شيءٌ من هذا القبيل.. حكاية كاتبٍ مع الحياة والموت

تم النشر: تم التحديث:
S
social media

يستطيع كاتب جيد أن يأخذ بيديك من بين جدران منزلك إلى مساحته الخاصة، يغوص بك في تفاصيل حكايته، ويعود بك في النهاية مُشبعاً بأسرارها. لكن الروائي المصري إبراهيم أصلان، يعرف كيف ينتزعك بخفة؛ ليجعلك تعيش لحظة عابرة في ثنايا قصصه القصيرة، وكأنها تمتد للأبد.

وبينما تنتقل من قصة لأخرى، تلحق بك التفاصيل، وتتلاقى خطوط الحكايات بعقلك؛ فتتعرف على نهاية الشيخ حسن، بطل روايته، "مالك الحزين"، في مجموعته القصصية التي بين أيدينا، "شيء من هذا القبيل"، وترى كيف ذهب الأستاذ عبد الظاهر دون رجعة "بالجلباب والشبشب"، وتسكن في أحياء إمبابة والمقطم في القاهرة، وتُصلح عربة فولكس 58، وربما، تُحاول التسلل؛ هرباً من جارٍ مُزعج، أو عابر سبيل في طريق الحياة.


إمبابة - المقطم.. حينما ترتبط تفاصيل الحياة بالمكان غصباً عنا


يُعرّف إبراهيم أصلان نفسه بأنه كاتب للقصة القصيرة، فبدأ في كتابة روايته الأولى مُضطراً، حينما رشحه نجيب محفوظ ليتفرغ لعام كامل من العمل الحكومي، ولم يكن يُمنح هذا التفرغ إلا لكتابة الرواية؛ لتخرج "مالك الحزين" للنور، وتتحول فيما بعد للفيلم السينمائي الشهير، "الكيت كات".

تسبق المجموعات القصصية الرواية، وتليها، مثل "بحيرة المساء"، وهي الأولى لكاتبنا، و"شيء من هذا القبيل"، المجموعة الحاضرة بين أيدينا الآن.

تظهر ملامح حياة أصلان في الرواية واضحة وجلية، يستهل مقدمة قصصه بإمبابة؛ ليُخبرنا "أُنزع الآن عن إمبابة، كما تُنزع قطعة لحاء جافة، وإن كانت حية، عن جذعها الطري، كيما تلتصق بجذع آخر".

تفاصيل الحياة الأولى وهو طفل، والخروج بعدها للحياة؛ بحثاً عن الذات، وإيماناً بها. كان للمكان والزمان قيمة في قصص أصلان، يُضفي عليهما صفة إنسانية، ليُزيح عنهما ستار الغموض والحيرة، ويُسبغ عليهما من مواقف الحياة قيمة عُظمى، تتجلى في التفاصيل الصغيرة جداً.

عن إمبابة، يحكي إبراهيم أصلان أنه، في الحواري الصغيرة على جانبي النيل، كان باستطاعته هو وأبناء قريته وأصدقائه قضاء أغلب أوقاتهم في النهر، ما بين اللعب على شواطيء "البحر" كما كانوا يطلقون على نهر النيل حينها، والغوص في داخله أحيان كثيرة، أو الاستمتاع بالاحتفالات على جانبيه، عيد "وفاء النيل" كان أحد أهم هذه الاحتفالات.

يغوص النيل بعد ذلك، تختفي مياه الفيضانات مع بناء السد، وتعلو البنايات على جانبي النهر لتحجبه عن الرائي، ولم يتبق سوى الحزن في قلب الكاتب.


رسائل إلى الأصدقاء.. ورسالة إلى الله


مثلما للمكان والزمان حظوة لدى كاتبنا؛ فللجيران، والصحبة، ورفاق القهوة، والطريق، والعمل كذلك مكانة خاصة، تمتلئ بها الحكايات زخماً وتُشع حياةً.

