قصة صعود حفتر من المنفى إلى الانقلاب الوهمي.. هكذا مزَّق حليف السيسي النسيج الاجتماعي لبنغازي

تم النشر: تم التحديث:
R
ر

"نُحارب الإرهاب نيابةً عن العالم"، هذا ما كُتب على اللوحة الإعلانية الضخمة المطلة على أحد الشوارع الراقية في المدينة التي مزقها الصراع. وتحمل اللوحة أيضاً وجه رجل ذي شاربٍ يرتدي البزة العسكرية؛ المشير خليفة حفتر، أقوى شخصيات ليبيا وأكثرها استقطاباً. وتأتي الرسالة المكتوبة على اللوحة منه شخصياً، وهذا أكثر ما يلفت الانتباه.

تقرير مطول كتبه لمجلة ذي أتلانتيك الأميركية فريدريك ويري، الباحث الأول في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، يحكي كيف صعد نجم القائد العسكري الليبي السابق خليفة حفتر، بعد أن كان منفياً لسنوات طويلة من خلال محاولته لتقليد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وعبر الدعم الإماراتي والمصري، ولكن التقرير يلفت إلى التداعيات الخطيرة لسياسات حفتر في بنغازي، وكيف سببت الضغائن والعداوة بين أهل المدينة.

‏يقول فريدريك ويري: "عندما ذهبت إلى ليبيا قبل ثلاث سنوات، قال لي الجنرال حفتر جملةً مُشابهة لتلك المكتوبة على اللوحة الإعلانية: "ستكون ليبيا مقبرة الإرهاب العالمي"، وفقاً لتوقعاته. حدث هذا في أول أيام عملية الكرامة، حملة حفتر العسكرية لتخليص بنغازي من الميليشيات الإسلامية والجهادية التي استقرت في المدينة منذ ثورة عام 2011.

ووعد حفتر وقتها أن تنتهي العملية في غضون أسابيع. وفي مايو/أيار 2017، تجاوزت الحرب في بنغازي أسبوعها الـ36، وهي فترةٌ أطول من الانتفاضة التي أطاحت بالديكتاتور معمر القذافي. وتسبب في الصراع في مقتل وتشريد الآلاف، بالإضافة إلى دمارٍ على مستوى لم تشهده البلاد منذ أيام الحرب العالمية الثانية.

واليوم، يُمكن لحفتر الاحتفاء ببعض الانتصارات. إذ نجحت قواته في تحطيم الإسلاميين، ودفعتهم للتراجع إلى عددٍ قليلٍ من المباني المطلة على البحر على مشارف بنغازي. بدأت الحياة تعود إلى المدينة. لكن بمرور الوقت، تسببت عمليته في إطلاق مراكز قوى جديدة تُقوِّض الاستقرار، وأكبرها هي الطفرة الجديدة في الحكم المُستبد والصعود السياسي لحفتر نفسه، في تحدٍّ واضحٍ للحكومة المدعومة من قبل الأمم المتحدة في طرابلس.

ويأتي هذا الصعود بدعمٍ من التحالف الإماراتي- المصري، وإشارة حكومة ترامب مؤخراً. وامتدت موجات توابع هذا الصعود في جميع أنحاء البلاد.


عندما نسي العالم بنغازي


وتعود أسباب انطلاق عملية الكرامة إلى توابع الهجوم الجهادي على القنصلية الأميركية في بنغازي عام 2012، والذي تسبب في مقتل السفير كريستوفر ستيفنز وثلاثة أميركيين آخرين. وفي الأشهر القليلة التالية، سقطت بنغازي في فخ اليأس، ونسي العالم أمرها بالكامل.

وأثارت عمليات الاغتيال المتتالية ذُعر السكان، إذ تعرَّض القضاة والنشطاء ورجال الأمن وضباط الجيش للاستهداف بإطلاق النار من السيارات المارة والعربات المفخخة. لم يغادر أحدٌ منزله أثناء الليل. وكانت دوافع تلك العمليات غامضة، فهي مزيجٌ من العنف الإسلامي والضغائن القبلية والإجرام. وفي جميع الأحوال، تطلَّع المواطنون لفرض النظام، تطلَّعوا لشخصٍ يُمكنه إيقاف الفوضى.

