انظر للنصف المملوء من الكوب.. هكذا تفقد حقوقك بالحياة في "رحلة العائلة غير المقدسة"

تم النشر: تم التحديث:
CHILDREN EGYPT
Mohamed Abd El Ghany / Reuters

"لو أن أيامي نثرت كأوراق الكوتشينة، سأفشل في محاولة إعادة ترتيبها بشكل صحيح؛ فكل الأيام تصلح لتحل محل أيام أخرى. كلها تشبه بعضها إلى حد كبير"، حين نقرأ الكلمات السابقة نظن أنها قد جاءت على لسان إنسان بلغ من العمر أرزله، وعانى كثيراً فى حياته، كي يصفها بهذا الشك، لكن أن تأتي تلك الكلمات ضمن خواطر طفل لم يتعدَ فى مراحل حياته المرحلة الإعدادية، أي طور المراهقة؛ حينها لابد أن نقف ونتساءل ماذا رأى وعايش هذا الطفل؟ وما هي تفاصيل تلك الحياة؟ ومن هو وإلى أي طبقات المجتمع ينتمي؟

تأتي أحداث رواية "رحلة العائلة غير المقدسة"، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية عام 2015، للكاتب عمرو العادلي، تلك الرواية التي احتضنت صفحاتها الكلمات السابقة للطفل، بالإضافة إلى عديد من الحكايات والخواطر، التي تحملها أيامه البسيطة على عاتقها بكل صبر، وتجيب عن تلك التساؤلات.

فهذا الطفل ينتمي إلى تلك الطبقة التي اعتادت أن تعيش من بقايا احتياجات الآخرين، فحياتهم تقوم على بقايا حياة، تلك الطبقة التي أصبحت عدة طبقات، لا يشعر بها المجتمع، أو ينتبه لها، وإذا اضطر يصفهم بكل سهولة بساكني العشوائيات.


أحداث الرواية بدأت من السوق




book

تبدأ أحداث الرواية بالطفل واصفاً رحلته اليومية بصحبة والدته إلى السوق، تلك الرحلة التى ينتظرها أطفالنا بشغف؛ طمعاً فى بعض العطايا التى تجود بها الأم فى هذا الوقت.

لكن رحلة هذا الطفل مختلفة؛ فهو يذهب إلى سوق خالٍ، حتى من الباعة، ليكتشف مع مرور الوقت أنه مجرد مكان لمخلفات الأسواق. تلتقط منه الأم ما يمكن أن يصلح لإعادة الاستخدام مرة أخرى، من مأكل وملبس، وحتى الأدوات، وكلها أمل أن تخلق حياة لأطفالها من تلك البقايا.

ثم يذهب بنا البطل الى المنزل، لنقف لحظة، وهو يصف محتوياته، فهو منزل مثل كل المنازل يحتوى كل شيء، لكن فى صورة رثة، حتى من يعيشون بهذا المنزل هم أشخاص عاديون، نصادفهم يومياً فى الطرقات، لكن ينقصهم كثير، فهناك الأب الموظف البسيط، والجد الذي لا يملك سوى حكايات عهده القديم، والأخ الأكبر، والآخر المريض الغائب عن الوعي.

ومن هذه الصورة، ننتبه إلى عنوان الرواية، فالكاتب لم يقصد قدسية الأخلاق أو العبادة؛ فالقدسية هنا هي الخصوصية التي يجب أن يمتلكها الإنسان فى حياته، والتي تعد دليلاً واضحاً وصريحاً على آدميته، ودليلاً أكبر على آدمية المجتمع والوطن حين يوفرها للإنسان، فالقدسية هنا هى حق الإنسان فى حياة كريمة، وغيرها من مظاهر الحياة التي تشعر الإنسان بوجوده، لذلك فعائلة هذا الطفل ذات رحلة، أي حياة غير المقدسة؛ فمن أين تأتي وهم يعيشون على ما خلفه الآخرون؟


منزلٌ في العشوائيات


تستمر حياة الطفل بين جدران منزل شُيد على وجه الأرض بدون أساس، كأنه بُني ليكون مرحلة مؤقتة، حتى يُهدم ذات يوم مع عدد من المنازل بأمر من إحدى الحكومات، التي لم يهتم الكاتب بذكر فى أي حقبة زمنية تقع، فقد تجنب الكاتب طوال الأحداث أن يشير إلى أي ملامح للحياة السياسية؛ فكل الأنظمة سواء إذا كان هناك مواطن بلا حقوق.

