مشاجرات في مواقف السيارات بعد ارتفاع أسعار البنزين من جديد.. وهكذا استقبل المصريون الزيادات الجديدة

تم النشر: تم التحديث:
EGYPT
KHALED DESOUKI via Getty Images

هل كانت الحكومة المصرية تعرف وهي تقرر رفع أسعار الوقود، أمس الخميس 29 يونيو/حزيران، أنها تخسر الشارع أم أنها تراهن على صمت المصريين في السنوات الأخيرة أمام موجات الغلاء وارتفاع الأسعار؟

الحكومة التي قررت رفع أسعار الوقود بنسب كبيرة على سيارات الفقراء والطبقة الوسطى، خرجت بعد ساعات من "اشتعال القرار"، لتصبّ زيت الغضب عليه؛ بعدما قال رئيس وزراء مصر، شريف إسماعيل، إن الزيادة تصب في مصلحة المواطن، من دون أن يقول لوسائل الإعلام كيف ذلك.

"هاف بوست" قام بجولة في شوارع القاهرة ليقرأ ردود الفعل على القرار الذي فاجأ المصريين عشية الاحتفال بذكرى 30 يونيو/حزيران التي أطاحت بحكم الإخوان وجاءت بالسيسي رئيساً لمصر.


على حساب الزبون


"كله على حساب الزبون".. كان هذا تعليق سائق تاكسي حينما سئل عن أسعار البنزين الجديدة، بعد رفع الحكومة المصرية أسعار الوقود بنسب تتراوح بين 30 و5% منذ الثامنة صباح الخميس، لينتهي الأمر بتحصيل السائق أجرة تزيد على ما سجله العداد بنسبة 50%.

السائق أحمد عبد المنعم، قال لـ"هاف بوست عربي" إنه لم يتوقع هذه الزيادة الكبيرة في سعر لتر البنزين 92 من 3.5 جنيه إلى 5 جنيهات كاملة، أي بنسبة 43%، بعدما ارتفع سعره من قبلُ مرتين، آخرهما في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، مؤكداً أن أي زيادة "لن يتحملها السائق؛ بل يتحملها المواطن الذي يرغب في ركوب التاكسي".

وربما كان الحل المؤقت لمشكلة ارتفاع تعريفة التاكسي الأبيض بنسبة 50%، هو اللجوء إلى خدمات شركات "أوبر" و"كريم" وغيرها عبر تطبيقات الموبايل؛ لأنهم لم يعلنوا رفع تعريفة التوصيلات، على الأقل حتى الآن.

رأفت إبراهيم، أحد أصحاب السيارات التي تعمل مع شركة "كريم"، قال إنهم لا يزالون يطبقون الأسعار القديمة لنقل الركاب، ولم تبلغهم الشركة رفع أسعار خدماتها حتى كتابة هذا التقرير.

لكن زميله طارق همام، من الشركة نفسها، قال لـ"هاف بوست عربي" إنه من المتوقع أن يتم إبلاغهم زيادة تعريفة خدماتهم الجمعة 30 يونيو/حزيران الجاري، بعد رفع سعر لتر البنزين، "وإلا فستخسر الشركة".

وأكدت مصادر في شركتي «أوبر وكريم»، أن الإدارتين تدرسان حالياً تداعيات تطبيق زيادة أسعار الوقود اليوم، وأن الشركتين في مرحلة إعادة تقييم التكلفة النهائية للرحلات بعد الزيادة.

ورفعت الحكومة المصرية سعر لتر "بنزين 80"، الذي تستخدمه السيارات القديمة، من 2.35 إلى 3.65 جنيه، ولتر "بنزين 92"، الذي تستهلكه 90% من السيارات الملاكي، من 3.5 إلى 5 جنيهات.