وهنا جاء دور حفتر، الضابط السبعيني الذي خاض حرب القذافي في تشاد قبل أن ينشق ويهرب بمساعدة وكالة المخابرات المركزية الأميركية إلى ولاية فرجينيا، حيث قضى الـ20 عاماً التالية من حياته.


‏انقلاب مثير للسخرية


عاد حفتر إلى ليبيا إبان اندلاع ثورة عام 2011 ضد القذافي، وحاول قيادة الثوار لكنه فشل في ذلك. واختفى عن الأنظار تقريباً بعدها، ليرتحل حول ليبيا وسط حاشيته، متنقلاً في السعي وراء المصير الذي استعصى عليه.

وفي فبراير/شباط عام 2014، ظهر على شاشات التلفاز، وأعلن حل البرلمان المنتخب، لكن إعلانه قوبل بالسخرية. وأطلق عليه الناس "الانقلاب الذي لم يحدث"، حسب الكاتب فريدريك ويري.

وفي أعقاب ذلك، في صيف العام نفسه، ووسط العنف المستعر في بنغازي، وجد حفتر ضالته ومدخله. اعتمد على بعض المئات من أتباعه الذين انضموا له من وحدات الجيش والقبائل الشرقية الساخطة، وبعض الطائرات القديمة، من أجل أن يُطلق عملية الكرامة لاستعادة المدينة من أيدي الميليشيات الإسلامية. وفي غضون عامٍ واحد، سيطرت قواته على معظم الأجزاء الشرقية للمدينة. لكن حملته لم تأت بتفويضٍ من حكومة طرابلس، وهو ما سيُلقي البلاد إلى غياهب الحرب الأهلية فيما بعد.


الإخوان المسلمون


تهدف عملية الكرامة، كما وصفها حفتر لكاتب تقرير ذي أتلانتيك، إلى طرد الإسلاميين واستعادة شرف الضباط العسكريين الذين تعرَّضوا للتهميش من قبل الميليشيات. واشتكى من أن ضباط النظام السابق يتقاضون أجوراً أقل بكثيرٍ من رجال الميليشيات الإسلامية المرتبطين بالجهاديين، وألقى باللوم على فساد البرلمان والحكومة المدنية في طرابلس. والأهم من ذلك، هو رغبة حفتر في إعادة صياغة السياسة الليبية بالقضاء على الساسة الإسلاميين، وخاصةً من الإخوان المسلمين الذين اتهمهم بالتورط في أعمال العنف. ويتوافق هذا الهدف مع سياسات القائد المصري عبدالفتاح السيسي، الذي ينسخ حفتر خطاباته ويُدرك جيداً أهمية الحصول على دعمه العسكري والسياسي في المعركة.

توقع حفتر انتهاء القتال في غضون أسابيع. لكن الأسابيع تحولت إلى شهور، ومن ثم إلى سنوات. وتدفقت المعونات الأجنبية لدعم قوات حفتر في الوقت الذي امتلأت فيه صفوف أعداء حفتر بالأجانب أيضاً. وشاركت الإمارات، مدفوعةً برُهابها من جماعة الإخوان المسلمين المصريين بإرسال العربات المدرعة والمستشارين العسكريين والطائرات الحربية.

وأغرقت روسيا حفتر بالاهتمام: زيارة متكلفة لحاملة طائرات، ومساعدات طبية، وقوات خاصة، وفقاً للتقارير. كما أرسل الفرنسيون والبريطانيون والأميركيون موظفيهم المميزين لتقديم الدعم على كافة المستويات، بدايةً من الاستخبارات وحتى الدعم المُقدَّم على جبهات القتال.


لماذا أخفقت توقعاته في القضاء على الإسلاميين؟


لكن حفتر وقع في الخطأ. إذ تسبب هجومه على الإسلاميين في توحيد المعتدلين والجهاديين على حد سواء، كما ثبت مع مرور الوقت، وتحوَّلت موازين القوى في صالح المتشددين مدعومةً بتدفق التوانسة والمصريين وغيرهم من الأجانب. وفي أوائل عام 2015، وصل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) واستغل الفوضى الجارية. وتعرَّضَ الإسلاميون المستعدون للتصالح مع الدولة الليبية للقتل والنفي، أو لاقوا مصائرهم مع دولة الخلافة المزعومة.

