السلام ليس سهلاً كما توقع.. كيف تعرّض ترامب للمناورة والضغط في محاولة الصلح بين إسرائيل والفلسطينيين؟

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

تفاخر الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال الانتخابات بأن خلفيته في مجال العقارات يمكن أن تساعده على النجاح فيما فشل فيه رؤساء الولايات المتحدة الآخرون في إبرام ما أطلق عليه اتفاق الأرض "النهائي"، وهو تسويةٌ سلمية بين إسرائيل والفلسطينيين.

وبمجرد أن تولى الرئيس ترامب منصبه، غاص في الصراع الذي يبدو مُستعصياً على الفور وبصورةٍ شخصية، واختار زوج ابنته وكبير مستشاريه جاريد كوشنر، ومحامي الأسرة الموثوق به جيسون غرينبلات، كمبعوثين مستقبليين للسلام، وفق ما ذكر تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأميركية.

وقال ترامب في أبريل/نيسان إنَّه "ليس هناك أي سبب لعدم وجود سلام بين إسرائيل والفلسطينيين".

وقد التقى غاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكبير مستشاريه، الأربعاء 21 يونيو/حزيران 2017، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس؛ لإجراء محادثات حول النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، وفقاً لتقرير سابق لهاف بوست عربي.

لكن بعد مرور 5 أشهر على تولي ترامب المنصب، بدأ ترامب يتعلم أنَّ الحماس، والفطنة التجارية، والروابط الأسرية تأثيرها محدود، وأنَّ تبنيه موقفاً قوياً مؤيداً لإسرائيل لا يعني أنَّ القادة الإسرائيليين سيقتنعون بما يراه.

جهود السلام التي أطلقها ترامب تقف عند نقطةٍ محورية. لكنَّ فريق التفاوض بدأ يدرك حدود النوايا الحسنة التي انتقلت إلى الإدارة الأميركية الجديدة، والمواقف المتشددة في كلا الجانبين التي ساعدت على إفشال جهود السلام الأميركية السابقة.

وفي بعض الأحيان، ظهر فريق التفاوض الأميركي الصغير وكأنَّه يتلقى الضربات نتيجة التسريبات المُتبادلة لوسائل الإعلام الإسرائيلية والفلسطينية، التي يرسم كلٌ منها الطرف الآخر كأنَّه العقبة في طريق إتمام المفاوضات. في حين وصفت بعض التعليقات كوشنر باعتباره قليل الخبرة فيما يتعلق بالشرق الأوسط.

وفي لقاءاتٍ مُنفصلة مع الإسرائيليين والفلسطينيين أواخر يونيو/حزيران، لم يستخدم كوشنر أياً من عبارات ترامب المليئة بالمبالغة حول إبرام صفقةٍ كُبرى، وترك كوشنر بعض جمهوره وقد تكوَّن لديهم انطباعٌ بأنَّ الولايات المتحدة تُعِيد النظر في بدايتها السريعة بالتوسط في الأزمة.

وقال فرانك لونشتاين، الذي قاد آخر الجهود الأميركية في عامي 2013 و2014: "إنهم يدركون الأمر في وقتٍ مبكرٍ للغاية، وإن الطرفين ليسا جادان في المضي قدماً في عملية السلام".


تكتيكات المناورة والضغط


وقد تعرَّض ترامب بشكلٍ مباشر لتكتيكات المناورة والضغط التي سبق أنَّ استخدمت في المأزق الذي استمر 6 عقود، وذلك خلال زيارته الأخيرة لإسرائيل والضفة الغربية.

واستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اجتماعا ودياً في 22 مايو/أيار مع ترامب ليعرض له مقطع فيديو يحتوي على مشاهد جمَّعتها إسرائيل حول ما وصفه نتنياهو بالتحريض الذي قام به رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس، الشريك المستقبلي لإسرائيل في أي اتفاق سلام.

واجتمع ترامب مع عباس في اليوم التالي، وفاجأه بوابلٍ من الاتهامات حول الإرهاب والمواقف الفلسطينية تجاه إسرائيل التي قال ترامب إنَّها ستحبط الاتفاق، وذلك حسبما ذكر مسؤولون أميركيون ومسؤولون آخرون مُطّلعون على الاجتماع.