كما رفعت سعر السولار من 2.35 إلى 3.65 جنيهات/لتر، وارتفع سعر أسطوانة البوتاجاز المنزلية من 15 إلى 30 جنيهاً، وأسطوانة البوتاجاز التجارية من 30 إلى 60 جنيهاً، وغاز السيارات إلى جنيهين للمتر المكعب بدلاً من 1.6 جنيه، وغاز المنازل بنسبة تتراوح بين 25% و30% بحسب الاستهلاك.

وجاء قرار الحكومة برفع أسعار الوقود بعد أيام قليلة من إعلان الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، زيادة دعم الفرد في البطاقة التموينية بنحو 140%، وبعد نحو شهر من إقرار حكومة شريف إسماعيل حزمة ضمان اجتماعي بقيمة 43 مليار جنيه (2.4 مليار دولار)؛ ما دفع مصريين للتعليق على صفحات السوشيال ميديا للقول: "إن ما تعطيه الحكومة باليمين أخذته أضعافاً مضاعفة بالشمال".

وأبدى مصريون غضبهم من رفع أسعار البنزين وسخروا من حديث رئيس الوزراء لوسائل الإعلام بأن الزيادة لصالح محدودي الدخل.

وانتشرت التعليقات الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي حول رفع أسعار الوقود، مقترحين العودة لركوب الحمير والدواب.


خناقات في "المواقف"


الوضع في موقف سيارات "عبود" الشهير شمال القاهرة، الذي يضم مئات سيارات نقل الركاب بين القاهرة ومدن محافظات الدلتا- كان صعباً مساء الخميس وصباح الجمعة، حيث شهد خناقات بين الركاب وسائقي السيارات الذين قرروا عدم التحرك ونقل الركاب إلى الأقاليم إلا بعد تحصيل زيادة في الأجرة تصل إلى 40%.

هشام زكريا، موظف حكومي، انفعل علي السائق الذي طالبه بأن يدفع الأجرة بالسعر الجديد: 20 جنيهاً بدلاً من 14، فردَّ عليه غاضباً: "أصرف راتبي على المواصلات ولا الأكل ولا السكن؟".

"رضينا بالغلب والغلب مش راضي بينا"، قالتها القروية منال محمود، التي تضطر إلى الانتقال من بلدتها القريبة من القاهرة لبيع الجبن والبيض والفطائر لإعانة زوجها الفلاح البسيط، بعدما طالبها سائق التوكتوك في بلدتها بضعف الأجرة، ثم فوجئت برفع أجرة سيارة النقل الجماعي بنسبة 40%.

ويقول سامي محمد وهو سائق بـ"موقف عبود"، إنهم أكثر تضرراً من الركاب ويعانون في المشاحنات اليومية بسبب رفع الأجرة بعد ارتفاع سعر البنزين، مع أنه لا ذنب لهم، مشيراً إلى أن العديد من زملائه حضروا في الصباح ثم انصرفوا دون الخروج بسياراتهم بعدما فوجئوا بزيادة البنزين.

وأضاف سامي لـ"هاف بوست عربي" أن "توقيت القرار سيئ جداً ويثير الغضب؛ لأنه جاء في أعقاب ارتفاعات متتالية للأسعار لم يفُق الناس منها بعد، وبعد علاوة لبعض الموظفين لم يعد لها قيمة؛ لأنهم سيدفعون زيادات أضعاف ما حصلوا عليه".

وامتنع العشرات من أصحاب سيارات الأجرة في "عبود" عن العمل لحين وضوح الرؤية بعدما اشتبك بعضهم مع الركاب؛ بسبب الخلاف حول نسبة الزيادة، وتكرر الأمر نفسه في مواقف أخرى بالقاهرة، حيث توقفت السيارات في صفوف متوازية للإعلان عن وقف العمل لحين النظر في زيادة أسعار التعريفة الرسمية.

وبسبب هذه الخلافات، انتشرت شرطة الإدارة العامة لمرور القاهرة، برئاسة اللواء علاء متولي مدير المرور، مساءً؛ لفض الاشتباكات بين الركاب والسائقين وضبط الحالة الأمنية لحين إعلان التعريفة الجديدة ونشرها في كل المواقف.