وفي أواخر عام 2015، أثناء زيارتي لبنغازي، وصلت عملية الكرامة إلى طريقٍ مسدود. وتوجَّهت لزيارة المستشفيات حيث شاهدت رجال حفتر ممزقين من الألغام ورصاص القناصة. وتحوَّلت مساحاتٌ واسعةٌ من المدينة إلى مناطقٍ محظورة.


انتصار حفتر والاستقرار


يقول كاتب التقرير "عند عودتي في مايو/أيار الماضي، وجدت ساحة المعركة وقد تغيَّرت تماماً، إذ شارفت قوات حفتر على إعلان انتصارها.

ولكن، لا يزال القتال مستمراً، وتقع أجزاءٌ كبيرةٌ من المدينة تحت الأنقاض، بما فيها المدينة القديمة الشهيرة ومحكمتها التي كانت موقعاً لأول تظاهراتٍ ضد القذافي عام 2011. وتحوَّل حي سوق السمك الواسع -الذي حُرِّرَ مؤخراً- حيث اعتادت الأسر على التجمع في ليالي رمضان، إلى كومةٍ من الإسمنت. وترك القصف آثاره على البوتيكات الإيطالية في ميدان الشجرة، التي اشتهرت بأخشاب الأرز في وقتٍ من الأوقات، كما دمَّر القصف البازار المُغطى في سوق الجريد، الذي كان يعُجُّ بالخياطين وصُنَّاع المجوهرات والجلود.

ولا يزال الجنود يسقطون من رصاص القناصة، وأفخاخ المتفجرات، وهي أجهزةٌ شيطانيةٌ تعلوها طبقةٌ رقيقةٌ من الأخشاب وتغطيها الرمال أو القمامة أو العشب. ولا يزال المدنيون يهلكون تحت دفعات الصواريخ والقذائف، وخاصةً في المساء. وفي صباح أحد الأيام، شهدت بعيني آثار مثل هذا الهجوم: فجوة ضخمة وسيارة متفحمة ورجلاً يتحسَّر على فراق شقيقه.

ورغم ذلك، شعرت في أجزاءٍ كثيرةٍ من المدينة بعودة نبض الحياة الطبيعية. وفي حي البركة القديم، تمتلئ شوارع المدينة المزدحمة بالأعلام الخضراء لنادي النصر لكرة القدم، أحد أشهر الأندية محلياً. وتمركز رجال شرطة المرور -الذين لزموا بيوتهم في الماضي خوفاً من الاغتيال- من جديدٍ عند التقاطعات، مُرتدين زيهم الرسمي الصيفي الأبيض. وبدأت المصانع والمزارع في مزاولة أعمالها، بينما يحاول رواد الأعمال الصغار إطلاق مشاريعهم التقنية بالمشاركة في مسابقاتٍ لتصميم تطبيقات الهواتف الذكية المبتكرة، وأعادت الجامعة فتح أبوابها.

وعادت وسائل الترفيه أيضاً، إذ يركب الأطفال في لونا بارك لعبة القطار التي تقع إلى جوار أكشاك المثلجات ومحلات الحلوى ومنافذ بيع الملابس. وتوجد أنديةٌ موسيقيةٌ وفرقٌ مسرحيةٌ ومعارض فنيةٌ وبطولات رغبي. وداخل حديقة أحد الفنادق الجديدة، يجلس العرسان الجدد لتدخين الشيشة بنكهة التفاح، بينما يعرض جهاز بروجكتور المسلسلات الدرامية المصرية على أحد الحوائط.

هذا هو أحد وجوه بنغازي، وجه التقدم والنظام، لكن هناك بالطبع وجهٌ آخرٌ للمدينة.


