هل تنقذ الإصلاحات الاقتصادية الرياض من أزمة النفط؟ صحيفة ألمانية: الشباب سيطالبون بالتغيير في حالة واحدة

تم النشر: تم التحديث:
R
ر

تعيش المملكة العربية السعودية أزمة مالية جراء تراجع أسعار النفط. فهل تؤدي سياسات الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي للإصلاحات الاقتصادية لانفتاح البلاد على العالم، وانتشال البلاد من هذه الأزمة، خاصة بعد أن عقدت المملكة العزم على اتباع سياسة التقشف، أم تؤدي لإطلاق الغضب الشعبي.

وأشار تقرير لصحيفة بيلد الألمانية، إلى أن العائدات النفطية كانت تحجب حالة الجمود الاقتصادي والمشاكل الداخلية التي يعاني منها طيف واسع من المجتمع.

وقالت إنه خلال الأسابيع الماضية، عيَّن الملك السعودي الطاعن في السن سلمان بن عبد العزيز آل سعود (85 سنة)، محمد بن سلمان (31 سنة) ولياً للعهد. الذي يعد أصغر وزير دفاع في العالم، وأصبح أقوى رجل في المملكة.


نهاية المعجزة الاقتصادية السعودية


يرغب محمد بن سلمان الملقب بـ"إم بي سي" في ضغط النفقات، حسب الصحيفة الألمانية، وذلك نظراً لأن السعودية عانت خلال السنة الماضية من عجز تجاري قُدر بحوالي 100 مليار دولار.

وقد وضع ولي العهد السعودي قبل توليه منصبه الجديد، برنامج "رؤية 2030"، وهو برنامج طموح يهدف إلى تغيير الاقتصاد السعودي بصفة جذرية، وذلك عبر بناء اقتصاد لا يعتمد فقط على عائدات النفط.

علاوة على ذلك، يسعى صندوق الاستثمارات العامة، وهو أكبر صندوق استثماري على مستوى العالم، لتحقيق نقلة اقتصادية نوعية في بلد معروف منذ عقود بثرائه بفضل احتياطي النفط الهائل. ومنذ سنوات، حظي السعوديون بحياة الرخاء بفضل أسعار النفط المرتفعة.

أما في الوقت الراهن، فلم تعد العائدات النفطية قادرة على تغطية عجز الميزان التجاري السعودي، وتوفير متطلبات الرفاه للمواطنين، علما أن الظروف المعيشية المريحة تعد الضامن الأساسي لاستقرار المملكة.

ولفتت الصحيفة إلى أن الدول الخليجية، التي لم تكن تعتمد في السابق على الضرائب لتمويل ميزانيتها، اضطرت إلى تغيير سياستها الاجتماعية، حيث لم تعد هذه الدول قادرة على تلبية حاجيات شعوبها الاجتماعية. من هذا المنطلق، أعلنت المملكة عن انطلاق برنامج إصلاح ضريبي بقصد تدارك تراجع العائدات النفطية.


عندما كانت السعودية جنة ضريبية


إلى اليوم، يعيش السعوديون في رخاء، حيث تتكفل الدولة بدعم أسعار الطاقة والوقود والسكن بسخاء. كما تعتمد المملكة العربية السعودية على اليد العاملة الأجنبية، إذ إن أغلب سائقي سيارات الأجرة ينحدرون من الهند، كما أن أغلب موظفي الفنادق لبنانيو الأصل، بينما أغلب الأطباء من مصر، في حين أن أغلب المهندسين ألمان.

في المقابل، يعمل ثلثا السعوديين في قطاع الوظيفة العمومية، علماً أن الأجر الشهري للموظف العمومي السعودي بلغ حوالي 2100 يورو، بالإضافة إلى المنح، على غرار منح النقل والسكن وشهر رمضان، فضلاً عن منحة الساعات الإضافية. عموماً، يتلقى كل مواطن سعودي قرابة 6300 يورو شهرياً. وفِي الوقت ذاته، يبدو جلياً أن هناك 700 أمير سعودي يملكون ميزانية تتيح لهم العيش في ظروف مريحة للغاية.

وبالإضافة إلى ذلك، كان الأجانب في السابق غير مطالبين بدفع أية ضرائب، لكن من الآن فصاعداً، تلتزم العائلات الأجنبية بدفع ضريبة شهرية للدولة. فضلاً عن ذلك، ارتفعت تكاليف الكهرباء والماء خلال الأشهر الستة الماضية بنسبة 30%.

y


"ضرائب الإثم" الجديدة في الدول الخليجية


أدى برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي أعلنته الحكومة السعودية إلى زيادة في الضرائب وترشيد النفقات.

