مدينة سورية شاركت أميركا بإخراج داعش منها تمثل مختبراً لسياسات ترامب.. هذه التحديات التي تواجهه بعد طرد التنظيم

تم النشر: تم التحديث:
TABQA
DELIL SOULEIMAN via Getty Images

تعود الحياة ببطء إلى شوارع مدينة الطبقة التابعة لمحافظة الرقة السورية، المعقل الرئيسي لتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، وهي مدينة تضم 100 ألف نسمة.

وكانت المدينة قد شهدت معارك عنيفة بين مقاتلي التنظيم، وقوات "سوريا الديمقراطية" المدعومة من قبل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وانتهت تلك المعارك بخروج "داعش" منها، في مايو/أيار 2017، وفقاً لوكالة الأنباء الفرنسية.

عبد القادر خليل، أحد الشباب الذين عاشوا في ظل تنظيم "داعش" عندما كان يسيطر على الطبقة، يتحدث عن مواقف سيئة عاشها في المدينة، وقال إن مقاتلي التنظيم قتلوا العديد من السكان، وضيَّقوا الخناق بشدة على السفر من وإلى المدينة، وفقاً لما ذكرته صحيفة "نيويورك تايمز" 1 يوليو/تموز 2017.

وسرد الشاب البالغ من العمر 22 عاماً قائمةً من الأشياء التي تحتاجها مدينة الطبقة: الكهرباء والمياه والوقود ومخبز كبير.

ولكن بعد شهرين تقريباً من طرد التنظيم من قبل التحالف الذي قادته الولايات المتحدة، أصبحت الاحتياجات أكثر اتساعاً مما اقترحه خليل، مع عدم وجود مستشفيات أو مدارس فعالة، ولا حتى المعدات الثقيلة اللازمة للكشف عن جثث القتلى.

واعتبرت "نيويورك تايمز" أن مدينة الطبقة بمثابة مختبر لسياسة إدارة ترامب المتمثلة في تمكين القادة في سوريا من اتخاذ قرارات في ساحة المعركة لهزيمة المسلحين، مع الاعتماد على فريق صغير من مسؤولي وزارة الخارجية ووحدات الشؤون المدنية للجيش، لتعزيز السلام غير المستقر الذي يلي كل ذلك دون الدخول في عملية بناء الدولة.

كما أنها تعتبر بمثابة "بروفة" للسيطرة الوشيكة على الرقة، وهي مدينة أكبر وأكثر كثافة سكانية وأقوى تحصناً.

وفي تقرير سابق لها، أشارت مجلة "فورن بوليسي" الأميركية، إلى أنه في الوقت تهتم فيه إدارة أوباما بانتزاع الرقة من تحت سيطرة "داعش" يواسجه ترامب أول اختبارٍ رئيسي له بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الأميركية، وهو الاختبار الذي من شأنه أن يساعد على تحديد نهج الرئيس الجديد تجاه حلفاء وخصوم رئيسيين، وعلاقته مع قادة عسكريين أميركيين كبار، والمسار المستقبلي للحرب السورية والشرق الأوسط.

وقال بريت ماكغورك، مبعوث ترامب الخاص إلى الائتلاف: "إن الطبقة هي المدينة المحررة من داعش الأكثر ملاءمة لنا لكي نضع فيها بصمتنا على أرض الواقع"، وذلك في تصريحات نقلتها وكالات أنباء.

tabqa

وتقوم الاستراتيجية الأميركية في سوريا بشكل رئيسي على شنِّ الهجوم العسكري ضد تنظيم "داعش" من خلال قوات محلية، وذلك لتقليل حجم الخسائر الأميركية الناجمة عن التدخل المباشر، لكن حتى هذا يتطلب نشر مستشارين أميركيين، بالإضافة إلى المدفعية والصواريخ الموجهة بواسطة الأقمار الصناعية ومروحيات الأباتشي وقوات الصاعقة البرية- حوالي 1000 جندي.

ويأتي الوجود الأميركي في الوقت الذي تقوم فيه إيران والميليشيات الشيعية التي تدعمها، فضلاً عن نظام الأسد وروسيا، بالمناورة للسيطرة على مناطق شرقي سوريا بعد الاستيلاء على الرقة.

وكانت الزيارة التي قام بها ماكغورك، الخميس الفائت، إلى الطبقة فرصة أولى له ولمجموعة صغيرة من كبار مسؤولي التحالف ووسائل الإعلام الغربية، لإلقاء نظرة على المدينة المحررة حديثاً من قبضة "داعش"، التي لا تزال تكافح من أجل التعافي من آثار ما يقرب من ثلاث سنوات من سيطرة التنظيم القاسية.

