بعد دعمهم له.. مسيحيون عراقيون مهدَّدون بالترحيل من أميركا بسبب سياسات ترامب.. فماذا فعلوا؟

تم النشر: تم التحديث:
YYYY
Age Fotostock

منذ أسابيع قليلة، دخل ضباطٌ من إدارة الهجرة الفيدرالية إلى عددٍ كبير من المنازل في أحياء مدينة ديترويت الأميركية، متجاوزين الأطفال الذين اجهشوا بالبكاء، والزوجات المصدومات، وتماثيل مريم العذراء؛ بحثاً عن رجالٍ نَفَدَ وقتُ إقامتهم في البلاد.

إذا قويت شوكة إدارة ترامب، فقد يُرحَّل أكثر من 100 شخصٍ من هؤلاء الرجال قريباً، مثلما اعتُقِلَ عشرات الآلاف من الأشخاص خلال العام الحالي ضمن حملةٍ قومية ضد الهجرة غير الشرعية، ‏حسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية .

لكن ربما أحدثت عمليات الاعتقال هذه صدمةً داخل المجتمع العراقي المسيحي في أميركا أكثر من غيره من الأقليات.

فرَّ مسيحيو العراق، مع عائلاتهم منذ عقود؛ لأنَّ العيش في العراق كمسيحيٍ يعني ألَّا تكون لك حياةٌ على الإطلاق، وأحياناً يعني الموت حسبما يقولون، كما نقل عنهم تقرير نيويورك تايمز.

واستقر هؤلاء في مدينة ديترويت وضواحيها، وكوَّنوا ما يُعَدُّ حالياً أكبر تجمعٍ في العالم للمسيحيين الكلدانيين، نسبةً إلى أصولهم القديمة في جنوب بلاد الرافدين. ومارسوا أنشطةً تجارية، وأسَّسوا عدة كنائس كاثوليكية كلدانية، ونما عددهم وتراكمت ثرواتهم.

غير أنَّهم معرَّضون أيضاً لتطبيق قانون الهجرة الأميركي عليهم بطرد ما يعرف بالأجانب المجرمين، وذلك رغم الوعود القوية التي أعلنها الرئيس ترامب لهم (كجزء من مسيحيي الدول العربية)، والذي رأوا في انتخابه معجزةً من الله حلَّت بسبب تبرعاتهم، وصلواتهم، ومباركات رجال الدين.

وكان ترامب قد قال إن أميركا ستعطي الأولوية للاجئين المسيحيين في الدخول.

وزعم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في يناير/كانون الثاني 2017، أن إدارة الرئيس الأميركي السابق كانت تتبع سياسة محابية للمسلمين وعلى حساب المسيحيين خلال تطبيقها برنامج إعادة التوطين للاجئين في الولايات المتحدة.

وقال ترامب إن "المسيحيين تعرضوا لظلم فظيع، ولو أنك سوري مسيحي فمن شبه المستحيل أن تأتي إلى الولايات المتحدة، أما لو كنت مسلماً فبمقدورك المجيء إلى هنا، وهذا ظلم. سنقدم المعونة للمسيحيين".

وفي تغريدةٍ له على موقع تويتر في يناير/كانون الثاني 2018، قال ترامب: "يُعدَم المسيحيون في الشرق الأوسط بأعدادٍ كبيرة. لا نستطيع السماح باستمرار هذا الأمر!"، ليعود إلى شعارات حملته الانتخابية التي أَسَرَتْ قلوب الكلدانيين وضمنت أصواتهم الانتخابية عبر مقاطعتي ماكومب وأوكلاند. وكما يقول الكلدانيون، سابقاً بزهوٍ وحالياً بحنق، فقد أسهمت منطقتهم في ترجيح كفة التصويت بولاية ميشيغان لمصلحة ترامب في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بانتخابات الرئاسة الأميركية.

وتشير الإحصاءات الحكومية الأميركية إلى أن عدد المسيحيين الذين انتقلوا للعيش في الولايات المتحدة قد قارب تقريباً عدد المسلمين الذين تم قبولهم خلال العام الماضي، حسب تقرير لـ"بي بي سي".

