مصافحة بين الغنوشي وسيدة يسارية تُثير النقاش في تونس.. اتهموها بالنفاق والتملُّق بمدّها اليد لإسلامي!

تم النشر: تم التحديث:
DF
social media

أثارت صورة نشرها رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، على صفحته الرسمية بفيسبوك وهو يصافح الأستاذة الجامعية ومديرة دار الكتب الوطنية (مؤسسة ثقافية حكومية)، رجاء بن سلامة- جدلاً واسعاً وأحيت صراعاً قديماً متجدداً بين اليساريين والإسلاميين في تونس، وصل لحد مهاجمة هذه السيدة الجامعية وتخوينها من قِبل بعض النخب العلمانية في تونس.

وكان الغنوشي قد نشر الصورة المثيرة للجدل رفقة صور أخرى، في إطار مشاركته في أربعينية الراحل الحبيب اللمسي، مؤسس دار الغرب الإسلامي التي انتظمت بمؤسسة دار الكتب الوطنية في تونس العاصمة والتي تترأسها الجامعية بن سلامة.


"صافحتُ الغنوشي وبعد..؟!"


الباحثة رجاء بن سلامة، المعروفة بتوجهها اليساري وبمواقفها المعادية لحركة النهضة وللاتجاه الإسلامي بشكل عام، ردت في تدوينة على صفحتها الرسمية بفيسبوك على منتقديها، واصفةً إياهم بـ"سخفاء العقول"، متسائلةً في الآن ذاته: "صافحتُ الغنّوشيّ، وبعد؟!" ، ومعربةً عن استنكارها حدّة الهجوم الذي طالها بسبب تلك المصافحة، ومبررةً تصرفها بأنه يندرج ضمن باب "الأدب والأخلاق".

وأضافت:" أذكّركم بأنّ الخصم السياسي في الديمقراطية ليس كافراً ولا عدواً؛ بل مواطن مختلف عنك. وهذه آرائي لم أحِدْ عنها يوماً".

بن سلامة، شددت أيضاً على أن مصافحة رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، لا تعني أنها ستتبنى بالضرورة أفكار الحركة الإسلامية، ولن تلغي ما كتبته طيلة 30 عاماً من أفكار ومواقف منتقدة للإسلام السياسي، على حد قولها.



القيادي في حركة النهضة والمدير السابق لمكتب الغنوشي زبير الشهودي، اعتبر في تصريح لـ"هاف بوست عربي" أنه من الواجب على التونسيين "الارتقاء قليلاً والفصل بين المواقف السياسية والآيديولوجية، للسياسة أخلاق أيضاً من جهة وبين العلاقات الاجتماعية والسلوكات الأخلاقية اليومية بين الأفراد من جهة أخرى".

وأضاف: "للسياسة أخلاق أيضاً، ونحن في حركة النهضة لنا أعراف نحترمها حتى مع مخالفينا السياسيين، سواء في المناسبات السعيدة أو المؤلمة، وما فعلته الجامعية رجاء بن سلامة مع السيد راشد الغنوشي ذلك عين الصواب والأخلاق، وهذا لا يعني تغيراً في المواقف الآيديولوجية من كلا الطرفين".

الشهودي، اعتبر أن نشر صورة المصافحة بين الغنوشي وبن سلامة ليس القصد منه التشهير ولا إثارة الجدل والحساسيات السياسية؛ "بل تقديم نموذج حميد للتعايش السلمي والإنساني بين أفراد الشعب الواحد بغض النظر عن المواقف والقناعات السياسية والآيديولوجية".


شيطنة الخصوم السياسيين


من جانبه، اعتبر الكاتب والباحث التونسي سامي براهم الجدل الذي خلفته المصافحة "غير مبرر"، مشدداً في حديثه لـ"هاف بوست عربي" على أن طبيعة المنصب الذي تتولاه السيدة بن سلامة، باعتبارها تدير مؤسسة عمومية، "تقتضي منها بالضرورة الترحيب بضيوفها بغض النظر عن اختلاف المواقف والاستقطاب الآيديولوجي الحاد بينهم".

براهم، استهجن في السياق ذاته "الشرخ" القائم بين فئات من التونسيين بعد الثورة وانقسامهم بين تيار علماني مقابل تيار إسلامي، والذي وصل -حسب قوله- إلى "درجة من الخلاف والشيطنة السياسية جعلت من السلوك والتواصل الإنساني أمراً مستهجناً ومستغرَباً".

وختم بالقول: "مثل هذه الحوادث البسيطة كفيلة بأن تكشف لنا مدى الجراحات والشروخ التي يحملها جزء من النخب السياسية في تونس، وهذا يحتاج إلى مزيد من بناء جسور الثقة وتبديد أسباب هذه الخلافات، لا سيما أن القضاء التونسي لم يحسم حتى اللحظة في قضية اغتيال القياديين اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي والتي لا تزال الأحزاب اليسارية والنخب العلمانية تحمّل (النهضة) المسؤولية الكاملة عن هذه الاغتيالات".


جدل عبر فيسبوك وهجوم على بن سلامة


الجامعية التونسية ألفة يوسف، شنت هجوماً شرساً على زميلتها رجاء بن سلامة؛ بسبب "المصافحة"، واعتبرت أن ما قامت به بن سلامة وتبريرها مصافحة من سمتهم "الإرهابيين" بمثابة "النفاق".

نشطاء آخرون هاجموا بن سلامة واعتبروا في تصرفها "نوعاً من النفاق والتملق":

على الجانب الآخر، انتقد مثقفون تونسيون الهجوم على الجامعية التونسية واعتبروا موقف المعارضين نوعاً من "الدعشنة العلمانية"؛ بسبب عدم تسامحها مع الخصوم السياسيين:




حوادث مشابهة


جدير بالذكر أنها ليست الحادثة الأولى في تونس التي يثار فيها هذا الصراع المتجدد بين الإسلاميين والعلمانيين بتونس بسبب مصافحة، حيث فجرت سابقاً مصافحة الغنوشي للقيادي اليساري في حزب "الوطن" محمد جمر، جدلاً بين الأحزاب السياسية ذاتها، لا سيما أن هذا الحزب اليساري ما انفك يتهم "النهضة" سياسياً وجنائياً بمسؤوليتها وتورطها في "اغتيال القياديين اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي".

ولم يقف حينها الجدل عند ذلك الحد؛ بل دفع بالحزب اليساري لنشر بيان استنكار وتوضيح لطبيعة المصافحة التي جمعت بين الغنوشي ومحمد جمور، متهمين "النهضة" بـ"التوظيف الرخيص للصورة لخدمة أهداف سياسية وآيديولوجية".