"نار الدوحة ولا جنة القاهرة".. لماذا يخشى المصريون في قطر رغم الحصار العودة إلى بلادهم؟

تم النشر: تم التحديث:
S
س

ألقت الأزمة الخليجية بين قطر من ناحية والسعودية والإمارات والبحرين من ناحية أخرى بظلالها على مستقبل العاملين في الدوحة وخاصة المصريين الذين يقدر عددهم بنحو 300 ألف شخص.

الأزمة التي مازالت مستمرة بين الأشقاء الخليجيين، تقلق إلى حد كبير المصريين المتواجدين في الدوحة خوفاً من ما سيتعرضون له في حال عودتهم إلى القاهرة بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية من ناحية وكذلك الاضطرابات السياسية التي تعاني منها مصر منذ الانقلاب العسكري الذي وقع في يوليو/تموز 2013.

موقع ميدل إيست آي البريطاني التقى عدداً من المصريين المتواجدين في الدوحة والذين عبروا عن وجهة نظرهم حيال الأزمة الخليجية القائمة وما هي مخاوفهم إذا ما قرروا العودة إلى بلادهم.

وقال الموقع البريطاني الجمعة 30 يونيو/حزيران 2017: للمرة الأولى منذ تسع سنوات، لم يقض عوض، وهو مدرس علوم مصري يعمل في قطر، إجازة العيد كالمعتاد مع عائلته في الإسكندرية.

كان يخشى العودة الى مصر بعد أن فرضت عدة دول عربية وخليجية، بما فيها الحكومة المصرية، مقاطعة على قطر قبل ثلاثة أسابيع.

ويقول عوض، الذي طلب عدم ذكر اسمه الحقيقي خوفاً من التنكيل، مثل العديد من الذين قابلهم موقع ميدل إيست آي البريطاني، "العودة الآن ليست آمنة. حجزت التذكرة منذ أشهر، ولكن الأمر لا يستحق المجازفة بالسفر وعدم العودة. بقدر ما أريد أن أرى عائلتي، لا أريد أن أخسر الدخل الذي أحصل عليه هنا".

يعمل حوالي 300 ألف مواطن مصري في قطر. وهم يعتبرونها ملجأ من المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها بلادهم، فضلاً عن نمط حياة أفضل وحرية سياسية أكثر.

لكن القاهرة تمارس ضغوطاً ضد الإمارة، وهي واحدة من أقوى مهاجمي الدوحة، مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وتتهم مصر دولة قطر بدعم الإرهاب وخصوصاً جماعة الإخوان المسلمين التي حظرتها حكومة عبد الفتاح السيسي منذ تسلمه السلطة بعد الانقلاب العسكري في يوليو/تموز 2013.

ومنذ ذلك الحين قتل الآلاف من أنصار جماعة الإخوان المسلمين في الاحتجاجات والحملات والاشتباكات. وقد نجا العديد من أعضاء الجماعة من الحملة القمعية وهربوا إلى قطر، حيث كانوا يعارضون حكومة السيسي.

شكوك حول العودة إلى الوطن

وبحسب ميدل إيست آي: تقول الحكومة المصرية إن المقاطعة لن تؤثر على المصريين المقيمين في قطر. قال وزير العمل محمد سعفان لوسائل الإعلام المصرية إن "السوق القطري لا يمكنها أن تصمد أمام رحيل العمالة المصرية وإلا فإنها ستنهار"، مضيفاً أن مصر "ترحب بأبنائها إذا أرادوا العودة".

وكانت نبيلة مكرم وزيرة شؤون المغتربين والهجرة " قد قالت يمكننا أن نوفر وظيفة لمن يريد العودة".

لكن سعيداً، وهو عامل مطعم يعمل حالياً في قطر، أخبر الموقع البريطاني: "أتمنى لو كانت تقول الحقيقة. إذا كانت هناك وظيفة في انتظاري مع دخل لائق، سوف آخذ عائلتي وأعود إلى مصر".