ما هي المشكلة التي طرأت فجأة؟

استهدفت حملة المداهمات المشار إليها من لديهم مشكلات قانونية سابقة أو ارتكبوا جرائم، بعضها وقعت منذ سنوات طويلة، وهكذا وجد رجال مسنّون من الجالية المسيحية العراقية أنفسهم مهدَّدون بالطرد بسبب حماقات ارتكبوها في فترة المراهقة.

بالنسبة للمجتمع الكلداني في ديترويت، أظهرت هذه المداهمات التي نفذها ضباط الهجرة في 11 يونيو/حزيران 2017، التناقض بين تغريدات وأفعال الرئيس الأميركي.

وقالت نادين يوسف، المحامية لدى مؤسسة "كود ليغال ايد"، وهي منظمة محلية تُنسّق ردود فعل المجتمع المحلي تجاه المداهمات: "لقد اعتقد الجميع أنَّ هذه الإجراءات لن تنطبق علينا".

أجانب مجرمون

وقدَّمت سلطات الهجرة الأميركية التفسير نفسه الذي قالته عندما ألقت القبض على عشرات الآلاف من اللاتينيين وغيرهم من المهاجرين الذين لا يمتلكون أوراقاً قانونية للإقامة في الولايات المتحدة منذ تولي ترامب الحكم: إنَّ هؤلاء الأشخاص أيضاً، مثلما تشير الحكومة إليهم، "أجانب مجرمون".

ورغم أنَّ معظمهم جاء إلى الولايات المتحدة بطريقةٍ قانونية، سواءٌ كلاجئين أو بواسطة أقاربهم الذين كانوا مواطنين أميركيين، فقد أُلغِيَت تأشيرة إقامتهم الدائمة بعد إدانتهم بتهمٍ تشمل السرقة، وحيازة المخدرات، والاغتصاب، والقتل.

وقالت ريبيكا أدوتشي، وهي مسؤولة بإدارة الجمارك والهجرة الأميركية في مدينة ديترويت: "نُفِّذَت العملية في هذه المنطقة؛ لمواجهة خطرٍ حقيقي يهدد الأمن العام، يتمثل في الأجانب المجرمين المقبوض عليهم".

لماذا سُمح لهم بالإقامة كل هذه السنوات؟

سُمح لهؤلاء الرجال بالإقامة في الولايات المتحدة، لعقودٍ في بعض الحالات؛ لأنَّ الحكومة العراقية رفضت منحهم وثائق سفر ليعودوا إلى بلادهم.

لكنَّ هذا الأمر تغيّر في مارس/آذار 2017 عندما وافق العراق على البدء في استقبال المُرحَّلين مقابل رفع اسمه من قائمة الدول التي تأثرت بقرار حظر السفر الأميركي، والذي أصدره ترامب لمنع المواطنين من عدة دول ذات أغلبية مُسلمة من الدخول إلى الولايات المتحدة.

وقالت نهرين حمامة، البالغة من العمر 54 عاماً والتي أُلقي القبض على زوجها: "لقد نكث ترامب وعده".

لكن، إذا ما غيّرت الإدارة الأميركية نهجها، تقول نهرين: إنَّها "ستُفكر في التصويت لصالحه مرةً أخرى".

وإلى جانب العراقيين الذين أُلقي القبض عليهم حول ديترويت، والذين بلغ عددهم 114 شخصاً، قبض ضباط الهجرة أيضاً على 85 عراقياً في مناطق أخرى من البلاد منذ مايو/أيار 2017، من بينهم مسلمون شيعة، وآخرون ينتمون إلى دياناتٍ وجماعاتٍ عرقية أخرى مثل الأكراد واليزيديين.

وأصدر قاضٍ فيدرالي بولاية ميشيغان، الأسبوع الماضي، حكماً يمنع الحكومة من ترحيل أيٍ منهم لمدة أسبوعين، بينما يدرس ما إذا كانت لديه صلاحية تخوله سماع قضايا الهجرة الخاصة بهم.

