واشنطن بوست: حصار قطر أضعف الدول السُّنية في مواجهة التمدد الإيراني.. ولهذه الأسباب غيَّرت السعودية موقفها من الإخوان

تم النشر: تم التحديث:
SAUDI TRUMP
Jonathan Ernst / Reuters

ربما تُحل الأزمة بين دول الخليج -الحلف المكون من السعودية والإمارات ضد دولة قطر- على المدى القصير، ولكن من غير المحتمل أن تُحل على المدى الطويل.

فقد تدفع الوساطة الكويتية والوساطة الأميركية الجانبين إلى القبول ببعض الحلول التوفيقية، ليقبل القطريون بعض المطالب الثلاثة عشر التي قدمها لهم السعوديون والإماراتيون، لكن الاختلافات الجوهرية بين الجانبين لن تكون سهلة، حسب تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأميركية.

بالنسبة لأولئك الذين يرون الأزمة الإقليمية الحالية في الشرق الأوسط عبر منظور طائفي، يعتبِر التدخل الإيراني السريع للدفاع عن قطر هو مجرد مثال آخر على الصراع السُّني-الشيعي الأكبر، وفقاً للصحيفة.

وترى واشنطن بوست أن الصراع الحقيقي لا يتعلق بإيران؛ بل بالاختلافات في كيفية ارتباط الإسلام السياسي بالدولة بين القوى السُّنية في الشرق الأوسط.

فقطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية كلها دول ذات أغلبية سُنية، ويحكمها ملوك من السُّنة، إلا أن مواقفها متباينة بشأن هذه المسألة. كما أن تركيا ومصر أيضاً، وهما أكبر جمهوريتين سُنيتين، على جانبين مختلفين من الأزمة.

فعجز دول الشرق الأوسط السنية عن تشكيل تحالف فعال ضد إيران، ينبع من الاختلافات العميقة فيما بينها حول طبيعة التهديدات التي تواجهها.

قطر وتركيا، والإمارات العربية المتحدة ومصر، والمملكة العربية السعودية تمثل ثلاثة مواقف مختلفة حول هذا السؤال الشائك. إن أزمة قطر ليست سوى أحدث وأوضح مظاهر هذا الصراع الداخلي بين السُّنة.

قطر والإخوان المسلمين

راهنت قطر على صعود الإخوان المسلمين في جميع أنحاء العالم العربي قبل الربيع العربي بزمن طويل، فوفرت الدعم لجماعات الإخوان في المنطقة؛ وكانت ملاذاً آمناً للمنفيين من الإخوان، مثل الداعية المصري يوسف القرضاوي وزعيم حماس خالد مشعل؛ كما وفرت منبراً للآراء الإسلامية السنية في القنوات الفضائية الإقليمية لشبكة الجزيرة.

هذا الموقف الإسلامي السني الشعبوي، رغم أنه ليس ديمقراطياً ليبرالياً، فإنه يسعى إلى السلطة من خلال الوسائل الانتخابية. وكان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يشاطر قطر تلك الرؤية، الذي رأى في نجاحات الإخوان المسلمين بعد الربيع العربي إمكانية لوجود كتلة من الأنظمة المماثلة، على رأسها تركيا.

وكان من المفترض أن تكون سوريا ما بعد الأسد العضو التالي في هذه الكتلة، وهذا هو السبب في أن أردوغان كان أول زعيم إقليمي يدعو الرئيس السوري للتنحي.

السعودية والوهابية

تمثل المملكة العربية السعودية نقيض هذا الرأي القائم على الإسلام السني الشعبوي. فمنذ عهد بعيد، جعل النظام الملكي مؤسسته الدينية السلفية، المعروفة بـ"الوهابية" شريكة في دعم حكمه.

إن رجال الدين السعوديين أصبحوا الآن بيروقراطيين حكوميين، داعين إلى تفسير متشدد للإسلام، ويسعون إلى نشر هذا التفسير في جميع أنحاء العالم الإسلامي من خلال دعم النظام الملكي بحماسة، متذرعين بأن من واجب المسلمين الصالحين أن يطيعوا حكامهم.

الإسلام داخل الحدود

وتمثل دولة الإمارات العربية المتحدة، رغم تحالفها مع المملكة العربية السعودية، موقفاً ثالثاً من الإسلام السياسي. إن الإسلام الرسمي في الإمارات مرتبط بإحكام بسلطة الدولة ويخضع له. وخلافاً للمملكة العربية السعودية، فإن المواطنين الإماراتيين ليس لديهم طموح لنشر الإسلام خارج حدودهم؛ بل على النقيض من ذلك، إنهم يدعمون القوى المناهضة للإسلاميين في مصر وليبيا وأماكن أخرى.

وهنا تنضم إليها مصر، التي كانت في بؤرة السياسة العربية، ولكن الآن، نظراً لمشاكلها الاقتصادية والسياسية المحلية، تعتبر تابعة، وليست قائدة.

