بعد القبول المتزايد للموقف الروسي حول بقائه في السلطة.. هل انتصر بشار الأسد بالفعل؟

تم النشر: تم التحديث:
BASHAR ASSAD
RIA Novosti / Reuters

أشعلت الحرب السورية، وهي الآن في عامها السابع، توتراً خطيراً في المنطقة وخارجها. فقد انقسم بشأنها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتولَّدَت عنها أكبر أزمة لاجئين شهدها العالم، ولا يزال بإمكانها أن تؤدي لاندلاع حربٍ إقليمية. والآن يشارك فيها العديد من الأطراف الدولية الضالعة، وكُلٌ له أجندته الخاصة، والعديد منهم يحمل أوراقَ لعبٍ كفيلةً بإقصاء الآخرين عن اللعبة، ما يجعل حل الأزمة عصياً على بوتين وحده، وفق ما ذكر تقرير لصحيفة ديلي بيست الأميركية.

هناك قبولٌ متزايد وواضح للموقف الروسي القائم على بقاء الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة، على الأقل في الوقت الراهن، فيما يصبّ الجميع تركيزهم على محاربة ما يُسمَّى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

وقد أوضح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا الأمرَ بجلاءٍ تام، مع أنَّ فرنسا كانت تتصدَّر المطالبين برحيل الأسد في السابق. بينما توقَّعت إدارة ترامب من الأطراف المعنية أن تفهم هذا من بين سطور سياستها.

وقدَّم وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون للعلن يوم الأربعاء، 5 يونيو/تموز، عرضاً أميركياً جديداً من شأنه أن "يصنع الاستقرار" في سوريا، قبل مغادرته البلاد متجهاً لقمة مجموعة العشرين. ويدعو العرض لإقامة مناطق حظرٍ للطيران وتعيين مراقبين لضمان الالتزام بوقف إطلاق النار في سوريا، مع الإشارة أنَّ المراقبين سيكون من بينهم روسٌ وأميركيون.

ودعا تيلرسون أيضاً إلى "تنسيق عملية نقل" المساعدات الإنسانية إلى سوريا، والتي يمنعها نظام الأسد حتى الآن. كما طلب تقديم ضماناتٍ بألا تقع المناطق التي تشترك الولايات المتحدة في تحريرها من تحت سيطرة متطرِّفي داعش الآن، "بشكلٍ غير مشروع"، في أيدي أي فصيلٍ في سوريا.

وفي تصريح متضارب له، الجمعة 7 يوليو/تموز، قال وزير الخارجية الأميركي إنه لا مستقبل لبشار الأسد وعائلته في سوريا، وإن موقف بلاده لم يتغير من الحرب، وفق ما ذكر تقرير لهاف بوست عربي.


مستقبله بيد روسيا


وأفادت تقارير بأنَّ تيلرسون قال في اجتماعٍ مع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، الأسبوع الماضي إنَّ مصير الأسد في أيدي الروس.

لكنّ الأمر ليس بهذه البساطة.

حتى إن وافقت روسيا على استبدال الأسد، فإنَّ هذا لا يعني ضرورةً أنَّ بإمكانها تحقيق ذلك. فقد غيَّر تدخُّل القوات الروسية الجوية من موازين القوى في سوريا على نحوٍ جذري، إذ قلَّص نسبة المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المناهضة للحكومة من 60 إلى 20% من الأراضي السورية.

لكنَّ القوات البرية التي استولت على معظم الأراضي المُنتَزَعة من المعارضة هي ميليشيات تقودها إيران، ومن بينهم الكثير من المقاتلين الأجانب من حزب الله اللبناني، ومن العراق، وأفغانستان، وباكستان، ودولٍ أخرى. ولذلك تستحوذ إيران هنا على حق الفيتو، إذ إنها تدعم الأسد بحماسة شديدة، وقد سخَّرَ حرسها الثوري جمَّ موارده في القتال لأكثر من 3 أعوام.

ومن جهةٍ أخرى، أدانت إدارة ترامب التدخُّل الإيراني في اليمن وسوريا، وإجرائها اختباراتٍ بصواريخٍ متطورة. وتبدو الولايات المتحدة عازمةً على مواجهة سلطة الملالي التي تسيطر على إيران.

وبهذا يبدو السلام أمراً مستبعداً إن ظلّ الأسد في السلطة. وقد تُقسَّم البلاد في سيناريو كابوسي سيؤدي إلى المزيد من النزوح بين أبناء الشعب السوري وستتولَّد عنه حكومةٌ مركزية تعتمد كلياً على إيران.

بالمقابل، في فرنسا، أعلن ماكرون بوضوح أنَّ حكومته لن تستمر في المطالبة برحيل الأسد كشرطٍ مسبق لأي تسويةٍ سلمية كما فعل سلفه فرانسوا هولاند. وحتى هنا يَصعُب تخيُّل أنَّ ينتصر موقف ماكرون الجديد.