داعش

ويقول العراقيون إنَّ التعذيب وحتى القتل في انتظارهم بالعراق، حيث يستهدف تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) المسيحيين، والشيعة، وغيرهم من الجماعات الدينية. وتنشر قنوات الأخبار الناطقة بالعربية والشبكات الاجتماعية بانتظام أخباراً عن تسوية بعض القرى القديمة بالأرض، وهدم مقابر المسيحيين، وتدمير الكنائس الكلدانية.

رغم تحرير قراهم مؤخراً، دفع الخوف غالبية المسيحيين إلى البقاء خارجها، واللجوء إلى كردستان العراق.

وينحدر الكلدانيون، الذين يتبعون تعاليم الكنيسة الكاثوليكية الشرقية، من أصول الآشوريين القدماء، الذين كانوا موجودين في شمال العراق، والذين تبقت منهم أعدادٌ قليلة للغاية. ومنذ عام 2007، تدفّق ما يقرب من 30 ألف كلداني إلى منطقة ديترويت، بعد أن بدأت موجاتٌ من مسيحيي العراق في السفر إلى الولايات المتحدة بداية القرن الماضي، وتزايد عددهم بعد وصول صدام إلى الحكم في عام 1979. وانخفض عدد المسيحيين بالعراق من نحو 1.4 مليون في عام 1987 إلى 250 ألف نسمة العام الماضي 2016، وفقاً لما قاله قادة المجتمع المحلي في ديترويت.

ولا يتحدث العديد من الكلدانيين في ولاية ميشيغان سوى القليل من اللغة العربية، أو لا يتحدثونها مطلقاً. وقد نُقِشَت أوشام مريم العذراء والصلبان على أكتافهم وأرساغهم، حسب نيويورك تايمز.

ويقول وسام نعوم، وهو محامٍ وأصبح ناشطاً محلياً: "بعد ترحيلهم إلى العراق، سيصبحون مستهدَفين منذ اللحظة التي تطأ فيها أقدامهم خارج المطار".

وأعاد الكلدانيون النظر في تقديرهم لإدارة أوباما؛ بسبب ما اعتبروه فشلاً في قبول المزيد من اللاجئين المسيحيين العراقيين. لكنَّ قرار حظر السفر الذي أصدره ترامب في يناير/كانون الثاني 2017 منح المسيحيين في الشرق الأوسط استثناء ضمنياً؛ ما سمح للأقليات الدينية المُضطهدة بدخول الولايات المتحدة كلاجئين حتى وإن أتوا من دولٍ ذات أغلبيةٍ مُسلمة ومُدرجة بقائمة حظر السفر.

(عندما راجع ترامب حظر السفر، ألغى هذا الاستثناء، في محاولةٍ لتحييد الدعاوى القضائية، التي تزعم أن الحظر يُميِّز ضد المسلمين. ووافقت المحكمة الأميركية العليا الأسبوع الماضي على النظر في القضية).

جريمة 1988

مارتن مانا، رئيس مؤسسة المجتمع الكلداني لتقديم الخدمات الاجتماعية، والتي بدأت مؤخراً تلقِّي العديد من الاتصالات من مواطنين أميركيين وحاملين لتأشيرات الإقامة الدائمة للاستفسار عمَّا إذا كان ينبغي لهم أن يشعروا بالقلق، قال عن تلك المداهمات: "لقد توقعنا أنَّهم سيستهدفون الأشخاص الأكثر سوءاً، وليس أشخاصاً مثل سام حمامة".

وكان أسامة حمامة، البالغ من العمر 54 عاماً، والذي يشترك في ملكية محل بقالة محلي ويشتهر باسم سام، يستعد للذهاب إلى الكنيسة برفقة زوجته وأبنائه الأربعة عندما طرق ضباط إدارة الهجرة باب بيته الواسع في بلدة ويست بلومفيلد. كان لديه وقتٌ يكفي بالكاد لجمع أدويته وتوديع عائلته قبل احتجازه.