عنصرية


يقول كاتب التقرير "ليست حرب بنغازي مجرد عمليةٍ عسكريةٍ ضد الإرهابيين، بل هي صراعٌ اجتماعيٌّ حميميٌ عميق بين الجيران وأبناء العمومة، بالإضافة إلى التوترات القبلية والطبقية بين القبائل الشرقية والعائلات الغربية، وبين القبائل الشرقية وبعضها، وبين النخب الحضرية والفقراء الريفيين. وتتزايد التقارير عن حالات التعذيب والإخفاء وتدمير الممتلكات بأعدادٍ كبيرة. كما توجد أدلةٌ على تنفيذ عمليات إعدامٍ بإجراءاتٍ موجزةٍ من الطرفين".

وتتحمل الميليشيات القبلية والحضرية، التي سلَّحها حفتر في بداية حملته، المسؤولية عن العديد من الانتهاكات. وشكَّلت تلك الميليشيات، المعروفة باسم "قوات الدعم"، نسبة 60 إلى 80% من رجال حفتر في وقتٍ من الأوقات، ولا تزال تحتفظ بسلطاتها حتى يومنا هذا رغم الجهود المبذولة لتفكيكها. وقامت العديد من تلك الميليشيات بمهاجمة عائلات المسلحين المشتبه بهم، ودمروا منازلهم وتجارتهم. وبرر أحد قادة عملية الكرامة هذا الدمار بأنه يصب في مصلحة إنقاذ "النسيج الاجتماعي" لبنغازي. لكن ما حدث على أرض الواقع كان عكس ذلك تماماً.

يضيف الكاتب "شاهدت أدلةً على تلك الانتهاكات أثناء تجوُّلي في شوارع حي الليثي، وهي المنطقة الفقيرة المكتظة بالسكان والتي تشتهر بالاقتتال والتفكُّك. ومررت بجوار الأنقاض المتفحمة للمنازل والمتاجر المحترقة وبواقي هياكل السيارات الصدئة.

وحسب الكاتب "بدا أن بعض أعمال النهب كانت متعلقةً بالتنافس الطبقي، كنوعٍ من التعبير عن استياء القبائل الفقيرة من الإسلاميين الأغنياء. والتقيت بقائد إحدى الميليشيات المؤيدة لحفتر، الذي هاجم منزل أحد المشتبه بهم في تمويل الجهاديين، وهو رجلٌ يملك ورشة ألومنيوم تَدَرَّب فيها القائد من قبل".

ويُشكِّل العديد من الهاربين من هجمات الميليشيات في حي الليثي وغيره من الأحياء، العمود الفقري الاجتماعي للمعارضة المسلحة التي تواجه حفتر. وأُرغمت آلاف الأسر على ترك بنغازي، معظمهم بسبب أن أقاربهم الرجال يحاربون قوات حفتر. لكن العديد من اللاجئين الآخرين يدَّعون أنهم تعرضوا للاستهداف من ميليشيات حفتر بسبب أصول عائلاتهم البعيدة، وخاصةً أولئك الذين ينحدرون من المدن الغربية مثل مصراتة، الحصن الساحلي القوي الذي سلَّح وموَّل الإسلاميين المعارضين لحفتر.


الأتراك والشركس


يقول كاتب التقرير "في مصراتة، التقيت بالعديد من رجال الميليشيات الذين شحنوا الأسلحة للإسلاميين الذين يحاربون حفتر. واشتكوا من أن حربه أثارت عداواتٍ جديدةً بين بعض القبائل الشرقية المتحالفة مع عملية الكرامة.

وأشار إلى أن القبائل تصف أولئك الذين يعتبرونهم من غير مواطني بنغازي بـ"الغرباء" أو "الغربيين"، على الرغم من أن العائلات المصراتية هاجرت إلى بنغازي منذ قرونٍ مضت، واستقرت في وسط المدينة حيث ازدهرت حياتهم كتجارٍ وبنَّائين.

وتأتي الآن القبائل التي وصلت إلى بنغازي قادمةً من مناطقها الريفية في العقود الأخيرة، لتتهم المصراتيين بأنهم لا ينتمون إلى المدينة. والأسوأ من ذلك هو وصفهم للمصراتيين بالأتراك والشركس، في إشارةٍ إلى علاقة مصراتة التاريخية بالإمبراطورية العثمانية. ووصف أحد أبناء مصراتة الوضع الجاري قائلاً: "هذه عنصريةٌ قبلية".