ومن جهتها، تصر تركيا، وهي مثل فرنسا واحدةٌ من حلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي، قطعاً على رحيل الأسد. وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم الأربعاء، 5 يوليو/تموز، إنَّ ماكرون "يتخذ مبادرةً خاطئة بالاعتراف بشرعية الأسد".

وتشترك تركيا مع سوريا في حدودٍ بامتداد 600 ميل (966 كم). وتسيطر القوات التركية على منطقةٍ بمساحةِ 810 أميال مربعة (نحو 2000 كيلومتر مربع) داخل الأراضي السورية وتستعد لتوسيع هذه المساحة. إذاً لتركيا حق الفيتو أيضاً. وفي حال بقاء الأسد فمن المُستبعَد أن تسحب تركيا قوَّاتها، ما سيؤدي فعلياً إلى تقسيم سوريا.

والأمر الذي بإمكان فرنسا فعله هو أن تسحب المساعدات السرية التي تُقدِّمها مجموعة "أصدقاء الشعب السوري" لقوات المعارضة التي تحمي نحو 3 ملايين مدني في إدلب ومحافظاتٍ أخرى شمالي سوريا. لكنّ هذا سيؤدي بدوره إلى كارثةٍ إنسانية، إذ سيفر معظم سكَّان المنطقة إلى تركيا، التي تضم بالفعل 3 ملايين لاجئ. ومن هنا قد تعيد تركيا فتح الطريق من جانبها أمام اللاجئين للفرار إلى أوروبا، بما فيها فرنسا.

وهذا في حد ذاته سيناريو لا يمكن تخيُّله بالنسبة لأوروبا، وهو ما ستستخدم فيه تركيا والولايات المتحدة حق الفيتو بلا شك.

كانت فرنسا القوة الاستعمارية الأخيرة في سوريا ومنحت بدورها ملاذاً للعديد من المدنيين السوريين والمنشقين العسكريين، لكن تلك حقائق غائبة عن ماكرون، السياسي الأحدث عهداً، والأصغر سناً، وربما الأكثر جاذبية على الساحة الدولية اليوم.

وقال ماكرون في مؤتمر صحفي جمعه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين مايو/أيار الماضي، إنَّ فرنسا ستتدخَّل وبشكلٍ أحاديّ إذا ما استخدم الأسد أسلحةً كيميائية مجدداً، وفق تقرير سابق لهاف بوست عربي.

لكنّ ماكرون وضع آنذاك "خطاً أحمر" جديداً، وكرَّر التأكيد عليه في مقابلةٍ صحفية أُجرِيَت يوم 21 يونيو/حزيران الماضي، وهو حماية "الممرات الإنسانية" في سوريا، في حين لم يُوضِّح ماكرون بعد ما يقصده بذلك تحديداً.

وإذا ما كان ماكرون يقصد الطريق المسدود حالياً أمام نقل المساعدات الإنسانية باعتباره خطاً أحمر، سيجد عندها وبسهولة سبباً للتدخل الفوري في الأزمة السورية.

وفي المقابل، ليست القوى الغربية وحدها المُتورِّطة في سوريا، فأهدافها عُرضةٌ لحق الفيتو المملوك من قبل قوى أخرى.

وتريد وحدات حماية الشعب، أن تخلق لذاتها رقعةً من الأرض تربط بين المناطق ذات الأغلبية الكردية لتشكِّل كياناً واحداً، لكن تركيا تدخَّلت للحؤول دون حدوث ذلك.

وتريد تركيا من جانبها طرد وحدات حماية الشعب من شمالي سوريا؛ كونها تابعة لحزب العمال الكردستاني. لكن الولايات المتحدة أرسلت قواتها الخاصة إلى الحدود السورية مع تركيا لمنع حدوث ذلك.

وحتى إيران قد استخفَّت قبلاً بالتحدي الذي يُمثِّله تحقيق مكاسبٍ دائمة في سوريا كمكافئةٍ لها على دعم الأسد. ومنذ بضعة أسابيعٍ فقط، أفادت تقارير من الإعلام الإخباري الإيراني بأن الهدف الرئيسي لإيران في خوضها الحرب السورية هو صُنع ممرٍ بري يصل إلى البحر المتوسط يمكِّنها من إمداد ميليشيات حزب الله في لبنان. وفي هذه الأثناء، تساند إيران المحاولات التي تقوم بها وحدات حماية الشعب لخلق منطقةِ سيطرةٍ تمكِّنها من التوسُّع في هذا الهدف.

لكن القوى المعارضة لإيران تشكِّل معسكراً عملاقاً - يتضمن تركيا، والولايات المتحدة، وإسرائيل - وسيكون هدفها صعب المنال إن لم يكن مستحيلاً.

وخلاصة القول هوَ أنَّ كل هذا يشكّل مأزقاً من المُستبعَد أن تجد أي مبادرةٍ أميركية - روسية جديدة حلاً له.