استقالة 3 صحفيين من شبكة CNN بسبب مقالٍ حول علاقة ترامب بالروس

تم النشر: تم التحديث:

قدم ثلاثة صحفيين في شبكة "سي إن إن" الأميركية استقالاتهم بعد حذف مقال ورد فيه أن أحد مساعدي الرئيس الأميركي دونالد ترامب يخضع للتحقيق بشأن علاقته مع مؤسسة روسية.

والصحافيون الثلاثة هم، كاتب المقال توماس فرانك، وأحد أعضاء فريق التحرير إريك ليختبلاو، وليكس هاريس المسؤول عن خلية التحقيق التي عمل في إطارها الشخصان الأولان. وقد نُشر المقال الخميس على موقع سي إن إن قبل أن يتم سحبه الجمعة، كما لم يذكر على القناة التلفزيونية، وفق ما ذكرة وكالة الأنباء الفرنسية.

وقد أزيل المقال من موقع الشبكة بعد تحقيق داخلي، وقدم اعتذار لأنتوني سكاراموتشي الذي كان عضواً في فريق ترامب قبل توليه الرئاسة، حسب تقرير لبي بي سي.

واتهم سكاراموتشي الشبكة بمهاجمة أصدقاء ترامب، ونفى صحة ما ورد في المقال.

وعلق سكاراموتشي قائلاً في حسابه الشخصي على تويتر: "لا بأس، لم أرتكب أي خطأ، هم فقط يحبون أن يهاجموا أصدقاء الرئيس دونالد ترامب، والمدافعين المخلصين عنه".

وقد استقال الصحفي توماس فرانك ومحرر وحدة الصحافة الاستقصائية، إريك ليكتبلاو، الحاصل على جائزة بوليتزر.

ونقلت "بي بي سي" عن متحدث باسم الشبكة الإخبارية قوله إن الإدارة قبلت استقالات الصحفيين بعد حذف المقال. وأضاف أن "المقال كتب بناء على معلومات من مصدر واحد لم يذكر اسمه".

وتشترط العديد من الشبكات الإخبارية وجود مصدرين على الأقل لنشر معلومات أو أخبار. وسبق أن أطلق ترامب وابنه دونالد على "سي إن إن" اسم "محطة الأخبار الزائفة"، ورفض الإجابة على أسئلة من أحد صحفييها.

وغرد الرئيس الأميركي #دونالد_ترامب حول سحب شبكة "سي إن إن" لتقرير عن #روسيا، وإجبارها 3 موظفين على الاستقالة، متسائلاً عن باقي "القصص الزائفة" التي تبثها القناة، حسب تعبيره.

وقال ترامب على حسابه على تويتر: "واو، سي إن إن سحبت تقريراً كبيراً عن روسيا، وأجبرت 3 موظفين على الاستقالة. ماذا عن كل تقاريرهم الزائفة الأخرى؟ أخبار كاذبة!"، وفقاً لما نقله عنه موقع قناة العربية.

في المقابل بدا سكاراموتشي راضياً عن خطوات (سي إن إن) لتسوية الإشكال، وفقاً لبي بي سي. وقال في تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر: "لقد قامت سي إن إن بالخطوة الصحيحة".


هل تراجعت CNN عن الخبر فعلاً؟


من جانبها، لفتت صحيفة واشنطن بوست الأميركية إلى أن اللغة التي استخدمتها "سي إن إن" في كتابة تصريحها بشأن الخبر، انطوت على شيء ما قد تخفيه ثنايا القصة المعتذر عنها.

ويبدو أنَّ شبكة سي إن إن لم تتراجع عن كل ما جاء في القصة، حسب واشنطن بوست، إذ قال مصدرٌ تابع لسي إن إن: "تراجعنا عن القصة لأننا لم نوافق على ملابساتها"، مضيفاً أنَّه كانت هناك "شكوك كافية" في مدى مصداقية بعض نقاط القصة، و"نظراً للمخالفات التي حدثت، قررنا التراجع عنها".

وأشارت واشنطن بوست إلى أنه في الخميس الماضي، 22 يونيو/حزيران 2017 عندما عرض توماس فرانك، المراسل الصحفي بشبكة سي إن إن، هذا الخبر الحصري رأى وقتها أنَّه يرقى لأن يكون قصة العام.

وذكر فرانك في الخبر أن لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ كانت تجري تحقيقاً عن صندوق استثمار روسي (صندوق الاستثمار الروسي المباشر) "الذي كان رئيسه التنفيذي قد التقى بأحد أعضاء الفريق الانتقالي للرئيس دونالد ترامب قبل أربعة أيام من تنصيبه رئيساً".

وكان المسؤول عن الفريق الانتقالي هو أنتوني سكاراموتشي، رجل الأعمال والمستثمر في وول ستريت، وكان من المفترض أن يتقلَّد منصباً دائماً في البيت الأبيض، لكن ذلك لم يحدث. وقد التقى سكاراموتشي بالفعل في يناير/كانون الثاني 2017 برئيس الصندوق الاستثماري، كيريل دميتريف.