وكسائر روايات التمييز، تحتوي هذه الرواية على بعض التحريف. إذ تضم صفوف المعارضين لحفتر بعض القبائل الشرقية، مثلما تضم صفوف المؤيدين لحفتر بعض أبناء مصراتة والغرب. وهذا ما يجعل صراع بنغازي مربكاً للغاية، إذ يتداخل مع الخطوط الطائفية ويُقسِّم العائلات. لكن المؤكَّد هو أن روح النزعة الانتقامية، التي تسود بين النازحين وأولئك الذين يقاتلون حفتر، ستستمر على الأغلب. إذ قال لي أحدهم: "السيطرة على بنغازي تعني السيطرة على ليبيا".


تمثيل بالجثث


وكان الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة فرحان حق قد دعا إلى إجراء تحقيق في قيام المقاتلين التابعين لخليفة حفتر بنبش القبور في بنغازي، في مارس/آذار الماضي، بعد أن تدفقت صور ومقاطع تظهر الممارسات البشعة لما يجري في منطقة نفوذه في المدينة.

وعبر حق عن "إدانة المنظمة لأعمال التشويه والتمثيل بجثث الموتى التي تم الإبلاغ عنها". وقال إن "بعثة الأمم المتحدة في ليبيا على اطلاع بالتقارير المذكورة".

وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي في ذلك الوقت مقطع فيديو يظهر أحد المقاتلين التابعين لقوات حفتر في بنغازي وهو يسخر من جثة القائد العسكري في "مجلس شورى ثوار بنغازي" جلال المخزوم، وهي معلقة أمام معسكر كتيبة القوات الخاصة بعد التنكيل بها، ويظهر الجندي ساخراً وكأنه يجري مقابلة مع جثة القتيل.

كما أظهر مقطع مصور نشر على موقع التواصل الاجتماعي قيام النقيب محمود الورفلي، القائد العسكري البارز في القوات التابعة لحفتر، بإعدام ثلاثة أشخاص مقيدي الأيدي في بنغازي.


لماذا يدعم بعض السلفيين حفتر؟


كانت إحدى النتائج الثانوية لعملية الكرامة هي حدوث طفرةٍ في الإسلام المحافظ في أنحاء بنغازي والشرق، حسب تقرير ذي أتلانتيك.

فبالرغم من ظهور حفتر في صورة العلماني المناهض للإسلام، فقد استقطب ودعم السلفيين المحافظين الذين يجدون في المملكة السعودية إلهاماً لهم.

ويتبع أولئك السلفيون، الذين يوصفون بـ"الهدوء"، مذهب الولاء للحاكم السياسيٍ والعداء لأشكال الإسلام الناشط والجهادي، مثل الإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة. وليس من المستغرب انضمامهم لعملية الكرامة منذ البداية. إذ أرسلوا بعدها وفداً إلى المملكة العربية السعودية للحصول على فتوى من مفتي المملكة تجيز لهم دعم حفتر.

وفي الأشهر الأخيرة، حاول السلفيون المؤيدون لحفتر إحكام سيطرتهم على الشؤون الأمنية والحياة الاجتماعية في بنغازي والشرق، إذ حشدوا ميليشياتهم الخاصة ونشروها على الخطوط الأمامية للمدينة. وهم ينشطون في مجال السجون، والتقيت واحداً منهم يعمل في مجال "المراجعات الفكرية" للجهاديين المعتقلين.

ويعمل السلفيون أيضاً كشرطةٍ أخلاقية، إذ قاموا بمصادرة وإحراق الكتب التي يرون أنها تحتوي على بِدَعٍ، ومنعوا الاحتفال بـ"يوم الأرض" ووصفوه بأنه غير إسلامي. ويُثير نفوذهم حفيظة العديد من مؤيدي حفتر الليبراليين، إذ ظنوا أنه سيستعيد الأمن ويقضي على الإسلاميين، وليس أن يطلق العنان لنوعية خاصة من الإسلاميين.