استعان أصلان في مجموعته الحاضرة بالرسائل؛ ليُطلعنا على مزيد من تفاصيل حياته، بعضها كان يخصه، ومنها رسالة الكاتب المغربي، محمد برادة، يصف فيها القاهرة، ويتعجب من قدرة أهلها على الحديث دائماً، عن كل التفاصيل، ويتساءل في النهاية عما قد يحدث لو توقف الكلام بالمدينة يوماً كاملاً؟

يتخيل أصلان جزءاً من الإجابة، بينما يأخذ بأيدينا لرسالة أخرى، هذه المرة من غريب؛ لكنها تركت أثراً في شخصيته، والأهم أنها لم تكن له، بل كانت "رسالة إلى الله"، رسالة بعث بها مواطن مصري إلى الله عن طريق البريد، يطلب بها عملاً ويُطالب بالرد، بينما يترك أصلان النهاية دون تعليق، ويدع الفرصة للقارئ؛ كي يحسم أمر طبيعة علاقته مع الله، وكيف يتعامل البُسطاء مع الخالق دون قيود أو تطرف.


نهايات مفتوحة.. وإجابات عن أسئلة الماضي


تمتلك القصص القصيرة لأصلان عُقدة، ربما تبدو واضحة للجميع، أو تبدو معها النهاية أكثر وضوحاً؛ لكنه دائماً يُفاجئنا بنهاياته المفتوحة، ويدعنا أمام أسئلة عميقة عن احتمالات ما قد يكون.

يحكي مثلاً في إحدى قصصه عن فتاة عشرينية تبيع الجرائد على ناصية من نواصي المقطم، وتسأله، هو الغريب، عن القدر، وعن الحبيب الذي لا تستطيع الزواج به؛ لأنه "لا يمتلك شيئاً". يهرب الكاتب من السؤال، وصاحبته دون أن يمتلك إجابة واضحى للسائلة، أو للقاريء.

قد ينتهي بها الأمر هاربة من والدتها، وباحثة عن الحب الذي تتخيله؛ لكن النهاية التي تركها الكاتب لنا، تجعلنا نُعمل عقولنا في البحث عن احتمالات أخرى، ويضع الواقع لمساته، فتُغزل الأفكار قوية خلابة، عما سيكون، لو حدث هذا الاحتمال أو ذاك.

لكن يأبى أصلان إلا أن يُعطينا بعض الإجابات، عن أسئلة الماضي هذه المرة؛ فيترك أبطال مجموعته القصصية ببهاء، مُحملين بعبء السؤال عما أصابهم، ويفتح باب الحنين لروايته، "مالك الحزين" ولأبطالها، فنراه يتجول باحثاً عن نهاياتهم، ويتتبع أطراف القصص؛ كي يتعرف إلى طريقة موت أحدهم، أو توبة الآخر أو جنونه. وهو في هذا لا يتكفل عبء إطلاق الأحكام على أي منهم؛ بل يترك كلاً منهم لقصته الخاصة، ونهاية يصنعها بيديه.

الشيخ الأعمى الذي تساءل أصلان عن كيفية إدراكه لما حوله بدهاء يجعله يتعجب من التفاصيل التي لا يراه هو المبصر، يتجول أصلان في حكايات الشيخ حسني ورفاقه حتى اليوم الذي توفي فيه. ويتركنا في النهاية مع الموت دون إصدار أحكام أو تتبع مساويء شخصيته ورفاقها. هو فقط يحكي القصص، ويدعك كقاريء تتخير الإعجاب بالشخصية، أو إنكارها.


عن الكاتب


توفي إبراهيم أصلان في 7 يناير/كانون الثاني عام 2012، وترك لنا إرثاً أدبياً من روايات وقصص، منها "بحيرة المساء"، و"عصافير النيل"، و"حكايات فضل الله عثمان"، و"خلوة الغلبان".