فلم تكن الـ40 دقيقة التي خصصها دونالد ترامب للرئيس الفلسطيني محمود عباس الأسبوع الماضي في مدينة بيت لحم، "روتينية هادئة" كمعظم المحادثات التي أجراها الرئيس الأميركي خلال جولته الأخيرة، وفق ما ذكر تقرير سابق لهاف بوست عربي.

وقال مسؤولٌ أميركي للقناة الثانية الإسرائيلية إنَّ ترامب صرخ قائلاً: "لقد خدعتني في واشنطن" في وجه عباس، الذي اهتز من حدة الموقف.

وبعد ذلك، شكر عباس ترامب لمحاولته التفاوض، لكنَّه أكد علناً مطالب الفلسطينيين بالتسوية، التي تضم أصعب العناصر التي من الممكن أنّ يتقبلها القادة الإسرائيليون.

وقال عباس بطريقةٍ جافة: "التزامنا هو أن نتعاون معكم من أجل إحلال السلام والتوصل إلى اتفاق سلامٍ تاريخي مع الإسرائيليين".

وتوصَّل بعض المسؤولين الأميركيون إلى أنَّه من خلال عرض مقطع الفيديو على ترامب، الذي احتوى على مقتطفاتٍ يظهر فيها عباس وهو يحرض الفلسطينيين على العنف، كان نتنياهو عازماً على قتل أية إمكانية لإجراء محادثات سلام قبل أنّ تبدأ حتى. ولم يُذكر من قبل أنَّ ترامب قد رأى الفيديو، بحسب وول ستريت جورنال.

إلا أنَّ الأمر من الممكن أنَّ يكون قد أتى بنتائج عكسية. وبعد أن فكَّر لاحقاً في الأمر، بدا أن ترامب قد أيقن بأن الإسرائيليين حاولوا التأثير على اجتماعه بعباس، وفقاً لما قاله شخصٌ تحدَّث معه. ونفى آخرون قريبون من جهود السلام الوليدة أنَّ ترامب شعر بأنَّ نتنياهو قد استغلَّه أو ضلله.

وفي كلتا الحالتين، أعطت الواقعة ترامب فرصةً ليذوق مدى صعوبة أي جهودٍ دبلوماسية بين الطرفين في المستقبل، وألقى ترامب نظرةً على محاولات إسرائيل والفلسطينيين للتلاعب بالوسطاء الأميركيين، بحسب ما ذكرت الصحيفة الأميركية.

وقال مسؤولون أميركيون وإسرائيليون إنَّ الفيديو الذي ظهر فيه عباس يشبه الفيديوهات التي أعدتها إسرائيل وعرضتها على مسؤولين أميركيين في الماضي. إلا أنَّ مسؤولاً أميركياً رفيع المستوى مُطَّلِع على هذا الاجتماع قال إنَّ هذا الفيديو بدا وكأنَّه يهدف إلى تشويه سمعة عباس شخصياً، وإثارة "رد فعلٍ عاطفي" من ترامب عشية اجتماعه مع الزعيم الفلسطيني.

وكانت إسرائيل تضغط على مسؤولين أميركيين حول قضية التحريض الفلسطيني لسنوات، وكان ذلك محور اجتماع عباس الأول مع ترامب في مايو/أيار الماضي.

وقال مسؤولٌ أميركي بارز مُطلَّع على الاجتماع إنَّ عباس شعر بالخيانة من قِبل ترامب ونتنياهو. وقال عباس للمؤيدين لاحقاً إنَّ اللقاء الأول بالبيت الأبيض سار على ما يرام، وأكد أنَّه متفائل رغم تصريحات ترامب المُتكررة المؤيدة لإسرائيل.

وقال ديفيد ماكوفسكي، الذي كان مستشاراً لوزير الخارجية الأميركي جون كيري خلال جهود السلام الأخيرة، والباحث الزائر في معهد واشنطن، إنَّ التفاؤل قد تلاشى وبدأت المناورات.