الأزهر، الجامعة الأشهر في العالم الإسلامي، مقره في القاهرة، وهو بالتأكيد لديه طموحات تتجاوز حدود مصر. ولكن ليس لديه القدرة المالية لتحدي المؤسسات السعودية الممولة من الإسلام السلفي العالمي.

من المهم الإشارة إلى أن الإمارات ولت وجهتها ناحية الأزهر، ساعيةً لتمويل نسختها الخاصة في مواجهة السلفية العالمية والإخوان المسلمين، باسم الإسلام المقترن بالدولة.

الصراعات الأيديولوجية داخل الدولة

أضف إلى ذلك، موقف الجماعات الإسلامية السلفية التي تمثلها القاعدة وتنظيم داعش؛ ما يزيد من ضراوة الصراعات داخل العالم السُّني. مع أن هذه الجماعات تتشارك نفس التفسيرات السلفية المتشددة للإسلام مع السعودية، إلا إنهم يكرهون الحكام السعوديين باعتبارهم عملاء للولايات المتحدة.

تعتبر هذه الجماعات حركات شعبوية تنبع من أسفل المجتمع، لكنها ترفض المسار الانتخابي الذي سار فيه حزب أردوغان والإخوان المسلمون. تحكيم الإسلام داخل حدود الدول القومية هو الأطروحة المضادة لرؤيتهم المبنية على مجتمع إسلامي موحد.

لا تستطيع الدول السنية العمل بتوافق؛ لأنها ورغم أنها تتشارك جميعاً القلق من إيران، فإنها يرى بعضها في البعض الآخر أخطاراً محتملة إن لم تكن واقعية على استقرار أنظمتها المحلية. يعتبر المصريون والإماراتيون أن الإخوان المسلمين هم التهديد الأبرز لأنظمتهما؛ ومن ثم ينظرون إلى قطر وتركيا باعتبارهما حليفتين لعدوهما المحلي.

لهذا تطالب القاهرة وأبوظبي بإغلاق قناة الجزيرة. يخشى السعوديون من أن قطر التي تتبنى رسمياً النسخة السلفية الوهابية من الإسلام، بإمكانها أن تتدخل في شؤونها السياسية الداخلية وتدعم معارضة نظامهم في الداخل.

إسرائيل وحماس

من جانبها، أشارت شبكة "سي إن إن "، في تقرير على موقعها العربي، إلى أن السعودية والإمارات ينظران بريبة شديدة إلى علاقات قطر، فهي تحافظ على روابط وصلات مع جماعة الإخوان المسلمين وتوفر ملجأ لحركة حماس الفلسطينية وتستخدم قدراتها الإعلامية الكبيرة لمشاركة خطابها السياسي مع شعوب المنطقة من خلال قناة الجزيرة.

بالنسبة للسعوديين والمصريين، وكذلك للإسرائيليين، فإن الإخوان المسلمين تنظيم شديد الارتباط بحركة حماس، كما أن تلك الدول تزعم ارتباطه بالقاعدة، وهي أيضاً تتهم إيران بتقديم الدعم لتلك الجماعات السنية وإعطائها مقومات الحياة.

فالصراع الدائر في المنطقة حول النفوذ ودور إيران تعمّق بشدة؛ بسبب الحرب السورية وصعود تنظيم داعش والدور الإيراني الكبير في العراق وسوريا غيّر موازين القوى في الشرق الأوسط.

لماذا تغير موقف السعودية من الإخوان؟

أما في سوريا، فمواقف الحلفاء تبدو مختلفة؛ فلا ترغب القاهرة في الوقوف خلف الجهود السعودية للإطاحة ببشار الأسد في سوريا؛ لأنها تخشى من أن يكون هذا لصالح الجماعات الإسلامية مثل الإخوان، حسب تقرير واشنطن بوست.

وعلى الرغم من ارتباط السعودية بعلاقات تاريخية مع الإخوان، فإنها أبعدت نفسها مؤخراً عن هذه العلاقات وأصبحت ترى في الإسلام الشعبي السياسي الديمقراطي تهديداً داخلياً.

بينما تخشى تركيا من أن نجاح الضغوط الإقليمية ضد قطر قد يؤدي في النهاية إلى ممارسة الضغوط ذاتها عليها.

وتقف تركيا في صف السعودية نفسه فيما يخص تنظيم داعش والقاعدة في الصراعات الإقليمية -تركيا في سوريا والسعودية في سوريا واليمن- ولكن أي منهما لم ينجح في السيطرة على الجماعات الإسلامية السلفية التي تسعى للإطاحة بهم في بلادهم.

أما رؤية الرئيس ترامب التي تقضي بتوحيد العالم السني خلف الولايات المتحدة في مواجهة إيران والإرهاب، فتبدو مستبعدة، طالما ظلت أنظمة الشرق الأوسط تحمل رؤىً متباينة حول علاقة الإسلام بالسياسة. في الشرق الأوسط، الذي من المفترض أنه منقسم على أثر صراع طائفي بين السُّنة والشيعة- فإن السُّنة لا يجمعهم موقف موحد.