تجاهل الكاتب للحياة السياسية، إلا أنه ركز أكثر من مرة على صورة الجد برفقة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وهو يتسلم قطعة أرض أثناء الإصلاح الزراعي، ثم ينتقل مباشرةً إلى صورة تذكارية للأب بملابس الجيش أثناء حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 ؛ ليؤكد على أن الإنسان مهما تدهورت به الحال، فلابد أن هناك صفحات مضيئة في حياته، يأبى التنازل عنها أو تناسيها، فقد اصطحبت العائلة الصورتين في كل مراحل حياتهم، فقد كانت الشيء الوحيد الذي تبقى، حتى بعد هدم المنزل.

ينتقل البطل الى مساكن الإيواء، فتشتد الحياة عشوائيةً وصعوبةً؛ فإذا كان المنزل القديم احتوى بعض الخدمات، فتلك المساكن خالية من كل شيء، ولا يملك ساكنوها سوى الانتظار!


استمرار الحياة يُفقدك حقوقك


من أهم الشخصيات المؤثرة فى حياة بطل الرواية، الأم عائشة وقدرتها على إدارة الحياة والتضحية، وكم كانت العامل الأساسي لاستمرار الحياة على أي شكل، وهي أيضاً مصدر القوة لكل من حولها، بجانب القدرة التي تمتلكها للتحايل على الظروف، والرضا بما قسمت به الحياة.

لكن، في الوقت نفسه، اتضح من هذا الدور أن التحايل على الظروف هو ما يشجع الأنظمة على التكاسل عن تحسين حياة المواطن، فيبقى الوضع على ما هو عليه بالسلب دائماً، وهو ما عبر عنه البطل قائلاً: "حكمة نصف الكوب الفارغ ونصفه الملآن، طريقة ترسخ للرضا بالمقسوم وتشجع بقاء الحال على ما هو عليه".

أهم النقاط التي ركز الكاتب عليها طيلة أحداث الرواية، هي مجاهدة الطفل فى تذكر تلك اللحظة التي بدأ وعيه بما حوله يتشكل، وفي كل مرة لا يتذكر شيئاً.

ومن تلك النقطة، انطلق الكاتب يذكرنا بأن حيرة البطل طبيعية؛ فكيف يمتلك الإنسان ذاكرة قوية وذكرى كاملة عن كل ما حوله، وهو يعيش حياة يفتقد فيها كافة حقوقه؟

كذلك لم يذكر الكاتب أي ملامح شخصية للبطل أو حتى اسمه؛ فملامح شخصية الإنسان تستمد من ملامح حياته الواضحة، وتمتعه بكافة حقوقه في حياة كريمة، وبطلنا الصغير لا يملك شيئاً مما سبق.

تنتهي أحداث الرواية وقد استطاع الأب أن يحصل على عقد منزل جديد، متأملاً حياة أكثر كرامة ورفاهية.

لكن بطلنا الصغير يأبى أن يستجيب لتلك الفرحة، ليحدثنا مرة أخرى واصفاً مشاعره التي استطاعت أن تعي، مع سنوات عمره القليلة، أنه قضى أهم فترة في حياته تحت وطأة حياة غير المستقرة، تلك الفترة من العمر مع سنواتها القليلة؛ هي التي تتشكل بها ذاكرتنا الخاصة بكل شيء، وأن قدسية الحياة لا تأتي سوى من الخصوصية والاستقرار، وهو الآن على مشارف رحلة جديدة، وذلك يعني انتقالاً، ورحيلاً آخر يخبئ كثيراً.