وأُدين حمامة، الذي وصل إلى الولايات المتحدة من بغداد عندما كان في الـ11 من عمره، بتهمة حيازة أسلحة بعد أن أظهر سلاحاً نارياً فارغاً خلال مشاجرةٍ على الطريق مع سائقٍ آخر في عام 1988. وصدر قرار بترحيله في عام 1994.

لكنَّ أبناءه يرونه بشكلٍ مختلف. فيقول بريتاني حمامة، البالغ من العمر 20 عاماً وأكبر أبنائه سناً: "لا يمكنني استخدام كلماتٍ مثل مجرم أو أجنبي عند الحديث عن والدي".

ومثل العديد من الكلدانيين، انجذبت زوجته لترامب بسبب معارضته الإجهاض، ورسالته الاقتصادية، ووعوده بمد يد العون للمسيحيين في الشرق الأوسط. لكنَّها لم تستطع التصويت له بعد أن حذَّرها زوجها من أنَّ عائلتهم قد تعلق في شباك حملة ترامب المعادية للهجرة.

كوكايين

ومن بين المحتجزين أيضاً شخصٌ يُدعَى نجاح كونجا. كان نجاح يتفحص بريده الإلكتروني بينما يشرب فنجان القهوة في الشرفة الخلفية لمنزله المُطلَّة على بحيرةٍ صغيرة عندما رنَّ جرس الباب في الـ11 من يونيو/حزيران 2017.

فرّ كونجا، والشهير باسم نك، من العراق مع عائلته عندما كان عمره 15 عاماً، ثم قضى 22 عاماً في السجون الفيدرالية؛ لبيعه مخدر الكوكايين. أُلغيت تأشيرة إقامته الدائمة، لكنَّه تمكن من البقاء داخل الولايات المتحدة؛ لأنَّ ترحيله لم يكن أمراً ممكناً حينها. وتمكن كونجا من الترقي وظيفياً داخل سلسلة متاجر وايلد بيل للتبغ، وخَطَبَ واشترى منزلاً.

وبخلاف المدانين في جرائم سابقة، يقول كوجا إنَّه طوّر نفسه وساهم في الاقتصاد المحلي. ويضيف الرجل، البالغ من العمر 55 عاماً، متحدثاً عبر الهاتف من محبسه في مدينة بورت هورون بولاية ميشيغان: "لم أُولد هنا، لكنَّني أميركيٌ أكثر منهم".

وعلى الرغم من هذا، لا يُلقِي كونجا وعائلته باللوم على ترامب؛ إذ يقول: "لا تصل العديد من هذه الأمور إلى مكتبه".

وبالنسبة لعائلاتٍ أخرى، فإنَّ انفصال أفرادها عن آبائهم وأزواجهم دفعهم إلى إدراك حقيقةٍ مؤلمة: أنَّ حملة الهجرة القمعية، التي لطالما ربطوها بأشخاصٍ من فئاتٍ أخرى، ارتدت بطريقةٍ ما من الحدود الجنوبية لأميركا إلى بلداتهم.

وتقول نيكول ساباتين، والتي أُلقِيَ القبض على زوجها أثير فوزي علي، البالغ من العمر 41 عاماً، في يونيو/حزيران 2017: "ما الفرق بين المكسيكي والكلداني؟ عندما يكون لدى الأشخاص أطفالٌ هنا في أميركا، سواءٌ كانوا مكسيكيين أو غيرهم، فإنَّ القبض علي آبائهم ليس الحل".

وكانت عائلة عليّ قد فرّت من العراق في تسعينات القرن الماضي بعد أن رفض أبوه، الذي كان ضابطاً في الجيش، تنفيذ أمرٍ لصدام حسين. وخسر عليٌّ تأشيرة إقامته الدائمة عندما دخل عنوة إلى سيارةٍ في سن المراهقة.

وفي أحد أيام الأحد من شهر يونيو/حزيران 2017 ، كان لدى أثير عليّ وقتٌ يكفي فقط لتوديع ابنته ناتالي، البالغة من العمر 12 عاماً، قبل تسليم نفسه للسلطات. وقال لها: "سأكون دائماً موجوداً من أجلك، حتى لو كنتُ موجوداً في العراق".