وانطلاقاً من السنة القادمة، ستفرض الحكومة السعودية ضرائب على القيمة المضافة بنسبة 20% على جملة من البضائع، مع العلم أن المواطنين السعوديين كانوا إلى حدود مطلع السنة الحالية لا يدفعون أية ضرائب.

وفي المستقبل، سيكون المدخنون ملزمين بدفع "ضريبة الإثم على السجائر، خاصة أن ثمن علبة السجائر تضاعف في معظم دول الخليج. كما ارتفعت أسعار مشروبات الطاقة بنسبة %100. وفي هذا الصدد، أفاد مسؤول لدى إدارة الأداءات أن ثمن علبة السجائر في السعودية ارتفع إلى حدود 5.70 يورو، بفضل الرسوم الجمركية المفروضة على السجائر.

في الواقع، يعتبر رفع الدعم عن الكهرباء والماء والوقود أمراً حساساً، على الرغم من أن تكاليف هذه المواد تعتبر رخيصة مقارنة ببقية الدول. من جانب آخر، تسعى الحكومة السعودية إلى مراجعة النظام التعليمي وتحسين الخدمات الصحية، فضلاً عن الاستثمار في القطاع السياحي.

وكانت وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني قد علَّقت على قرار العاهل السعودي الملك سلمان اختيار ابنه الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد، بأنه قلَّص الضبابية السياسية وخفض مخاطر حدوث تراجع في البرنامج الإصلاحي للمملكة "رؤية 2030".

لكن الوكالة أضافت أن ولي العهد الجديد جعل السياسة الخارجية السعودية "أقل قابلية للتنبؤ"، وأنه من وجهة نظر فيتش فإن صعوده قد يثير مزيداً من التوترات مع إيران.

وقالت فيتش إنه تحت قيادة محمد بن سلمان لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية فاجأت الجرأة التي تحلت بها السياسة الاقتصادية السعودية معظم المراقبين، بما في ذلك تخفيضات الدعم التي أجريت في السابق، وهو ما ساعد في بناء الثقة في قدرة الحكومة على كبح عجز الموازنة الضخم.


حداثة مشروطة


ترغب السعودية في جلب الاستثمار الأجنبي قصد مضاعفة مواطن الشغل على قدر الإمكان. كذلك، سيتم تطوير قطاع الطاقة عبر الاعتماد على الغاز الطبيعي والطاقة النووية والطاقات المتجددة.

وفي هذا الصدد، توقَّع ديفيد واينبرغ، الخبير في شؤون المملكة لدى "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الأميركية"، أن "ولي العهد السعودي الجديد سيعزز مسار الإصلاحات الاقتصادية".

وأضاف واينبرغ أن "محمد بن سلمان يرغب في بناء اقتصاد سعودي يخلق مواطن شغل جديدة لا تعتمد بصفة كلية على النفط لفائدة الجيل الجديد". كما أنه يطمح إلى "خلق فرص عمل لصالح النساء، وإنشاء المزيد من أماكن الترفيه التي كانت في السابق ممنوعة".

والجدير بالذكر أن فضاءات الترفيه، على غرار دور السينما، كانت منذ السبعينات محظورة في المملكة العربية السعودية؛ نظراً لرؤية البعض أنها تتعارض مع القيم الإسلامية.

في المقابل، ترى الأستاذة السعودية في علم الأنثروبولوجيا الديني في كلية الملوك بجامعة لندن، مضاوي الرشيد، أن "محمد بن سلمان سيمنح السعوديين بعض الحريات الشخصية، وفي الوقت نفسه، سيلجم كل الأصوات المعارضة". وفي سياق متصل، قالت الرشيد لموقع ميدل إيست آي إن "الديكتاتوريات تقر الحريات بشكل محدود".

تعارض العديد من الأطراف المحافظة في المملكة الإصلاحات الاقتصادية. وفي هذا الإطار، قال واينبرغ إن "طريقة تعامل ولي العهد مع حقوق المرأة والمعارضين والتحريض ضد الأقليات الدينية غامضة".

r


الإعدام


تقول الصحيفة الألمانية "تُمنع في السعودية عملية إنشاء النقابات والأحزاب، ناهيك عن اضطهاد منظمات المجتمع المدني التي تعارض العائلة المالكة".

وتضيف "منذ سنة 1938، تنتج المملكة النفط التجاري فتحولت بذلك من بلد فقير إلى دولة غنية". وتبعاً لذلك، لم تستفد السعودية من مبيعات النفط على المستوى الاقتصادي فقط، بل ازدهرت أيضاً على المستوى السياسي.

