لماذا تغمر بعض الإيرانيين السعادة تجاه ترامب؟.. هكذا أحيا سياسات الخميني

تم النشر: تم التحديث:
TRUMP IRAN
Carlos Barria / Reuters

يبدو أن دونالد ترامب بمثابة هدية حقيقية لكثير من المحافظين والمتشددين الإيرانيين، ولذا لم يكن غريباً أن المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي قال "نحن ممتنون للسيد ترامب".

أنقذ صناعة كادت تندثر

لطالما كانت السخرية من الشيطان الأكبر، الولايات المتحدة، من الممارسات المعتادة خلال التظاهرات المدعومة من الدولة في إيران، إذ تُعد معاداةُ أميركا متأصلةً في أيديولوجيةِ الدولة.

وعلى مدار عقود، تعمل العائلات الثورية الإيرانية، وحتى وقت متأخر من الليل، على حياكة الُدمى المصنوعة من الجوارب، والرسوم الكاريكاتيرية، والتماثيل التي تسخر من كل رئيس أميركي، منذ جيمي كارتر، ثم يستعرضونها بفخرٍ خلال مظاهرات مناهضة للولايات المتحدة ومن ثم يحرقونها، حسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

ويعتمر بعضهم قبعاتِ العم سام الكبيرة، ويعلِّق الساخرون من بيل كلينتون بينما يكون السيجار الكبير موضوعاً دائماً في فم دميته، في حين تُزيَّن دميةُ جورج بوش بنجومِ داود، لتسليط الضوء على علاقته الخاصة مع إسرائيل.

لكن عدد المتظاهرين المتحمِّسين قد تضاءل على مر السنين، وذلك باعتراف حتى أكثر المتشددين رسوخاً في تشددهم.

ففي الآونة الأخيرة، اقتنع معظم المتظاهرين بحمل الملصقات التي تسلمها لهم السلطات فحسب. إذ أن تواصل أوباما مع إيران والوساطة في الاتفاق النووي، فضلاً عن التخلي عن فكرة تغيير النظام، لم يصب في صالح صناعة الدمى والتماثيل الساخرة من أميركا.

غير أن الأمر اختلف مع الرئيس ترامب، إذ صار للولايات المتحدة رئيس جديد ثري يدين إيران، وبالنسبة للجماعات الإيرانية المتشددة كان هذا الحظ السعيد عصياً على التصديق.

وجاء التركيز هذا العام على "الترامبية"، بعد أن قال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في خطابٍ أخير له إن ترامب هو الوجه الحقيقي لأميركا. ولم تكن القيادة الإيرانية قبل ذلك تتفاعل علناً مع ترامب، في محاولة لكسبِ الوقت لمعرفة ما ينوي فعله، حسب نيويورك تايمز.

ونقلت "بي بي سي" عن خامنئي قوله "منذ بداية حملته الانتخابية -في إشارة إلى ترامب- وبعد ذلك أكد ما كنا نقوله منذ أكثر من 30 عاماً عن الفساد السياسي والاقتصادي والأخلاقي والاجتماعي في نظام الحكم بالولايات المتحدة".

وأضاف "نحن ممتنون للسيد ترامب.. لقد أظهر وجه أميركا الحقيقي".

وكان ترامب رد على اختبار صاروخي أجرته إيران في 29 يناير/كانون الثاني 2017 قائلاً "إيران تلعب بالنار"، وفرض عقوبات جديدة على أفراد وكيانات ترتبط بالحرس الثوري الإيراني.

وقال البيت الأبيض إن الاختبار لم يكن انتهاكاً مباشراً للاتفاق النووي بين إيران والقوى العالمية الست لكنه "ينتهك روح الاتفاق".

قبلة الحياة لشعار الموت لأميركا

وهكذا منح ترامب الروح مجدداً لصناعة العداء لأميركا بعد أن شكلت سياسات أوباما التفاوضية مع إيران إرباكاً لشعار الموت لأميركا الذي يعد جزءاً من مخلفات إرث المرحلة الخمينية بالبلاد.

وفي هذا الإطار عُقدت، أمس الإثنين 3 يوليو/تموز 2017، مسابقة للرسوم الكاريكاتيرية تهدف فقط إلى السخرية من ترامب، ما أعاد للمتحمسين قوتهم، حسب نيويورك تايمز.
وتلقى العديد من الفائزين جوائز نقدية بالدولار لإظهار الرئيس في الجلباب الأبيض الخاص بجماعة "كو كلوكس كلان"، أو نشر غلاف لمجلة التايم يحمل صورة أدولف هتلر، أو تمثال كابتن أميركا حاملاً تمثال الحرية كهراوةٍ في يده.