لقد مرت مصر بظروف مشابهة من قبل، وإن كان ذلك على نطاق أصغر. وفي فبراير/شباط 2015، نفذت القاهرة غارات جوية في ليبيا بعد مقتل 20 من المصريين الأقباط، مما أجبر مواطنيها على العودة عبر الحدود.

وقال سعيد "بعد أن بدأت مصر بالتدخل في ليبيا، تعرض أخي ومئات آخرون للمضايقات وفقدوا عقودهم وكان عليهم العودة إلى ديارهم. بالإضافة إلى ذلك، تم استجوابهم من قبل أمن الدولة"، بحسب ميدل إيست آي.

وقال محمد، مهندس كمبيوتر من الجيزة، إن توقع أن يحصل جميع المصريين على عمل إذا عادوا إلى ديارهم غير واقعي.

"هذا بيان نموذجي من مسؤول مصري في وقت الأزمات. أود أن أعرف كيف أن الحكومة، التي رفعت سعر السكر إلى 10 جنيهات، سوف تستوعب جميع هؤلاء العائدين. معظم الناس هنا ليسوا من العمالة الرخيصة. يشغل المصريون وظائف متنوعة، من القضاة والأساتذة إلى العمال وعمال المصانع".

وتحتاج الحكومة المصرية إلى نقود المغتربين. ففي عام 2016، بلغت تحويلات المصريين بالخارج مليار دولار. معظم الوظائف التي يشغلها المصريون المتعلمون في قطر هي مع المؤسسات الأكاديمية والشركات متعددة الجنسيات والحكومة.

ويؤكد محمد مخاوف الكثير من المغتربين: أنه سيتم إنهاء عقود عملهم القطرية؛ أو سيتعرضون للمضايقة من قبل الأمن المصري عند عودتهم خشية أن يكون لهم صلات بالإخوان. لم يتم الإبلاغ عن أي حالات - ولكن لا يزال الخوف موجوداً.

وقال متولي، وهو مندوب تسويق لدى شركة أدوية في الدوحة، للموقع البريطاني "إذا أعلنت أن دولة تؤيد الإرهاب، فربما تحتجز القادمين منها بتهمة الصلة بالإرهابيين. من يعرف؟ فعلوا ذلك في العراق بعد الغزو. واستجوب المئات في جهاز أمن الدولة".

وسائل الإعلام المصرية؟ ليست مفيدة دائماً

وبحسب ميدل إيست آي قد اتخذت وسائل الإعلام المصرية لهجة احتفالية وعدوانية ضد قطر أثناء المقاطعة.

ونشرت صحيفة "اليوم السابع" الموالية للحكومة، التي يملكها رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة، صورة للشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر الحاكم تحت عنوان "نهاية أمير الإرهاب".

موقع "المصري اليوم"، الذي يملكه أبو هشيمة أيضاً، يظهر الأمير تميم محاطاً بشعار الجزيرة وشعارات الجماعات المسلحة.

ودعا خالد صلاح رئيس تحرير صحيفة "اليوم السابع" إلى القيام بعمل عسكري ضد قطر "لكي يشعروا بالإرهاب". وقال وائل الإبراشي، مضيف برنامج حواري "إن كرامة الدول وأمنها لهما ثمن. كل مصري مستعد لدفع هذا الثمن". وقال أيضاً إن الدولة المصرية مستعدة لتقديم هذه "التضحية".

وبحسب ميدل إيست آي هذه "التضحية" هو ما يزعج أحمد، وهو مدرس الفيزياء في مدرسة الإعدادية، يعيش في قطر منذ عام 1996.

وقال: "الناس لا يفهمون أن علاقات العمل هنا مهنية، هم بحاجة إلى عمل مهني، ونحن نأتي إلى هنا ونحصل على أجور جيدة. إنها ليست مثل دول الخليج الأخرى، حيث تحدث الاعتداءات بين العمال والمديرين أو أصحاب الأعمال".

ولم يخش أحمد رد فعل أرباب العمل القطريين: يذكر بأن لا شيء حدث خلال الاضطرابات الدبلوماسية المماثلة في عام 1996 عندما اتهمت قطر مصر والسعودية والبحرين بالتواطؤ في محاولة انقلاب.