وحسب واشنطن بوست فإن خبر "سي إن إن" الحصري، الذي اعتمد على معلوماتٍ من مصدرٍ واحد (لم يُذكر اسم هذا المصدر في الخبر)، تم سحبه بعد وقت ليس بالطويل.

وقد وصف ماتيو بويل العامل بموقع برايتبارت الذي ينتمي لأقصى اليمين (والمؤيد لترامب) الخبر بأنَّه يفتقر إلى أي أساسٍ من الصحة. ونشرت وكالة سبوتنيك الروسية نفياً للخبر، مشيرةً إلى أنَّ الصندوق لم يكن جزءاً من "فنيشيكونومبانك" (مؤسسة مالية حكومية روسية)، كما ادَّعى تقرير سي إن إن.

هذا التفصيل مهم كثيراً، بالنظر إلى أن فنيشيكونومبانك أدرجت في مجموعة من العقوبات الصادرة عن الحكومة الأميركية؛ كذلك يخضع صندوق الاستثمار الروسي المباشر لعقوبات من وزارة الخزانة الأميركية.

ووفقاً لتقرير شبكة سى إن إن المثير للجدل فإن تحقيق لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ فى هذا الأمر مرتبط بالاجتماع بين كبير مستشاري ترامب صهره جاريد كوشنر والرئيس التنفيذي لشركة فنيشيكونومبانك سيرجي جوركوف خلال فترة الانتقال الرئاسي.

وقد نشرت شبكة سي إن إن في وقتٍ متأخر من يوم الجمعة، 23 يونيو/حزيران، بياناً تتراجع فيه عن الخبر، قالت فيه: "في الثاني والعشرين من يونيو/كانون الثاني، نشر موقع "سي إن إن" الإخباري قصةَ صحفية تربط بين أنتوني سكاراموتشي وتحقيقات تجري بخصوص صندوق الاستثمار الروسي المباشر.

القصة لم تستوفِ معايير سي إن إن التحريرية، وتم التراجع عنها. وتم تعطيل روابط الخبر. تبلغ سي إن إن اعتذارها للسيد سكاراموتشي".

ورد سكاراموتشي في تغريدةٍ معرباً عن تقديره للاعتذار، قائلاً: "ما فعلته سي إن إن كان صواباً، وخطوة راقية من جانبها. قبلتُ الاعتذار. جميعنا يرتكب الأخطاء، ولنتجاوز ما حدث".


لماذا استقالوا؟


أمَّا بالنسبة للتبعات، فقد أعلنت سي إن إن يوم الإثنين، 26 يونيو/حزيران، أنَّ ثلاثة من موظفيها قدموا استقالتهم بسبب الحادثة، أولهم فرانك، وهو الصحفي الذي أعدَّ التقرير، وإريك ليكتبلاو، الإضافة الجديدة لفريق شبكة سي إن إن، والقادم حديثاً من صحيفة نيويورك تايمز، وكان هو المسؤول عن تحرير التقرير، وليكس هاريس، المحرر التنفيذي لتحقيقات سي إن إن.

اتُّخِذَت هذه الخطوات بعد تحقيقٍ داخلي أجراه مدراء سي إن إن التنفيذيون في نهاية الأسبوع الماضي، وخَلُص الاجتماع إلى عدم اتباع الموظفين المعنيين إجراءات الشبكة المعمول بها من فترةٍ طويلة قبيل نشر القصص الصحفية.

وقال مصدر لسي إن إن: "كان هناك تقصيرٌ ملحوظ. ولم تستوفِ القصة التدقيقات والتوازنات الصحفية المطلوبة في المؤسسة".

وجاء في بيان سي إن إن الرسمي: "في أعقاب التراجع عن قصةٍ نُشرت على موقع سي إن إن الإخباري، قبلت "سي إن إن" استقالة الموظفين المشاركين في نشر القصة".

وفي ما يتعلق بالتغيرات الداخلية، قال مصدر لسي إن إن: "تحمَّل جميع الأفراد المتورطين مسؤولية ما حدث وأرادوا الاستقالة".

وكان هذا الحدث كارثياً، وزاد من حدته الموقف الغريب الذي وجدت الشبكة الإعلامية التي تبث على مدار الساعة نفسها فيه. إذ تتصدر شبكة سي إن إن قائمة ترامب التي تضم وسائل الإعلام التي تُعَد مُستهجنة بالنسبة له، وقد وصفها ترامب بـ"الأخبار الزائفة" في مؤتمر صحافي عُقد في أثناء المرحلة الانتقالية بين إدارتي أوباما وترامب في يناير/كانون الثاني 2017، رغم أنَّ التغطية التي كان يشير إليها آنذاك -والتي كانت تدور حول جلسات الاستخبارات رفيعة المستوى- كانت صحيحةً مئة بالمئة.