ونشر الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، في وقت لاحق، التعريفة الرسمية للمواصلات، بعد زيادة أسعار الوقود، ولكنها لم تعجب عدداً من السائقين؛ لأنها تحدد الزيادة بين 8 و10% من الأجرة فقط.

وقدر اللواء أبو بكر الجندي رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الزيادات التي يتحملها المواطن المصري نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات بما يتراوح بين 5 و15%.

بيد أن سيد محمود، تاجر خضر وفاكهة، يوضح أن المشكلة تكمن في زيادة أسعار المواصلات التي تنقل الركاب والسلع الغذائية أيضاً؛ ما يعني أنه سيتم رفع أسعار الخضر والفاكهه، والفراخ واللحم والسمك بعد ارتفاع أسعار نقلها.

ويضيف التاجر أن السيارات التي تنقل الخضر والفواكه من الأسواق للتجار رفعت أسعارها بنسبة لا تقل عن 50% على التجار، بعد رفع أسعار البنزين، وسيقوم التاجر بتعويض الزيادة برفع أسعار السلع الغذائية، والذين يتحملون الفاتورة في النهاية هم المواطنون.

ويتابع: "اليوم، سيارة نقل الخضر التي كانت تنقل لي بضائعي بـ150 جنيهاً، رفعت الأجرة إلى 220 جنيهاً، والسيارة المتوسطة رفعت سعر النقل من 400 جنيه 600 إلى جنيه!".


تدني شعبية الحكومة


أبدى العديد من السياسيين المصريين غضبهم من قرار الحكومة رفع أسعار البنزين، معتبرين أنها بذلك تفقد ما تبقى من شعبيتها.

علق المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي على القرار بقوله إن الحكومة فقدت ما تبقى لها من شرعية.

وكتب عبر حسابه علي فيسبوك يقول: "إنها سلطة معادية للشعب، فقدت شرعيتها الأخلاقية والدستورية بعار التفريط في الأرض، وتفقد ما تبقى من شعبية برفع الأسعار ورمي الناس بلا رحمة في جحيم الغلاء".

وسخر خالد داود (من حزب الدستور) من رفع أسعار الوقود، معتبراً أنها "عيدية الحكومة للشعب"، منتقداً تزامن رفع الأسعار مع ذكرى 30 يونيو/حزيران.

وقال داود عبر حسابه على فيسبوك: " الزيادة ضخمة وتمتص أي برامج اجتماعية أعلنتها الحكومة مؤخراً، أما الطبقة المتوسطة، فإلى مزيد من التقشف والانهيار".

وتساءل الناشط السياسي حازم عبد العظيم، ساخراً، عن احتمالات توزيع جهاز الخدمة المدنية (التابع للجيش) "جراكن بنزين مدعمة في منافذ القوات المسلحة"، وتساءل: "هل سيتحرك الشعب؟".

وشارك مؤيدون للحكومة في توجيه انتقادات لها، حيث انتقدت الكاتبة نشوى الحوفي، عضو لجنة العفو الرئاسي، قرارات رفع الأسعار.

وانتقدت الحوفي تضارب القرارات الحكومية ونفي الزيادات ثم مفاجأة الشعب بها، قائلةً: "مينفعش وزير البترول يطلع في مؤتمر صحفي إمبارح 28 يونيو/حزيران 2017 الساعة 4 عصراً يقول: لم يتم تحديد موعد زيادة الدعم ويطلع رئيس الوزراء بالقرار النهارده الساعة 8 الصبح 29 يونيو/حزيران 2017… ليه مصرّين تسيبوهم (الشعب) يغْلوا والدنيا تلعب بيهم؟!".

ووصف الممثل نبيل الحلفاوي الذي اشتُهر بأداء أدوار رجال المخابرات والمؤيد للسيسي، الزيادة بأنها "مبالَغ فيها".