خلاف حاد بين الجهات غير الحكومية والدول الأوروبية حول الهجرة.. هل تتعاون المنظمات الإنسانية مع مهربي المهاجرين في البحر المتوسط؟

تم النشر: تم التحديث:
MIGRANTS BOATS
NurPhoto via Getty Images

أثير القلق مؤخراً إثر الخلاف الحاد الذي نشب بين المنظمات الإنسانية المعنية بقضايا المهاجرين غير الشرعيين، مع سلطات مراقبة الحدود الأوروبية.

الأزمة بدأت عقب حديث هذه السلطات عن شبهة تعاون يجمع المنظمات الإنسانية مع مهربي المهاجرين غير الشرعيين في البحر الأبيض المتوسط، وفق ما ذكرت صحيفة La croix الفرنسية.

ويتلخّص الخلاف بين الطرفين حول تركيز سفن دعم على مقربة من الحدود الليبية، الذي تراه السلطات الأوروبية يخدم مصلحة مهربي المهاجرين.

وتدرس كل من روما وبروكسيل إصدار مشروع قرار أوروبي يضبط مقاييس قاسية للحد من تدخل المنظمات الإنسانية في قضية الهجرة غير الشرعية. ويرى البعض أن الخلاف بين الطرفين يثير القلق، حيث سيُعرقل الجهود الرامية إلى تجنُّب سقوط قتلى من المهاجرين في عرض البحر. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يقلص هذا الخلاف من جهود الجيش البحري في مطاردة المهربين.

في الوقت الحالي، تنشط تسع منظمات إنسانية في قضية المهاجرين غير الشرعيين، حيث تسهم هذه المنظمات في تركيز 12 سفينة بحرية في عرض البحر الأبيض المتوسط، بينها سفينتان تحملان الراية الإيطالية. وخلال شهر أبريل/نيسان، ذكر النائب العام لمدينة كاتانيا، الواقعة في جزيرة صقلية الإيطالية، كرميلو زوتشارو، أن "هناك إمكانية لتواصل المنظمات الإنسانية مع المهربين".

وأكد النائب العام أن بحوزته أدلة تثبت تعاون هذه المنظمات مع المهربين، وتتمثل في تسجيل مكالمات هاتفية تم تبادلها بين المنظمات الإنسانية وبين أطراف من ليبيا.

وفي هذا السياق، أشار الأخصائي في الأمن الداخلي وفي حماية الحدود في الاتحاد الأوروبي، بيير برتوليه، إلى أن "أولويات المنظمات الإنسانية تتمثل في إنقاذ الأرواح وليس في مراقبة الحدود… وأنا أؤكد أن هناك شبكات تواصل غير معلنة تجمع بين هذه المنظمات وبين المهربين في ليبيا… في المقابل، لا يمكننا أن نعتبر هذا التعاون السري تواطؤاً".

في السياق ذاته، لم يُخف بيير برتوليه مخاوفه من أن تصدر أحكام قاسية وظالمة في حق هذه المنظمات، التي من شأنها أن تزيد الوضع تعقيداً.


إيطاليا في خضم الخلاف


خلال سنة 2015، قادت البحرية العسكرية الأوروبية حملة ضد مهربي المهاجرين ومهربي الأسلحة في البحر الأبيض المتوسط. وقد أعيد تغيير اسم هذه العملية النوعية ليتحوّل إلى "عملية صوفيا"، بدلاً من "أونافدور فور ميد"، حيث تخلت البحرية عن طابعها العسكري لتلعب دوراً إنسانياً تمثّل في إنقاذ قرابة 36 ألف مهاجر من بين 250 ألف مهاجر كانوا قد شقّوا عباب البحر الأبيض المتوسط.

فضلاً عن ذلك، أدَّت هذه العملية إلى القبض على حوالي 109 مهربين، قبل أن يُعرضوا على العدالة الإيطالية، وحجز قرابة 440 قارباً معداً لتمرير المهاجرين بصفة غير شرعية بين ليبيا وإيطاليا.

في هذا الإطار، أكد بيير برتوليه أن "هذه العملية أثبتت نجاعتها، بعد أن أجبرت المهربين على تغيير تكتيكهم. وفعلاً، أصبح المهربون يكدسون أفواج المهاجرين داخل قوارب مطاطية، باعتبار أنها لن تكلفهم الكثير، إذ يمكن التخلص منها بسهولة في حال فاجأهم خفر السواحل. في المقابل، لن تستطيع هذه القوارب حمل المهاجرين بعيداً، مما دفع فرق الإنقاذ إلى الاقتراب أكثر نحو الحدود الليبية".

أما فيما يتعلَّق بالاتهامات الموجهة للمنظمات الإنسانية بالتواطؤ مع المهربين، فهي لا تُعد سوى بوادر أزمة وشيكة في إيطاليا. والدليل على ذلك أن هذه القوارب البحرية التابعة لهذه المنظمات قد أنقذت أرواح قرابة 12 ألف شخص في غضون 48 ساعة.

من جهتها، لوَّحت روما، التي ترى أن جيرانها الأوروبيين مقصرون في التعاون لحل أزمة الهجرة، بإغلاق موانئها الجنوبية في وجه القوارب البحرية التابعة للمنظمات الإنسانية. كما دعت روما إلى إعادة المهاجرين الذين تم إنقاذهم مباشرة إلى بلدانهم.

وتجدر الإشارة إلى أن تهديدات إيطاليا بإغلاق موانئها في وجه قوارب المنظمات الإنسانية تعد خرقاً للاتفاقيات الدولية، القاضية بتحويل المنقذين من الغرق إلى أقرب الموانئ بهدف تلقي المساعدات العاجلة.