وأوضح ديفيد، الذي عاد مُحبَطاً من زيارةٍ إلى إسرائيل والضفة الغربية هذا الأسبوع: "نحن في نهاية المشهد الأول من المسرحية، حيث يُحسن الجميع التصرف لأنَّهم يريدون بشكلٍ أساسي أنّ يمنحوا الرئيس ترامب الفرصة. لقد عُدنا إلى لعبة إلقاء اللوم".

وقال سياسيون مخضرمون شاركوا في جهود السلام السابقة إنَّ ترامب عديم الخبرة حتى وإن لم يكن ساذجاً. وقال دانيال ليفي، وهو مفاوض سلام سابق في إسرائيل، إنَّ ترامب يعيش لحظةً مهمة، إذ يُدرك الآن أنَّ الشيء الذي بدا ممكناً على الورق اتَّضح أنَّه أكثر تعقيداً مما كان يتخيل في بداية الأمر.

ومزح دانيال قائلاً: "من كان يتخيل أنَّ الأمر سيكون بهذه الصعوبة والتعقيد؟".

وقال دانيال لصحيفة وول ستريت جورنال إنَّ "خطة نتنياهو ليست جديدة، فهو يحاول تحويل تركيز ترامب إلى بعض الإلهاءات، آملاً في أنَّ يجعل الفلسطينيين يظهرون بصورةٍ سيئة، وهو الأمر الذي سيزيح عنه بعض الضغط فيما يتعلق بتقديم شيءٍ ما في أي اتفاقية سلام". وأضاف دانيال أنَّه من هنا يأتي تركيز إسرائيل على التحريض والمدفوعات الفلسطينية لأسر السجناء المُتهمين بالعنف ضد الإسرائيليين.

ويَدَّعي مسؤولون فلسطينيون أنَّ العديد من الاعتقالات هي نتيجة معارضة الاحتلال غير الشرعي، وأنَّ الواجب يقتضي منهم دعم أسر هؤلاء المُعتقلين. وقد تخرج القضية قريباً من قبضة إدارة ترامب. ويتحرك الكونغرس حاليّاً نحو إصدار تشريعٍ بوقف جميع المساعدات الأميركية للفلسطينيين إلى أن يجرى حل قضية دفع الأموال لأسر الأسرى.

ويَدّعي الفريق الأميركي الذي يقوده كوشنر ومحامي ترامب السابق جيسون غرينبلات تحقيقه بعض النجاح فى المساعدة في تمهيد الطريق لإجراء محادثاتٍ في نهاية المطاف، إلا أنَّ المسؤولين الأميركيين يرفضون التحدث عن الشكل الذي يمكن أن تتخذه هذه المحادثات. وبشكلٍ مماثل، لم يرسموا أي جدولٍ زمني لجهودهم. وكان كيري قد حدد مهلةً نهائية في بداية الجهود الأخيرة، لكنَّه مدَّها في النهاية.

وتستكشف جهود السلام، التي يقودها مكتب غرينبلات في مبنى المكتب التنفيذي القديم، سُبل زيادة عدد العاملين وتوظيف موظفين إضافيين. وقد فُكِّكَت عملية لونشتاين الكبيرة نسبياً، والتي كان مقرها في وزارة الخارجية الأميركي، بعد انهيار المحادثات بشكلٍ حاد.

ويشير مسؤولون أميركيون إلى قرار إسرائيل بالسماح للفلسطينيين بالسفر على مدار 24 ساعة من خلال معبر جسر الملك حسين (اللنبي) الذي تسيطر عليه إسرائيل عبوراً إلى الأردن. ويُعتَبَر المدّ التجريبي لساعات السفر هذا الصيف وسيلةً لبناء الثقة قبل المحادثات المحتملة.

وقد قام ترامب بمخالفة جهود السلام السابقة من خلال التنازل عن إصرار الولايات المتحدة على دولةٍ فلسطينية مستقلة ذات سيادة كهدف للمفاوضات، بالرغم من أنَّه يقول إنَّه يتقبل تلك الفكرة إذا كان الطرفان يريدان ذلك.