اللمسات الأخيرة لتلك العقود، التي تكون موقعة من قبل السفير المصري، الذي يعد ممثلاً للحكومة المصرية لهذه الوثائق.


منافسة سياسية


وبعد الكشف عن هذا العقد، كتب الباحث والناشط الموريتاني الأميركي ناصر ودادي، على موقع تويتر، حول صفقات المخابرات المصرية مع شركات العلاقات العامة، قائلاً: "يتعلَّق الأمر بمنافسةٍ سياسيةٍ داخليةٍ بين جهاز المخابرات ووزارة الخارجية. ويُعد تدخُّل المخابرات بنفسها خطوةً متأخرةً لجذب المستثمرين وطمأنة الخارج، وهي مهمات فشلت وزارة الخارجية في إنجازها. وأجهزة المخابرات تقوم بدور وزارة موازية للشؤون الاقتصادية والخارجية".

بينما يقول الباحث في العلوم السياسية، تيموثي قلدس، بمعهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، لموقع باز فيد: "أشعر بالفضول لرؤية ما إذا كانت جهود حملات الضغط ستركز على تحسين سمعة جهاز المخابرات العامة في مقابل سمعة الدولة المصرية. إن عمل العديد من المؤسسات من أجل تحسين سمعتها الشخصية أمر لافت.

وتوزِّع وزارة الداخلية، أو الجيش، أو جهاز المخابرات العامة المساعدات الغذائية بأنفسها بدلاً من توزيعها باسم الدولة المصرية. إن قدرتهم على الوصول إلى إدارة ترامب قد تزيد من قوتهم في مواجهة المؤسسات الأخرى في الدولة".

فيما يرى المحلِّل مختار عوض، بجامعة جورج واشنطن الأميركية أن الحكومة المصرية تعتقد أن علاقتها بالولايات المتحدة قد تدهورت بسبب العلاقات العامة السيئة وعدم قدرتها على نشر روايتها عن الأحداث". وأضاف: "إنهم ينفقون المزيد من الأموال لدعم هذا التوجه، ويبدو أن هذه السياسات آخذة في التوسّع".

وأدرجت وزارة الخارجية الأميركية مصر ضمن تقريرها السنوي عن انتهاكات حقوق الإنسان، وقال التقرير إن "الاستخدام المفرط للقوة من قبل قوات الأمن، والعجز عن حماية حقوق الأفراد، وقمع الحريات المدنية تعد من أهم مشكلات ملف حقوق الإنسان في مصر".

وأضاف التقرير أن الانتهاكات التي ترتكبها الحكومة المصرية تشمل "الاختفاء القسري، وعمليات القتل غير القانونية والتعذيب".


هل تأتي هذه الخطوة بنتائج عكسية لمصر؟


لكن في حين تسعى ويبر شاندويك إلى تمثيل المؤسسات الاستخباراتية الكبرى في مصر ونشر معلوماتٍ مشكوك في صحتها، يُمكن أن يُضعِف هذا موقف مصر في واشنطن بدلاً من تقويته، وفقاً لما نقله تقرير ذي أتلانتيك عن مختار عوض، خبير الإرهاب بجامعة جورج واشنطن. وقال عوض: "إن استمر هذا، سيضمنون بمفردهم ألا يأخذ أي طرفٍ مزاعم الحكومة المصرية على محمل الجد مجدداً".

ولم ترد ويبر شاندويك على أي رسائل بريد إلكترونية أو اتصالات هاتفية من مجلة ذي أتلانتك الأميركية طلباً للتعليق على الأمر.

وأوضح مايكل دان، الباحث السابق المختص بالشرق الأوسط في وزارة الخارجية والشريك الرفيع بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، في شهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، في أبريل/نيسان 2017، أنَّ هناك مخاوف أخلاقية تحيط بالدعم الأميركي لمصر.

وقال دان لذي أتلانتيك: "وضع حقوق الإنسان في مصر فاضح إلى حدٍّ يُصعِّب جداً التعاون مع الحكومة دون المشاركة في جرائمها بطريقةٍ ما".

وبالنسبة لجنزير، وهو الاسم المستعار لفنانٍ شهير غادر البلاد بسبب رسالته المناهضة للحكومة، فهو ليس متفاجئاً بعمل شركة علاقاتٍ عامة أميركية لحساب الاستخبارات العامة المصرية. لكنَّه يقول إن الدولة المصرية يُمكن أن تستخدم المال بصورةٍ أفضل. إذ قال: "مصر دولة فقيرة، وبعثرة الأموال على العلاقات العامة أمرٌ خاطئ جداً".

أما عن العاملين بمجال العلاقات العامة ممن يساعدون المخابرات في جهود نشر المعلومات عن مصر، فلم يتعاطف جنزير معهم كثيراً، وقال "إنَّهم حثالة الأرض. وإن كان الجحيم حقيقياً، أرجو أن يُخصَّص لهم مقعدٌ فيه"، حسب تعبيره.