تسلم مشجعو ترامب في كل مكان دفة المعركة، وبدأوا يواجهون الشبكة في كل مرةٍ تراوغ، أو حتى تبالغ في تغطية مسألة العلاقات الروسية الأميركية تحت إدارة ترامب. وفي الإحاطات المنتظمة التي يعقدها البيت الأبيض، يخوض المتحدث باسم البيت الأبيض، شون سبايسر، نزاعاً طويلاً مع مراسل سي إن إن، جيم أكوستا، الذي ربما يعد أكثر مراسلي وسائل الإعلام في البيت الأبيض انتقاداً لسياسة منع الكاميرات وأجهزة تسجيل الصوت في جلسات الإحاطة التي تُعقَد مع الرئيس ترامب.

يُفسّر هذا السياق سُرعة وحدّة تحرّكات إدارة موظفي شبكة "سي إن إن" تجاه تحقيق روسيا وسكاراموتشي.

فسي إن إن هي منظّمة يعمل بها نحو 4 آلاف محترف بمجال الأخبار، وهي أيضاً منظّمة تَعِد بعدم الانحياز في تناولها المواضيع الإخبارية، وتُقدّر التقارير الحصرية الدقيقة، وبهذا يَصعُب تصديق أن تذعن مؤسسة كتلك لمحاولات التشويه من جانب مواقعٍ إخبارية مثل بريتبارت وسبوتنيك (وكالة أنباء روسية).

وأنكر مصدرٌ لسي إن إن أن تكون الشركة قد غيّرت من أسلوبها الصحفي تحت ضغطٍ من الرئيس ترامب ومؤيديه. وقال المصدر: "لا نشعر أنَّ الإدارة أو ما تستخدمه من كلمات يقيّدنا بأي شكلٍ من الأشكال".


أخطاء سابقة


ولم يكُن تحقيق روسيا وسكاراموتشي النقطة السوداء الوحيدة في تاريخ شبكة سي إن إن. فقبيل إدلاء رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي بشهادته أمام مجلس النوّاب الأميركي، كلّفت "سي إن إن" أربعة صحفيين- وهُم جلوريا بورغر، وإريك ليشتبلاو، وجيك تابر، وبريان روكس- بإعداد تقرير يتنبّأ أنَّ شهادته ستتعارض مع مزاعم ترامب بأنَّ رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي المُقال أخبره بأنَّه ليس موضعاً للتحقيق.

لكن اتّضح أنَّ العكس كان صحيحاً: أكّد كومي صحّة ما قاله ترامب. وكان التحقيق مثالاً لقرارٍ تحريري خاطئ زاد عليه أسلوبٌ صحفي مليء بالهفوات، وما الفائدة من التنبؤ بشهادة كومي إذا ما كان سيُدلي بها بعد يومٍ أو اثنين؟

وقالت واشنطن بوست إن مصدراً لسي إن إن أصر على أنَّ حادثة الإخفاق في تناول شهادة كومي "لم تربطها علاقة" بحادثة تحقيق روسيا وسكاراموتشي. وقال المصدر: "وبهذا، يُصبح علينا ألّا نرتكب أي أخطاءٍ أخرى".

وفي حلقة نقاشٍ استضافتها مؤسسة نادي واشنطن الصحفيّ عصر يوم الجمعة، 23 يونيو/حزيران 2017، تحدّث كبير مراسلي شبكة سي إن إن لشؤون الكونغرس الأميركي مانو راجو عن هذه الأوقات العصيبة التي تمرُّ بها الصحافة. وقال: "لا يمكنك ارتكاب خطأ في هذا المناخ لأنّهم سيستغلون كُل غلطةً صغيرة تصدر منك ويقولون إنَّ لك دافعاً شائناً من وراء أسلوبك الصحفيّ".

ورأت واشنطن بوست إن المؤسسات الصحفية الكبرى، تَعمد عندما تقع اتهامات بارتكاب أخطاء مهنية، إلى مقاربةٍ كثيراً ما يتّبعونها للموازنة بين تهدئة المطالب العامة بتوقيع العقاب على المُخطئين من جهة، ورغبتهم في الإبقاء على زملائهم المُقرَّبين من جهة أخرى.

وختمت الصحيفة تقريرها بالقول "سيَذكُر النقَّاد هذه الحادثة لوقتٍ طويل باعتبارها دليلاً على أنَّ شبكة سي إن إن هيَ بالتحديد ما وصفها بها ترامب: "أخبارٌ كاذبة". لكنَّ استقالة ثلاثة من مراسليها على إثر التلاعب في أحد التحقيقات يقدّم دليلاً مضاداً لهذا الادعاء. فإنَّ بائعي الأخبار الكاذبة لا يتّخذون إجراءاتٍ جذرية تجاه موظفيهم عقب نشر تحقيقٍ كاذب. بل إنَّهم يطربون به.