كيف يمكن تخفيف العبء عن إيطاليا؟


خلال الثاني من تموز/يوليو، اجتمع وزراء داخلية كل من فرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، بحضور المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية، ديميتريس أفراموبولوس، بغية دراسة الإمكانات المطروحة لتخفيف العبء عن إيطاليا.

وعلى طاولة المفاوضات، تم طرح عدة مقترحات، على غرار الآليات الأوروبية لتركيز المهاجرين في دول شرق القارة العجوز، كما تمت دراسة تمركُز المنظمات الإنسانية في عرض البحر الأبيض المتوسط.

في هذا السياق، أقرَّ ميشال ترينتي، الذي يعدُّ المشرف على عملية البحث والإنقاذ التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود في إيطاليا، أن هناك قواعد تُنظم عمل المنظمات الإنسانية في عرض البحر. وقد اقترح ميشال ترينتي أن "تعمل هذه المنظمات الإنسانية تحت رقابة وإشراف خفر السواحل الإيطالية". في المقابل، يجب على إيطاليا أن تُبقي أبواب موانئها مفتوحة في وجه قوارب المنظمات الإنسانية.

وأضاف ترينتي: "موقفنا واضح، فالكل يعي تماماً المهام الموكولة إلينا والمتمثلة في تقديم المساعدات العاجلة للمنكوبين، كما أننا أنقذنا أرواحاً من الغرق على بعد 20 ميلاً من السواحل الليبية. ويجب عليكم أن تفهموا أنه في حالة غرق أحد القوارب، فإن كل دقيقة تمر دون تلقي هؤلاء المهاجرين للمساعدة ستشكل خطورة على أرواحهم".

منذ غرة يناير/كانون الثاني سنة 2017، أنقذت سفن إجلاء تابعة لمنظمات إنسانية أرواح قرابة 16088 شخصاً من الموت غرقاً. وذكر أحد الناشطين في هذه المنظمات "لقد أسهمت المنظمات الإنسانية في إنقاذ قرابة 30 إلى 40% من البالغين والأطفال الذين وصلوا إلى إيطاليا. وفي نفس الوقت، أنقذ كل من خفر السواحل التابع لعملية "صوفيا" والسفن التجارية باقي المهاجرين من الغرق".


"لا نستطيع أن نترك المُهاجرين يقضون نحبهم"


لم تحل هذه الاقتراحات من أزمة الثقة بين المنظمات الإنسانية ووكالة "فرونتكس" المختصة في رقابة الحدود الخارجية والبعيدة عن السواحل الأوروبية. وقد ذكر مدير هذه الوكالة، فبريس ليغري، أن "المنظمات الإنسانية لا تتعاون معنا ومع خفر السواحل بالشكل اللازم"، حيث لم يحدد فبريس ليغري اسم منظمة إنسانية بعينها. وأشار ليغري في هذا الصدد إلى أنه "قد أضحى من الصعب جداً التقصي عن معلومات بخصوص شبكات التهريب، مع صعوبة إجراء محادثات مع المهاجرين وعرقلة سير تحقيق الشرطة".

من جهته، علّق القس برونو- ماري دوفي، الذي يهتم بموضوع الهجرة في الفاتيكان، أن "مهمة المنظمات الإنسانية تتمثل في تقديم المساعدات العاجلة للمنكوبين. فمن غير المعقول ترك المُهاجرين يقضون نحبهم، خاصة أن البحر الأبيض المتوسط أضحى أشبه بمقبرة مائية". وواصل حديثه قائلاً: "في اللحظة التي تمد فيها يدك لتنقذ غريقاً سينتابُك السؤال حول مصير هذا الشخص بعد إنقاذه. لكن، عندما يصعد على ظهر السفينة بعد إنقاذه يتحول المشكل من إنساني إلى سياسي، فقضية الهجرة في حد ذاتها تترنح بين السياسة والعمل الإنساني".

وبصفة ملموسة، يطالب البعض بضرورة فتح مراكز شرعية وآمنة لاستقبال أفواج المهاجرين في القارة العجوز. كما تعالت الأصوات التي نادت بضرورة فتح ممرات إنسانية للمهاجرين الممكن إيواؤهم. وفي هذا السياق، نوّه أحد المختصين في حقوق الإنسان قائلاً: "نحن بعيدون كل البعد عن بعض الدول الإفريقية، لكن يمكننا أن نتعاون مع دول إفريقية أخرى حول ملف اللجوء، على غرار دولة إريتريا، التي قبلت إيطاليا مطالب 75% من سكانها المتعلقة باللجوء على أراضيها".

في إيطاليا، مرور أربع سنوات من المساعدات الإنسانية العاجلة

- تشير التوقعات إلى أن قرابة 10 آلاف شخص قد لقوا حتفهم في عرض البحر خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وبين شهري يناير/كانون الثاني، ويونيو/حزيران سنة 2017، استقبلت إيطاليا 83 ألف مهاجر، إذ ارتفع العدد بنسبة 18.7% خلال نفس الفترة من السنة الماضية.

- خلال شهر آذار/مارس سنة 2017، أطلقت منظمة أطباء بلا حدود سفينة "الحيطة" لإنقاذ المهاجرين من الغرق.

- مع حلول يوم 22 يونيو/حزيران سنة 2015، أطلق الاتحاد الأوروبي عملية "صوفيا" العسكرية ضد المهربين.

- وفي 15 أكتوبر/تشرين الأول سنة 2013، أطلقت إيطاليا عملية "مار نوستروم" العسكرية والإنسانية، بعد غرق قرابة 633 شخصاً على مشارف سواحل جزيرة لامبيدوسا في الحادي عشر من نفس الشهر. كما تم إنقاذ أكثر من 150 ألفاً في نفس الفترة، حيث كلّفت عملية "مار نوستروم" قرابة 9 ملايين يورو في الشهر.









.