"رأيت ما تبقى من جسد طفلي داخل قبره"... لبنانية تروي تفاصيل مؤثرة خلال دفنها طفلاً سورياً في قبر ابنها

تم النشر: تم التحديث:
ALAMALLBNANYH
خاص هاف بوست

"تخلَّيت عن كلِّ مشاعري، وأردتُ حماية هذا الطفل السوري بقبر يؤويه"، بنبرة مؤثرة وكلمات تملؤها العاطفة والحنين إلى ابنها المتوفَّى، روت السيدة اللبنانيّة صبحية فياض، من منطقة الفاعور البقاعية، قصَّتها الفريدة لـ"هاف بوست عربي".

وقالت فياض إنَّ طفلها محمد ناصر بدر توفِّي منذ عامين بعد إصابته بحرارة عالية، وكان يبلغ من العمر 4 سنوات فقط، وقد دُفن في مدافن البلدة. وأضافت: "عندما شبَّ حريق في مخيَّم للاجئين في قب إلياس، علمتُ أنَّ طفلاً سورياً يدعى خالد الدوحان توفِّي نتيجة الحروق البالغة التي أصابته، وكان ذلك عند الساعة العاشرة صباحاً.

والمفاجأة كانت أنَّه في اليوم الثاني لم يكُن الطفل قد دُفنَ بعد، بسبب عدم توفُّر المقابر الكافية. تابعت السيدة التي قامت بخطوة إنسانيّة لافتة: "اتجهت إلى مستشفى البقاع في اليوم التالي، حيثُ تقبع والدة الطفل وهي حامل بشهرها التاسع بعدما أصيبت بحروق بيديها ورجليها، كذلك شقيقته الصغرى البالغة من العمر 9 أشهر، التي أصيبت بحروق أيضاً، وطلبت من الأم ومن إدارة المستشفى تسليمها جثّة خالد التي كانت في براد المستشفى".

وقالت إنَّ إدارة المستشفى كانت متعاونة جداً، وقمت بالإجراءات الأمنية اللازمة لتسلُّم الجثة، التي وضعناها في كفن أبيض، وتوجَّهت إلى قبر ابني.


فتحته بنفسي


khlaladdfn

هنا تتكلّم فياض بنبرة حنونة، لكنّها تعكس القوة التي تمتعت بها عند دفن الطفل السوري، فقالت إنّها فتحت قبر ابنها بنفسها، ورفعت التراب عن الجثة التي دفنت منذ عامين، ولفتت إلى أنَّ شعورها بتلك اللحظة لا يوصف، فقد تجرَّدتْ من أحاسيسها لدفن الطفل الذي تعتريه التشوّهات، وقالت: "عند فتح القبر المشهد لم يكن طبيعياً، توقفت عن الشعور، الإيمان دفعني لذلك، وقد أكرِّر التجربة من أجل أي نازح لا يجد قبراً. همي الوحيد كان دفن الطفل كما دُفن ابني".

السيدة التي لديها 3 فتيات وصبي الآن أعربت عن اللهفة التي شعرت بها تجاه هذا الطفل، الأمر الذي دفعها إلى تسلمه من براد المستشفى ودفنته بيدها، وقالت: "تخيَّلتُ لحظة دفن ابني محمد، الذي بقيت آثاره في القبر، فظهره ورأسه لا يزالان ظاهرين داخل القبر. رأيته مجدداً". وشدَّدت السيدة على أنَّ الدافع وراء ما فعلته كان الحَسَنة لا الشهرة.


أزمة مقابر


من جهته، أوضح الشيخ هيثم طعيمي، رئيس جمعية الإنماء والتجدد في الفاعور، والتي تقدِّم العناية الصحيّة والتربوية للنازحين، في حديثٍ لـ"هاف بوست عربي" أنَّ مسألة الدفن في لبنان باتت تشكِّل أزمة للنازحين السوريين، لافتاً إلى أنَّ نسبة وفيات السوريين قبل 7 أعوام كانت تُقارب الـ4 حالات بين كلِّ ألف سوري، أمَّا اليوم فلا توجد إحصاءات رسميّة، لكن مع سوء التغذية وارتفاع الأسباب المؤديّة للوفاة، توقّع أن تكون النسبة قد تجاوزت الـ10 بالألف.

وقال إنَّ الجمعيَّة خصَّصت 60 قبراً للنازحين داخل مقبرة صغيرة في البلدة في العام 2012، لكنَّها نفدت خلال أشهر قليلة. وإذ لفت إلى أنَّ المواثيق الدوليّة تشدّد على أن يتوفَّر لكلِّ نازح قبر فردي، كشف أنَّ الأزمة الحقيقية لعدم توفُّر قبور تنبع من التقاليد الدينية التي يجب اتباعها عند دفن كلِّ ميت بحسب طائفته. ولفت إلى أنَّ هذه الأزمة في مناطق عكار وطرابلس أقل، أمَّا في البقاع فتوجد كثافة للنازحين، ومثلاً إذا توفي مسيحي في منطقة سنيّة لن يدفنه أهله إلا على الطريقة المسيحية، الأمر الذي يستدعي البحث عن قبور في قرى مجاورة.

وأوضح أنَّ الأزمة بدأت منذ عامين، عندما اتخذ عدد من قرى البقاع الأوسط قراراً بوقف دفن أي سوري، إلا إذا كان توفي داخل البلدة، ولفت إلى أنَّ السوريين الذين يعيشون في المخيَّمات يواجهون المشكلة الأكبر، لأنَّهم يتواجدون على أطراف القرى، لا داخل قرى محدَّدة.

وألقى الشيخ طعيمي الضوء على الأزمة الإنسانية، موضحاً أنَّ المعاناة لا تنتهي عند حدود الدفن، ولا تنتهي القصة بالوفاة، بسبب الدفن العشوائي واحتمال عدم تحديد القبر، كذلك التشتت بين العائلات بسبب أماكن الدفن.

وتعود أزمة عدم وجود القبور لأسباب اجتماعية، وقلَّة أماكن الدفن يعاني منها اللبنانيون أيضاً، ولا يُمكن أن توضع في خانة التمييز، لأنَّ عدداً من المقابر تستقبل السوريين مثل "الجراحية" في خراج المرج، مقبرة برالياس، مقبرة مجدل عنجر، مقبرة العمرية وفي الفاعور. كما قدَّم مواطن لبناني العام الماضي عقاراً عند طلعة التويتي في البقاع، وخصّصه لدفن السوريين، لكن المسألة هي عدم وجود مساحات كافية.

فقد ازداد عدد السكان بكثافة هائلة خلال السنوات الأخيرة، مع استقبال لبنان لأكبر عدد من النازحين السوريين الذين ينجبون أطفالاً بمعدلات عالية إلى جانب اللاجئين الفلسطينيين، علماً أنَّه من أصغر الدول في المنطقة مساحةً، الأمر الذي يستدعي خططاً استباقيَّة، لأنَّ هذه المشكلات ستتطوَّر وتكبر في السنوات الآتية.