الاستعمار الجديد.. ميدل إيست إي: الزراعة التونسية مهدَّدة بسبب الرأسمالية العالمية

تم النشر: تم التحديث:
QQQ
Age Fotostock

باتت الزراعة في تونس رهينةَ ما يأتيها من الخارج من بذور وحبوب ومواد كيماوية ومبيدات أيضاً، بعدما كانت هذه الصناعة بالكامل محلية ولا يتحكم فيها إلا التونسيون.

لكن ثمة تغيراً كبيراً طرأ على هذا القطاع الحساس بعدما أصبحت تونس "محتلة" زراعياً، حسبما قالت الكاتبة الأميركية بيلين فرنانديز، في مقال بموقع ميدل إيست إي البريطاني الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، والتي روت فيه قصة تونسي التقته بالصدفة.

وقالت فرنانديز: "التقيتُ في شهر مايو/أيار، على متن سفينة من أوروبا إلى تونس، تونسيّاً في منتصف العمر، في طريقه لزيارة بلده قادماً من مدينة أنكونا بشمال إيطاليا، حيث عمل في مصنع للبلاستيك طيلة الـ15 عاماً الماضية".

وبحسب الكاتبة الأميركية، أقرَّ الرجل بأنَّه دائماً ما كان يشكك في قراره ترك قريته على الحدود التونسية-الجزائرية للبحث عن عملٍ في إيطاليا، حيث لم يكن هناك الكثير من الطعام الملائم، خلافاً للاعتقاد الشائع.

وأضاف الرجل أنَّ أسرته كانت تزرع كل ما يحتاجون إليه في القرية. وافتتح هناك مخبزاً.
ومع ذلك، ولسوء حظ صديقي العابر، وسكان العالم الآخرين، فإنَّ النظام الاقتصاد العالمي الحالي لا ينظر بعين الرأفة إلى هوامش الاكتفاء الذاتي أو الاستقلال الزراعي.

"الكسكس: بذور الكرامة"

وأشارت الكاتبة الأميركية، في وثائقي جديد بعنوان: "الكسكس: بذور الكرامة"، للجغرافي التونسي والأكاديمي حبيب عايب، إلى تحسَّر أحد المزارعين التونسيين قائلاً: "سوف ترى، خلال 10 سنوات سنستورد الشطائر من إيطاليا. فإذا أردنا أن نصنع شطيرةً، فسيتعين علينا أن نحصل على القمح من إيطاليا".

يعالج هذا الفيلم، الذي صُوِّر بطريقةٍ جميلة تجعل المشاهد يشعر بإغراءٍ دائم لالتقاط صور فوتوغرافية للشاشة، مشكلاتٍ متعلقة بالسيادة الغذائية في تونس من القاعدة صعوداً إلى الأعلى، وذلك من وجهة نظر المزارع البسيط الذي رفضت خبرته وارتباطه الجسدي بالأرض وتعرَّض للانتهاك في كل منعطفٍ بواسطة السياسات الزراعية المرتبطة برأسمالية الشركات المُصمَّمة لجني أكثر أرباح ممكنة من حاجة الإنسان إلى استهلاك الطعام.

مبيدات الأعشاب بصفتها مجموعة غذائية

يبدأ الفيلم ببعض الإحصاءات المُنبِّهة، مثل تلك التي تقول إنَّه على الرغم من أنَّ أغلبية المزارعين التونسيين يملكون أقل من 10 هكتارات من الأرض، فإنَّ نسبة 3٪ من المزارعين يمتلكون ما نسبته 36٪ من إجمالي الأراضي الزراعية، ويمتلك 1٪ منهم ما نسبته 22٪ من الأراضي.

وأضافت فرنانديز: "هذا الخطر الوجودي المحتمل الذي يمثله نهج الشركات الكبيرة على الزراعة- يفهمه جيداً كلُّ من أُجريت معهم المقابلات في الفيلم، والذين كشفوا بفصاحةٍ وخفة ظلٍ وغضبٍ كريم، تفاصيل صورة بانورامية يحدث فيها، على سبيل المثال، أن تُزرَع المحاصيل الربحية المخصصة للتصدير على حساب السكان المحليين".

ووصف المزارعون كيف أنَّه في حالة القمح والبطيخ ومحاصيل تونسية أخرى، سيطرت أنواع البذور المستوردة، والتي أثبتت أنَّها أقل مرونة للتغيرات المناخية، وأنَّها أقل كفاءة في أوجه أخرى متعددة، بدلاً من أنواع البذور المحلية.

وتشمل الشكاوى الحصادات الأقل من المعادة، والقيمة الأقل للمحاصيل من ناحية الطعم والناحية الغذائية، وكثرة البذور ذات الخصائص غير المتجددة -ويعني ذلك مثلاً، أنَّ بذور البطيخ لا يمكن إعادة زرعها وإنَّما ينبغي الاستمرار في شرائها من المزوِّدــ والاعتماد السام على المبيدات الحشرية والكيماويات، وهي مستوردة هي الأخرى من الخارج، بحسب الكاتبة الأميركية.

وبطبيعة الحال، فإنَّ أساتذة التجارة الزراعية الغربية بارعون في فن الدعاية، إلى درجة أنَّ أي شخصٍ يطالع الأدبيات التي تنشرها، على سبيل المثال، شركة مونسانتو الأميركية للكيمياء الحيوية، من المحتمل أن ينتهي به المطاف معتقداً أنَّ مبيدات الأعشاب مجموعة غذائية حقيقية.