وما يثير القلق بصورةٍ أكبر، هو قيام حفتر بعسكرة نظام الحكم. في شرقي البلاد، استبدل مسؤولي المحليات المنتخبين بضباط جيش يرتدون البزة العسكرية. وأعاد جهاز الاستخبارات من حقبة القذافي إلى العمل. وأُسكِتَت الأصوات الناقدة بالترحيل أو الاعتقال أو حتى الإخفاء، وهو الأمر الذي يصفه الكثيرون همساً بأنه أشبه بعودةٍ لأيام الماضي السيئة.

يبدو حفتر مستعداً للقفز إلى ما وراء بنغازي والانتقال إلى المسرح الوطني. ولا يُخفي حفتر نيته بالتقدم غرباً في اتجاه طرابلس من أجل الإطاحة بالميليشيات الإسلامية التي تُسيطر على العاصمة. وفرض سيطرته بالفعل على حوض سرت المركزي، كما استولى مؤخراً على مطارٍ جويٍّ على الجنوب من خصومه. ويسعى الآن أيضاً للحصول على تأييدٍ دولي.


موقف إدارة أوباما


في الخريف الماضي، أرسل حفتر مبعوثيه إلى واشنطن وعرض على الولايات المتحدة فكرة حكم ليبيا من خلال مجلسٍ عسكري، لكن الفكرة قوبلت بالرفض.

ووفقاً لمسؤولٍ أميركي رفيع المستوى حضر تلك الاجتماعات، تُعتبر السيطرة المدنية على الجيش الليبي خطاً أحمر بالنسبة لواشنطن. ومؤخراً، غيَّر حفتر وجهته لتقبُّل فكرة إشراف منصبٍ مدني على الجيش الليبي داخل مجلسٍ مُكوَّنٍ من ثلاثة أشخاص، أو ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية الليبية المقرر عقدها في أوائل عام 2018. ويُثير هذا شكوك منتقديه، الذين يرون في الأمر باباً خلفياً يسمح بعودة الديكتاتورية.

يقول كاتب التقرير: "شهدت بنفسي مؤشراتٍ على محاولة حفتر لإعادة رسم صورته في لوحةٍ دعائيةٍ ظهرت مؤخراً في ميدان الكيش الواسع، المركز الدائم للتظاهرات حيث يقوم الشباب بالتفحيط فيه ليلاً داخل سياراتٍ مُعدَّلة".

ويظهر حفتر على اللوحة مرتدياً بذلةً رماديةً وربطة عنق، بينما تُحيط به الحشود العاشقة. وفي أسفل اللوحة كُتِبَت الكلمات التالية: "حركة التفويض الشعبي لإنقاذ البلاد". وفي خيمةٍ قريبة، شرح لي أحد منظمي الحركة هدفها كالتالي: "جمع 400 ألف توقيعٍ موثقٍ لتفويض حفتر بحكم البلاد".

وكانت مصر قد شهدت قبل بضعة أشهر من الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي حركة لجمع توكيلات للرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي، الذي كان وزيراً للدفاع آنذاك لإدارة البلاد بدلاً من مرسي.

وتحمل الحركة معالم الحملة السياسية، والتي عجَّل بظهورها النشاط العسكري المصري والإماراتي بالنيابة عن حفتر، علاوةً على سوء الطالع الذي أصاب قطر، راعية خصومه الإسلاميين.

ويُضاف إلى ذلك إشارات التشجيع من زيارة ترامب الأخيرة للشرق الأوسط. وبينما وضعت رئاسة أوباما الجنرال الليبي تحت المراقبة والتدقيق، يُعتبر تركيز ترامب على مكافحة الإرهاب ومعاداة الإسلام واحتضان الحكام المستبدين العرب بمثابة هبةٍ من السماء لحفتر.

وبالعودة إلى بنغازي، يظهر شعورٌ بالحسرة على وجوهِ بعضٍ ممن أيَّدوا حفتر في وقتٍ من الأوقات. وبالنسبة لهم، فإن ملحمة عودته من المنفى وإنقاذه للمدينة المضطربة وصعوده للسيطرة الوطنية، تحمل جميع مواصفات معبود الجماهير التي تُعيد إلى الأذهان أصداء الماضي القريب.

وأكَّد أحد النشطاء المحليين: "أصبحنا نعتبره كإلهٍ مُصغَّر، وهذا أمرٌ بالغ الخطورة. هذا ما فعلناه مع القذافي".