وقال الدوير، وهو مسؤول رفيع المستوى يعمل مع وكالة التنمية الدولية التابعة للولايات المتحدة "في الأساس، لديك هنا المئات، إن لم يكن الآلاف، من الجثث تحت الأنقاض، وهي تتسبب في انتشار الذباب، والذباب ينقل الأمراض إلى الأطفال. يوجد الكثير من الفئران، والروائح الكريهة، هذا هو ما يمنع الناس من العودة".

ويحاول المهندسون السوريون تشغيل إحدى التوربينات في السد الموجود بالطبقة، والذي يوفر نحو 20% من الكهرباء في سوريا، وقد تضرر جراء المعارك التي شهدتها المدينة.

لكن مع عدم وجود قطع غيار من الحقبة السوفيتية في متناول اليد، لا يبدو أن أحداً يعتقد أن السد سيولد الطاقة في الأشهر المقبلة، وفقاً لـ"نيويورك تايمز"، فضلاً عن أن مخاطر العمل في السد وحوله قائمة، ففي الأسبوع الماضي، قتل أحد الخبراء السوريين المدربين حديثاً في مجال إزالة الألغام عندما تسبب في انفجار عبوة ناسفة محلية الصنع.

ولكن السؤال الأهم في أذهان سكان الطبقة هو كيف ستعود حياتهم إلى بعض مظاهرها الطبيعية. يقول خالد محمد علي تاتا، 54 عاماً، "لا توجد كهرباء ولا طعام ولا خبز ونحتاج إلى وقود لشاحناتنا. وحتى لا توجد وظائف".

tabqa

وتجد الولايات المتحدة نفسها مسؤولة عن توفير الحاجات الأكثر إلحاحاً للسكان في الرقة. فقد قامت القوات الأميركية بنقل ما يقرب من 50 طناً من الدقيق، ممولة من قبل البنتاغون، من العراق إلى مستودع في الطبقة تابع للولايات المتحدة، يوم الأربعاء الماضي.

وسيتم تقسيم شحنة كبيرة أخرى من المساعدات الغذائية الأميركية -تكفي 30 ألف شخص لمدة 30 يوماً- على عدة بلدات ومخيمات للنازحين في منطقة الرقة، بما في ذلك الطبقة. كما تقوم الولايات المتحدة بإرسال معدات ثقيلة لإزالة الأنقاض وتمويل جهود إزالة الألغام.

ولم تتوقف المشكلات عند ذلك الحد، فليس من الواضح من سيقوم بإعادة بناء المباني المنهارة والمدمرة في المدينة أو من سيقوم بثبيت التوربينات داخل السد. بيد أن إدارة ترامب، مستشهدةً بدروس العراق، تقف بعيداً عن عملية بناء الدولة، سواء كانت الأمر يتعلق باختيار القادة المحليين أو القيام ببرامج إعادة إعمار كبرى.

يقول الجنرال روبرت جونز من الجيش البريطاني، ونائب قائد قوات التحالف "نحن لن نتجمّل، الأمر يتعلق بالبراغماتية، إذا كانوا سيعرضون قواتهم في للخطر، يجب أن يكون الأمر من تصميمهم".

ولما كان ماكغورك المبعوث الخاص للرئيس قد اجتمع مع المجلس المدني الجديد في الطبقة، فقد وجه لأحد زعماء اللجنة دعوة هامة بضرورة المساعدة في إزالة برمجة أطفال البلدة، الذين لم يلتحقوا بالمدارس العادية منذ سيطر تنظيم "داعش" على المنطقة.

وقال أحمد الأحمد، الرئيس المشارك للمجلس: "هناك مشكلة أساسية في مجتمعنا هي أن أيديولوجية داعش قد زُرعت في أدمغة الأطفال الصغار، مما يعني أنها ستستمر في المستقبل". وأضاف: "إننا نحتاج إلى مساعدة نفسية للأطفال في المدارس، وتعليمهم طريقة العيش الحقيقية".

tabqa

وقال الأميركيون إنهم مستعدون لتقديم المكاتب وألواح السبورة، ولكن على مجلس مدينة الطبقة أن يوجه الطلبات إلى صندوق الأمم المتحدة الدولي للطفولة (اليونيسف)، عندما تصل الأمم المتحدة في النهاية إلى المدينة.

وحتى في الوقت الذي يحاولون فيه مساعدة الطبقة، يحاول المسؤولون الأميركيون حشد المزيد من الدعم الدولي لما يتوقعون أن يكون عليه الوضع الأكثر تطلباً في الرقة. وقد حدد الخبراء بالفعل 400 "موقع استقرار" محتمل في المدينة قد يحتاج إلى إصلاح وتطهير من الألغام والمتفجرات الأخرى، مثل محطات معالجة المياه والطاقة الكهربائية، وصوامع تخزين الحبوب وغيرها من الأجزاء الهامة للبنية الأساسية بالمدينة.

وقال ماكغورك "الطبقة كانت عملية تجريبية، ما زال ينتظرنا الكثير من العمل".