الاستعمار عن بُعد

وأضافت فرنانديز: "قد أدانت إحدى الشخصيات المفعمة بالحيوية على وجه الخصوص في هذا الفيلم ـ والذي للمفارقة يُدعى أيزنهاور-ـ (استراتيجية الغرب) للهيمنة على السوق وإبقاء تونس (تحت رحمتها إلى الأبد)".

وقال أيزنهاور إنَّ الغرب في الحقيقة "يريد قتل زراعتنا"، مؤكداً أنَّه لم يستخدم قط أياً من "المنتجات الكيميائية التي نستوردها والتي قتلت التربة".

ووصف شخصٌ آخر التبعية التونسية الزراعية بأنَّها نوعٌ من "الاستعمار" عن بُعد، لا يحتاج فيه عملاء الاستعمار ــمُصنِّعو البذور وغيرهمــ إلى احتلالٍ فعلي للبلاد من أجل استخلاص الأرباح منها.

وتتساءل الكاتبة الأميركية: "لكن، فعلاً ما هو الاستعمار إذا لم يكن تدمير التقاليد الأصلية بغرض زيادة ثراء الأثرياء؟!".

ومن حسن حظ المستعمرين الجدد أنَّ ثمة الكثير من الكيانات العالمية التوّاقة إلى المراهنة عليهم، في تونس وغيرها، لصالح المحافظة على هياكل القوى العالمية الحالية وتراتبيتها الهرمية.

بذور الكرامة

وبحسب فرنانديز، أدى القمع الاقتصادي في تونس إلى التشجيع على الانتحار، وكانت أبرز حالات الانتحار هذه حالة محمد البوعزيزي، البائع الجوال الذي أدى إشعاله نفسه عام 2010 إلى إطلاق شرارة الثورة التونسية.

وبحسب مزارعين ظهروا في الفيلم الوثائقي المذكور، كانت الإدارة في فترة ما بعد الثورة غير مستجيبة تماماً لحاجاتهم، وحابت المنتجين الكبار وغيرهم من المُستغلِّين الزراعيين.

من ذلك مثلاً: تقرير عام 2016 المعروض بموقع مؤسسة أوبن سوسايتي، الذي يناقش كيف أنَّ المزارعين التونسيين الصغار الذين يعتمدون على العيون والآبار قد "أضر بهم المستثمرون القادرون على حفر أكثر من بئر من أجل خططهم للري واسع النطاق"، في الوقت الذي "تستثني فيه الحكومة التونسية المزارع الكبيرة من ضرائب المياه والزراعة"، لكنَّها تجبر المزارعين الصغار على دفع هذه الضرائب.

ومع ذلك، ولئلا يشعر أي إنسان باليأس، فإنَّ الهيئة الأميركية، المعروفة، على سبيل التحسين اللفظي، باسم هيئة المعونة الأميركية، مستعدةٌ دوماً لمساعدة المخططات الأنانية في العالم النامي تحت ذريعة المساعدة والتقدم والاستدامة.

القصة الأهم في صفحة هيئة المعونة الأميركية في تونس حالياً، وغير المفهومة نوعاً ما، هي عبارة عن تقريرٍ يعود إلى عام 2013 بعنوان "قطاع الزيتون التونسي يجد سوقاً جديدة للذواقة"، ويدور حول حضور 11 شركة زيتون تونسية لمعرض نيويورك للطعام الفخم ذلك العام.

سلعة أساسية متعذرة الشراء

وتضيف فرنانديز: "من المتوقع ألا تُعزى هذه المناسبة خطيرة الأهمية إلى أحدٍ سوى هيئة المعونة الأميركية نفسها". فقد قال التقرير إنَّه في أعقاب الثورة، بدأت الهيئة "العمل مع شركاء محليين تونسيين في مدى واسع من برامج التطوير الاقتصادي؛ من أجل معالجة بعض القضايا الكامنة وراء الثورة، مثل معدلات البطالة العالية، ونقص الفرص، والعوائق أمام النمو الاقتصادي".

لكنَّ سوقاً للتصدير إلى الذواقة ليس ترياقاً للظلم الاجتماعي والاقتصادي. ويصبح هذا أمراً شديد الوضوح، كما أشار لي آيب منذ وقت قليل، عندما نرى أنَّ زيت الزيتون مرتفع الثمن إلى درجة لا تستطيع معها الكثير من العائلات التونسية شراءه، على الرغم من كونه طعاماً أساسياً في النظام الغذائي الوطني، وعلى الرغم كذلك من امتلاء البلاد بأشجار الزيتون.

وقد يصل سعر لتر من زيت الزيتون إلى 10 دينارات (نحو 4 دولارات) في جنوب تونس، وهو ما يعادل راتباً يومياً "جيداً" لمزارعٍ تونسي، كما قال آيب.

وقرب نهاية وثائقي آيب، عرض باحثٌ بالبنك الوطني التونسي للجينات تفسيره للسيادة الغذائية بأنَّها تشمل حق المزارع في تحديد ما يزرعه وكيف يزرعه. وقال: "لا أريد لأطفالي، ولأحفادي، والأجيال القادمة، أن يكونوا معتمدين على الغرب أو الدول الأخرى ليقرروا لهم ما يأكلون".

في النهاية، من الصعب أن نبذر الكرامة في أرض معادية، وأولئك المستمرون في المحاولة يستحقون كل الاحترام لجهودهم.