ديفيد هيرست: الحملة الحالية على قطر هي الفصل الأخير لسياسة دول الحصار.. والثورة قادمة لا محالة

تم النشر: تم التحديث:
CAIRO
POOL New / Reuters

استنكر الكاتب البريطاني ديفيد هيرست تهديد دول الخليج، التي رعت الانقلاب في مصر عام 2012، باستخدام الأساليب نفسها ضد جارتها قطر، معتبراً تصرفات هذه الدول، التي وقفت في وجه الديمقراطية بالوطن العربي، نشراً لبذور ثورة جديدة عارمة قادمة.

وتوقع هيرست أن تكون الثورة القادمة بعيدة عن الديمقراطية وسيادة القانون، ولا عن تجنب العنف، مضيفاً: "لن تكون منضبطة ذاتية ولا قابلة للتحكم. ولكنها قادمة لا محالة".

وفي مقاله الذي حمل عنوان "الثالث من يوليو/تموز: نهاية ثورة وبداية ثورة أخرى" والذي نشرته النسخة الإنجليزية لهاف بوست، اعتبر الكاتب أنه ليس من المصادفة أن يكون الثالث من يوليو/تموز هو هو موعد انقضاء المهلة التي مُنحت لقطر للاستجابة للمطالب السعودية الـ13، مشيراً إلى أن هذا التاريخ هو الذكرى السنوية الرابعة للانقلاب العسكري في مصر.

واستشهد الكاتب بتغريدات إماراتيين وسعوديين لمّحوا إلى عزل قطر، وأن تلقى مصير ميدان رابعة.

يقول الكاتب البريطاني متحدثاً عما وصفهم بـ"رعاة الانقلاب في مصر": "لقد ثمِلوا من السلطة والنفوذ، حتى إنهم يتوقعون -إذا ما لوحوا بعصا غليظة- أن يخنع الجميع لهم ويخضعون. هذا ما فعلته البحرين من قبلُ. أما قطر فما زالت حتى الآن تستعصي عليهم".


الفصل الأخير


واعتبر هيرست أن المحاولة الانقلابية في تركيا في العام الماضي، والحملة الحالية على قطر- ليستا سوى الفصل الأخير، لا أقل ولا أكثر، من العملية التي بدأت قبل 4 أعوام، على حد قوله.

وقال: "يعتبر إخراس قطر -التي دعمت الربيع العربي من خلال قناة الجزيرة- مسألة مركزية بالنسبة لنجاح العملية التي استمرت 4 أعوام متواصلة -الثورات المضادة للربيع العربي- تلك هي القوة المحركة من وراء الحصار والعقوبات التي تُفرض على قطر اليوم".

واعتبر هيرست أن إصرار كل من السعودية والإمارات ومصر والبحرين على حملتهم التي يطالبون فيها بوقف تمويل الإرهابيين، سلط الضوء أكثر على تواطئهم مع تنظيم القاعدة وداعش، محاولين التخلص من الأدلة الدامغة ضدهم من خلال كنسها تحت الطاولة.

وفي هذا الصدد، أشار الكاتب البريطاني إلى حادثة إطلاق سراح 1.239 سجيناً من المحكوم عليهم بالإعدام في السعودية شريطة أن يذهبوا للجهاد في سوريا. إضافة إلى الوثائق الصادرة عن الأمم المتحدة التي تكشف النقاب عن أن مصر تحفظت على مقترح لأميركا بإضافة تنظيم "الدولة الإسلامية" في كل من المملكة العربية السعودية واليمن وليبيا وأفغانستان والباكستان إلى قائمة الأمم المتحدة للجماعات والأفراد المشمولين بالحظر. ثم عادوا وأعاقوا المقترح تارة أخرى في شهر مايو/أيار.


الجانب الآخر من الحكاية


ثم انتقل الكاتب للحديث عن مصر بعد الانقلاب العسكري، واصفاً القاهرة اليوم بأنها تجثو على ركبتيها، وقد أنهكها الحكم الرديء، متوقعاً أن هذه الدولة لن تتعافى أبداً بعد ذلك. إلا أن هذا مجرد جانب واحد من الحكاية.

وأشار هيرست إلى أن خط التصدع الرئيس في العالم العربي، والذي لم تتمكن انتفاضات عام 2011 من تجاوزه، إنما أنشأه توزيع الثروة. فباستثناء العراق والجزائر، الغنيَّين بالثروة النفطية واللذين أقعدهما الفساد والمحسوبية وأصاباهما بالشلل، تتركز الثروة في جانب واحد من العالم العربي بينما تتكتل الجماهير في الجانب الآخر. ومن دون أن يستثمر الجانب الثري من العالم العربي في الشعوب، كان محكوماً على الربيع العربي أن ينتهي إلى الإخفاق الذريع. وهذا ما يحسه الناس اليوم بالقدر نفسه الذي كانوا يشعرون به في عام 2011.

وأعرب الكاتب البريطاني عن الصدمة التي قد يصاب بها الشخص عندما ينظر إلى البلدان العربية الأوسع ثراء بذلك الكم الهائل من الثروة وبطريقة إنفاقها وتبديدها.