فقد ضمنت الصادرات النفطية الموجهة للولايات المتحدة الأميركية الحماية العسكرية والسياسية للمملكة، وذلك في إطار شراكة استراتيجية لا تخلو من الصراعات.

وقالت الصحيفة "منذ عقود، عُرفت المملكة العربية السعودية بتطبيق أحكام الإعدام الجائرة، حيث يتم قطع رقاب المجرمين أو شنقهم أمام الملأ، كما يقبع آلاف المساجين السياسيين في السجون. فضلاً عن ذلك، أثارت قضية المدون رائف البدوي جدلاً واسعاً، فهو محكوم بالسجن لمدة 10 سنوات و1000 جلدة بتهمة الإساءة للإسلام.


الثروة النفطية الهائلة


يخشى الحكام السعوديون من ثورة الشعب السعودي الذي يعيش في رخاء إلى اليوم. ونتيجة للظروف المعيشية المريحة، لا يطالب المواطنون السعوديون بالمشاركة في الحياة السياسية. ومن غير الواضح ما إذا كان الشباب السعودي دون سن الثلاثين سيرضى باستمرار هذه الحياة السلبية. وفي هذا الصدد، أفاد الخبير واينبرغ بأنه "من الممتع أن تنتظر الشعب السعودي إلى حين تجرؤه على المطالبة بالمشاركة في الحياة السياسية".

مما لا شك فيه، أسهم توزيع العائدات النفطية في صمود الأنظمة الحاكمة في دول الخليج. وبعد اندلاع ثورات الربيع العربي، بادر الملك السعودي السابق عبدالله بن عبدالعزيز، بالتبرع بمبلغ 130 مليار دولار أميركي لشعبه. كما أمر بزيادة في أجور الموظفين العموميين بنسبة 15%.


هل السعودية شريكة في الحرب ضد الإرهاب؟


وأشارت بيلد إلى أن السعودية تعد هدفاً لتنظيم داعش. ويوم الجمعة الماضي، ألقي القبض على خلية إرهابية تتكون من 5 أفراد كانوا يخططون لتنفيذ هجوم كبير في المسجد الحرام بمكة المكرمة، الذي يعد من أعظم الأماكن المقدسة عند المسلمين، وذلك في نهاية شهر رمضان، عندما يبلغ عدد المصلين في المسجد الحرام أكثر من مليوني شخص.

ومنذ 2014، شهدت المملكة العربية السعودية العديد من العمليات الإرهابية التي تبناها تنظيم داعش.

وفي هذا السياق، رأى واينبرغ أن "المملكة العربية السعودية ستلعب في المستقبل دوراً هاماً في السياسة الخارجية".

وقال إن "المملكة العربية السعودية أصبحت أكثر فاعلية في مكافحة الإرهاب، كما قلَّصت من تمويل الإرهاب، لكن على السعوديين أن يتوقفوا عن تصدير فكرهم المتطرف".

وأشارت بيلد ، إلى أن الفكر الوهابي السعودي قريب من الأيديولوجيا التي يروج لها تنظيم داعش.

وقالت الصحيفة، إنه رغم أن المملكة العربية السعودية شريك فاعل في مكافحة الإرهاب، إلا أنها مهدت الطريق لانتشار الفكر المتطرف الجهادي.

ويعتبر ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الذي يقود الحرب ضد الإرهاب، شخصاً معروفاً بعدائه الشديد لإيران. ولعل هذا ما دفعه إلى قيادة بلاده سنة 2015 إلى الحرب ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، التي خلَّفت أعداداً كبيرة من الضحايا.


هل تؤدي الإصلاحات لترسيخ النظام؟


سيصبح محمد بن سلمان في يوم ما ملكاً لسنوات طويلة. وفي ذلك الوقت، ستؤدي الإصلاحات الاقتصادية إلى تغير المملكة بشكل جذري. لا يمكن التنبؤ بارتفاع العائدات النفطية، لذلك، على المملكة البحث عن موارد بديلة، نظراً لأن الرخاء يعد الضامن الوحيد لاستقرار النظام الحاكم السعودي.

ففي حالة مطالبة الشباب السعودي بحقه في المشاركة في الحياة السياسية، فإن ذلك سيهدِّد عرش العائلة المالكة التي تعيش في بذخ.

وفي الوقت الراهن، أصبحت المعجزة الاقتصادية السعودية في طي التاريخ، ما جعل الجيل الجديد يعيش في حالة من الشك. ومع تدابير التقشف التي أعلنتها الحكومة السعودية، بات عهد الرخاء بفضل الثروة النفطية من الماضي. لكن هذا لا يعني أنه يمكن للإصلاحات الاقتصادية أن تؤدي إلى انفتاح المملكة على العالم.