وعُلِّقَت بعض الرسوم الكرتونية كملصقاتٍ في كافة أنحاء طهران. ويظهر ترامب، في إحدى تلك الملصقات البارزة عند تقاطعٍ مزدحم، وهو يفعل شيئاً ما في مؤخرة فيل، رمز الحزب الجمهوري، بينما كان يرتدي شارة الصليب المعقوف على ذراعه، وعند قدميه تظهر رأسٌ مقطوعة لسيدة تمثال الحرية.

وقد حاز الرسم الكاريكاتيري الفائز على جائزة تبلغ قيمتها 1500 دولار نقداً، وظهر فيه ترامب يرتدي بزةً مصنوعةً من أوراقٍ نقدية من فئة 100 دولار، والنار مشتعلة في شعره ويسيل من فمه اللعاب. وتسلَّم الرسامون الرابحون تمثالاً تجريدياً يحمل علامة ذهبية من تسريحة ترامب.

وتاريخ المعرض، الثالث من يوليو/تموز، هو ذكرى إسقاط البحرية الأميركية لطائرة ركاب إيرانية عام 1988، ما أودى بحياةِ جميع من كانوا على متنها وعددهم 290 شخصاً. وبينما أصر البنتاغون دوماً على أن هذا الحادث المأساوي وقع بالخطأ، فإن الكثير من الإيرانيين مقتنعون بأن الطائرة أُسقِطَت للضغط على إيران لإنهاء حربها التي دامت ثماني سنوات مع العراق.

وقال المتحدث الرسمي لهذه الفعالية، رسالات بوزاري لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية: "نحن حقاً سعداء.. حقاً في غاية السعادة. إن هذا يُظهِر الوجه الحقيقي لما يُسمى بالديمقراطية الأميركية".

ومن جانبه قال مُنظِّم الفعالية مسعود شُجاعي طباطائي: "إن ترامب هو رمزٌ للفاشية والنازية، وكثير ممن بحثوا في تصريحاته خلصوا إلى أنها تشبه تلك التي أدلى بها أدولف هتلر". ويضيف طباطائي أنه كان يُنظِّم -أو يُطلَب منه تنظيم- مسابقات الرسوم الكرتونية منذ عدة سنوات حتى الوقت الراهن.

كيف بدأ هذا النشاط؟

وقد بدأ هذا النشاط في أعقاب نشر الصحف الأوروبية للرسوم الكاريكاتيرية التي تسخر من نبي الإسلام محمد، ما دفع إيران إلى تنظيم مسابقة كاريكاتيرية تسخر من محرقة الهولوكوست كرد فعلٍ انتقامي منهم، وفقاً لنيويورك تايمز.

وبعد أن رأوا استياء الغرب الشديد من الرسوم الكاريكاتيرية التي تُظهر اليهود بأنوفٍ ضخمة وأجساد غير مُحدَّدة المعالم، مُحاطةً برسومِ قتلٍ حول جثثٍ غير موجودة، ويرفعون لافتات تحمل اسم "هولوكوست"، قرروا تحويل المسابقة إلى حدثٍ سنوي بمواضيع مختلفة.

وقال شُجاعي طباطائي في مقابلة أجريت معه مؤخراً: "تكمن الأهمية في اختبار حدود حرية التعبير في الغرب".

وفي العام الماضي، 2016، ركَّزت المسابقة على جماعة داعش الإرهابية، وتحديداً حول كيفية استخدام الجماعة كأداةٍ من أدوات الغرب، حسبما يقول المسؤولون الإيرانيون في كثيرٍ من الأحيان. وقد تضمَّنت المنافسة الكثير من رسومات الإرهابيين وعلى صدورهم الأعلام الأميركية.

وبدوره قال بيمان بابائي، المتطوع في المسابقة والبالغ من العمر 26 عاماً: "نعرف الآن أنه شخص وضيع، وسريع الغضب".
وأقر بابائي أنه سينزعج إذا ما نظمت الولايات المتحدة مسابقة مماثلة للسخرية من آية الله خامنئي، لكنه شدد أن لديه سبباً وجيهاً لذلك ألا وهو: "أن زعيمنا يُمثِّل قمة العدالة، وضوء العالم، في حين أن ترامب ليس سوى شخصٍ استعراضي".

ومع ذلك، أوضح بابائي أنه لن يعبر عن احتجاجه في الشارع، قائلاً إنه "في الوقت الراهن، نحن نفعل كل شيء على وسائل التواصل الاجتماعي بفعالية أكثر".