تمنع الخمور وتشترط ضوابط في اللباس والسلوك داخل النزل.. "سياحة حلال" أم بزنس باسم الدين في تونس؟

تم النشر: تم التحديث:
SDF
sm

"من دون خمر، وبملابس بحرية محتشمة، وفي أجواء عائلية تحترم خصوصية المصطافين نساءً وأطفالاً".. هكذا تُعرِّف أغلب النزل ووكالات الأسفار المتخصصة فيما بات يعرف بـ"السياحة الحلال" أو "السياحة الإسلامية " في تونس- أنشطتها على فيسبوك؛ لجلب زبائنها من الملتزمين دينياً والمحجبات في تونس ودول الجوار.



وبدأ هذا النوع من السياحة يستقطب عدداً كبيراً من العائلات التونسية بعد الثورة، مستغلةً هامش الحريات الفردية الذي أصبح أكبر في البلاد بعد الإطاحة بحكم الرئيس السابق بن علي، المعروف بمحاربته مظاهر التدين كافة.

وتقول يسرا لـ"هاف بوست عربي"، وهي ابنة صفاقس بالجنوب التونسي وإحدى رائدات ما بات يُعرف بـ"السياحة الحلال" في تونس بعد الثورة، إن الفكرة انطلقت في نهاية 2014 ببادرة من مجموعة من العائلات بالمدينة وبعض الجمعيات المدنية، حيث كان البحث عن بدائل للسياحة التقليدية في تونس تراعي خصوصية العائلات المحافظة وتستجيب لتطلعاتهم، بالإضافة إلى المشكل الذي تواجهه أغلب النساء المحجبات، حين يرتدين البوركيني (لباس بحر خاص بالمحجبات)، "حيث يُمنعن في بعض الأحيان من النزول إلى المسابح من قِبل إدارات الفنادق والنزل".

وتضيف أن تجاوب بعض وكالات الأسفار بصفاقس مع تلك المبادرة السياحية الجديدة "أسهم في تحويلها من فكرة إلى أمر واقع، حيث تم الاتفاق في البداية مع أحد النزل بشروط تستجيب لمقومات السياحة العائلية على الطريقة الإسلامية من خلال الامتناع عن تقديم الخمور والالتزام بملابس وسلوكيات محتشمة داخل النزل".


استقطاب الداخل والخارج


ومع نجاح التجربة وتفاعل الكثير من العائلات من خارج تونس وداخلها، قرر القائمون توسيع دائرة نشاطهم في نزل أخرى بمحافظة المنستير والمهدية في الساحل بالوسط الشرقي لتونس، وجزيرة جربة جنوب البلاد.


سياحة حلال أم بزنس باسم الدين؟


انتشار هذا النوع من السياحة أدى إلى ظهور أصوات معارضة لها، وتعتبرها "مجرد بزنس واستغلال للدين من أجل الربح".

الجامعية التونسية رجاء بن سلامة ،عبرت لـ"هاف بوست عربي" عن امتعاضها مما وصفته بـ"محاولات البعض تغيير النمط المجتمعي التونسي الحديث والعصري، من خلال إدخال مظاهر غريبة عليه، على غرار هذا النوع الجديد من السياحة"، وفق تعبيرها.

بن سلامة، اعتبرت أن هذا النوع من السياحة هو بمثابة "بزنس وتجارة باسم الدين، وجد فيها أصحابها تجارة مربحة من خلال التسويق لنوع جديد من (السياحة الإسلامية) واستقطاب أكبر فئة من الزبائن (الملتزمين دينياً) والذين تستهويهم هذه النوعية من الخدمات الفندقية".

وخلصت إلى اعتبار أن هذه الفئة "المتدينة" من المجتمع تريد فرض عادات دخيلة على المجتمع التونسي؛ لعدم قدرتها على التسامح مع أنماط اجتماعية تختلف معها في الدين والمعتقد وطريقة المعيشة، على حد تعبيرها.

وتساءلت: "بأي حق يريد هؤلاء فرض نمط مجتمعي وسلوكي وديني معين على المختلفين معهم في الفضاءات السياحية، على غرار منع شرب الخمر ومنع ارتداء البيكيني؟!"، وختمت بالقول: "ما يحكم الفضاء العام هو القانون وليس الحلال والحرام، وأعتبر انتشار هذه الظاهر أعراضاً مَرضية وليس سلوكاً حميداً".


رد


رئيس مرصد الحقوق والحريات في تونس، أنور أولاد علي، لا يتفق مع ما ذهبت إليه بن سلامة، حيث استنكر الحملات التي يطلقها من سماهم "النخب العلمانية المتوحشة" على هذا النوع من السياحة في تونس، "والتي تستهدف فئة من العائلات التي اختارت نمطاً سلوكياً معيناً في إطار ما يكفله لها القانون والدستور من حريات".

وأوضح في حديث لـ"هاف بوست عربي" أن هذا النموذج من السياحة العائلية الذي ظهر بعد الثورة في تونس "ليس بدعة؛ بل نمط استهلاكي ومنتوج سياحي موجود بدول غربية تفوق تونس أشواطاً في مجال السياحة والفندقة، على غرار دول شرق آسيا كماليزيا وإندونيسيا، وأيضاً في تركيا".

وشدد على أن هذا النوع من السياحة أسهم في فتح أسواق جديدة، وتحريك السوق السياحية الداخلية بتونس، والتي تشهد ركوداً في ظل أزمة اقتصادية خانقة تعصف بهذا القطاع الخدماتي المهم للبلاد.



sdf


وأضاف: "هناك عائلات تونسية وحتى من دول جوار، لا تريد أن ترتاد نُزلاً بها خمر ومراقص، ولهم مطلق الحرية في ذلك، ولا يمثل ذلك أي اعتداء على حرية الآخرين طالما كان ذلك في إطار احترام القانون وسوق العرض والطلب في هذا المجال".

رئيس مرصد الحقوق والحريات استنكر أيضاً بعض السلوكيات "العنصرية" التي تقوم بها مؤسسات سياحية في تونس ضد المحجبات، على غرار منع بعضهن من السباحة داخل النزل بملابس البحر "البوركيني"، بحجة أنها لا تستجيب للشروط الصحية في هذا القطاع.

وتساءل: "هل النظافة عند هؤلاء تتمثل في تعرية الجسد؟! ولماذا تسمح دول متقدمة كبريطانيا وأميركا بارتداء هذا النوع من اللباس طالما لا يستجيب للشروط الصحية كما يدّعون؟!".

وختم بالقول: "في تونس، ديننا الإسلام ولغتنا العربية وفق ما جاء به الفصل الأول من الدستور، ومجتمعنا التونسي محافظ باستثناء بعض الشرائح الاجتماعية التي اختارت نمطاً حياتياً معيناً، لكن ليس من حقها أن تفرض ذلك على البقية. ومثلما هناك من يطالب باحترام مبدأ حرية الضمير والمعتقد على غرار ما حدث منذ شهر من خلال تظاهر البعض ومطالبتهم بحق الإفطار جهراً في رمضان، عليهم أيضاً أن يحترموا حرية الآخرين في التمسك بسلوكيات ونمط عيش يؤمنون به".