لكن قلق أحمد منصب على التصعيد من قبل الحكومة المصرية بين عشية وضحاها، التي قال إنها "لا تهتم حقاً بالشعب بقدر ما تهتم بالدعاية".

وقالت ساجدة، التي تعمل كمحلل اقتصادي لدى شركة مراجعة حسابات، لميديل إيست آي "يجب على المصريين أن يفهموا أن ما يقال في التلفزيون في البيانات الرسمية شيء، وما يحدث في الأعمال التجارية شيء آخر. على سبيل المثال، ما زالت هناك نحو 200 شركة قطرية تعمل في مصر، وتوفر آلاف الوظائف، في حين انسحبت بعض شركات ما يسمى بـ"الحلفاء" أو توقفت عن التعامل مع السوق المصرية.

وأضاف تامر، الذي يعمل مهندساً ميكانيكياً في قطر، "على عكس المملكة العربية السعودية، حيث نظام الكفالة لا يزال قائماً، ويتيح للناس السيطرة على مصير الآخرين، نحن ملتزمون بعقود العمل الخاصة بنا. في الحقيقة، في نطاق معارفي، لم يتعرض أي مواطن مصري للمضايقة أو التهديد بالطرد من عمله". وقال إن الأمور السياسية لا تتم مناقشتها في أماكن العمل.

وقال تامر إن العديد من المصريين يشعرون بأن عليهم أن يشرحوا للقطريين أن القرارات السياسية كانت "تحركات غير مسئولة من قبل النظام وليس قرارات مدروسة جيداً. واعتذر بعض المصريين لنظرائهم القطريين، موضحين أن الإعلام المصري لا يمثل جميع المصريين".

ليس كل المصريين في قطر ضد العودة إلى الوطن

يقول معتز، وهو مسؤول تكنولوجيا المعلومات في أحد البنوك، لموقع ميدل إيست آي إنه لا ينظر للأمور بنفس تلك النظرة التشاؤمية. "أنا لا أهتم بالمصريين في قطر. أنا قلق بشأن المصريين في مصر الذين تتفاقم أوضاعهم الاقتصادية يوماً بعد يوم. المصريون يريدون أن يشعروا ويعتقدوا أن بلادهم كانت رأس الحربة في هذه المناورة، وليس فقط تابعة للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة".

كما قال إن أزمة الخليج أدت إلى صرف انتباه الجمهور المصري عن قضية أخرى. في 13 يونيو/حزيران، وافق البرلمان المصري على بيع جزيرتين في البحر الأحمر إلى الرياض، على الرغم من قرار سابق أصدرته المحكمة ألغي بموجبه الاتفاق.

ويضيف معتز "في حين كانت وسائل الإعلام تحرض على قطر، باعت الحكومة جزيرتي تيران وصنافير إلى المملكة العربية السعودية ووافق البرلمان على الاتفاق".

لكن معظم المصريين في قطر يتخذون لهجة مختلفة. لا يهتم بعضهم بالسياسة - لكنهم يخشون أن ما تقوم به القاهرة من شأنه أن يضر بمصالحهم.

يعيش تامر مع عائلته في قطر منذ عام 2012. غادروا مصر بعد مجزرة رابعة في عام 2013، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 800 شخص، بحسب الموقع البريطاني

يقول إن "قطر ليست جنة" وبها نصيبها من المصاعب. "ولكن الإنسان يجد هنا بعض الحقوق الأساسية، مما يجعلها مناسبة للعيش والازدهار. بعض الناس يقولون لأنك تعيش في قطر، فأنت عضو في جماعة الإخوان، وهذا ليس صحيحاً.

عائلتي كانت ضد مرسي وحكومته، بما في ذلك أنا. لقد تغيرت الأمور الآن، حيث فشل النظام العسكري الجديد في تحقيق أي شيء".

وقال تامر إن المقاطعة "لن تضع الخبز على الطاولة" لأسرة مصرية من الطبقة الدنيا، وأن أغلبية المصريين لن يستفيدوا أو يتضرروا منها. "قد تكون الخسارة الوحيدة هي اشتراك قنوات الجزيرة الرياضية BeIN."