ولعل ترتيب صناديق الثروة السيادية يحكي قصة مثيرة للاهتمام، وفقاً للكاتب. فأولاً، ثمة كم هائل من الثروة -مجموع ما في صناديق الثروة السيادية لدول الخليج يصل إلى 2.8 تريليون دولار. تبلغ قيمة صندوق قطر السيادي 320 مليار دولار، وهو رقم متواضع مقارنة بالصناديق الأخرى مع ملاحظة صغر تعداد السكان في قطر. تصل قيمة موجودات المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين مجتمعةً إلى ما مقداره 2.53 تريليون دولار.

وأضاف: "ألْقِ نظرة أقرب وستجد أن شيئاً ما لا يُعقل بشأن الأحجام النسبية لهذه الصناديق. فالصناديق التي تملكها 6 صناديق سيادية إماراتية مجموع ما فيها أقل بقليل من 1.3 تريليون دولار، بينما تقدر قيمة الصندوقين الأكبر المملوكَين للسعودية بما يقرب من 679 مليار دولار، أي نصف ذلك (أي نصف مجموع الصناديق السيادية للإمارات). من المفروض أن يكون الوضع معكوساً. هناك 5 عائلات ممتدة في الشرق الأوسط تملك 60 في المائة من نفط العالم، بينما تسيطر العائلة السعودية على ما يزيد على ثلث ذلك.


الثقب الأسود في الحسابات السعودية


فسر هيرست هذه الأحجية، بما وصفه بـ"الثقب الأسود الموجود في حسابات الدولة السعودية"، حيث أشار إلى تقدير روبرت باير -العنصر السابق في الـ"سي آي إيه" والذي ألف كتاباً حول الموضوع عام 2003- عدد أفراد العائلة (آل سعود) بـ30 ألفاً، منهم -كما ذكر سابقاً- ما بين 10 آلاف و12ألفاً يتلقون رواتب تتراوح ما بين 800 دولار و270 ألف دولار في الشهر. هذه الأرقام عمرها 14 عاماً، ولربما ارتفعت بشكل كبير منذ ذلك الوقت.

وقال هيرست إن أموالاً طائلة تختفي من الميزانية السعودية تصل قيمتها إلى 133 مليار دولار، وذلك وفقاً لتحقيق استقصائي نشره موقع عرب دايجيست (البريطاني) في شهر مايو/أيار.


فرض رسوم على العمال الأجانب


وقال الكاتب البريطاني إن هذا المال المفقود لا يُنفَق على الشعب، مضيفاً: "بل تجدهم يبحثون باستمرار عن مصادر أخرى للدخل، مثل العمال الأجانب. سوف يُفرض على 11 مليون عامل أجنبي الدفع مقدماً رسوماً عن أفراد عائلاتهم المرافقين لهم في البلاد كشرط للحصول على تأشيرات دخول وخروج لهم. سوف يُطلب من كل مقيم أجنبي دفع 319 دولاراً عن كل فرد من أفراد عائلته لهذا العام، على أن يرتفع المبلغ إلى أن يصل 1.070 دولاراً بحلول عام 2020".

وذكر هيرست أن قيمة الموجودات الخارجية تراجعت خلال الربع الأول من هذا العام بمقدار 36 مليار دولار، وتراجعت من 737 مليار دولار في شهر أغسطس/آب من عام 2014 إلى 529 مليار دولار في ديسمبر/كانون الأول 2016.

وأضاف: "هذا دليل على فسادٍ على نطاق واسع، ويمكن أن يُستنتج منه أن ميزانية الدولة تُستنزف لإبقاء العائلة الملكية الحاكمة في نمط من المعيشة تعودوه".


الثورة قادمة


يقول الكاتب: "تصوَّرْ لو أن المملكة العربية السعودية والإماراتيين في عام 2011، بكونهما أغنى بلدين في العالم العربي، تبنتا توجهاً مختلفاً واتخذتا قراراً آخر. تصورْ لو أنهما بدلاً من الاستثمار في الثورة المضادة وفي عقد آخر من القمع والظلم، اختارتا أن تستثمرا في الديمقراطية وفي الناس!".

وأضاف: "وكل ما كان مطلوباً من جزء من العالم العربي هو الإيمان بالجزء الآخر والثقة به والاستثمار فيه. لكن الأخوة الحقيقية في هذا الجزء من العالم الذي يكثر في ثقافته استخدام كلمة (أخي) تبدو شحيح".

وتساءل الكاتب: "هل أصبحت الحدود الجنوبية للمملكة أكثر أمناً بعد كل هذا القتل والدمار في اليمن؟! وهل يشعر اليمنيون بأنهم مدينون للسعوديين أو الإماراتيين بعد ما مروا به من تجارب؟!".

بعد كل هذا السرد، توصل الكاتب إلى أن الثورة قادمة لا محالة، لكنها هذه المرة لن تكون ثورة قائمة على الديمقراطية ولا على سيادة القانون ولا على تجنب العنف. ولن تكون منضبطة ذاتية ولا قابلة للتحكم. ولكنها قادمة لا محالة.

وأضاف: "حال المنطقة ككل لا يختلف عن حال مصر. في اللحظة نفسها التي يشعر فيها السعوديون والإماراتيون بنشوة النصر تجدهم في الواقع ينشرون بذور ثورة جديدة عارمة قادمة".