لماذا اختارت تركيا الوقوف مع قطر رغم عواقب إغضاب الخليج؟ هذا ما دفع أردوغان لاتخاذ قراره بالانحياز للدوحة

تم النشر: تم التحديث:
R
ر

بعد مُضيّ بضعة أسابيع على بدء الحملة الدبلوماسية بقيادة السعودية ضد قطر، لم يعد هناك مجالٌ للشك في أنَّ أنقرة تقف بشكلٍ قاطع في صفّ الدوحة.

فقد سارعت تركيا إلى تزويد الدوحة بالمنتجات الغذائية التي شهدت نقصاً بسبب الحصار السعودي الإماراتي، كما وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قائمة المطالب المقدمة لقطر بأنها مخالفة للقوانين الدولية، وعبر عن تأييد تركيا لموقف قطر منها.

ودافع أردوغان عن قرار بلاده إرسال قوات لقطر وإنشاء قاعدة هناك، متسائلًا: "عندما نبرم اتفاق تعاون دفاعياً مع أي بلد، هل يتوجب علينا أن نحصل على إذن من البعض؟".

تقرير لمجلة National Interest الأميركية عرض للأسباب التي دفعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لاتخاذ القرار بدعم الدوحة رغم أن في ذلك مخاطرة بإغضاب دول الخليج لاسيما السعودية، وركز التقرير على الروابط الاقتصادية والحساسة بين تركيا وقطر.

وأشارت المجلة إلى أنه ظل حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، طوّرت تركيا شراكةً وثيقة - وإن كانت غير متماثلة بين طرفيها - مع قطر. فالدولتان هُما أقوى داعمتين في المنطقة لجماعة الإخوان المسلمين، وحركة حماس، كما أبدت كلٌ منهما استعداداً لمغازلة إيران. وتعزَّزت العلاقات الثنائية بين الدولتين، القائمة على التقارب الأيديولوجي، بالشراكات العسكرية والمالية بينهما والحيوية بالنسبة لأردوغان. ومع ذلك، فإنَّ اختيار قطر في الأزمة لم يكُن قراراً سهلاً بالمرة بالنسبة لأردوغان.


لماذا تغير الموقف التركي من الأزمة؟


في البداية، كان رد الفعل التركي تجاه الأزمة القطرية حذراً وهادئاً، ما أشار إلى شعور بالمأزق في أنقرة بدلاً من حسم الموقف. إذ كانت تصريحات المسؤولين الأتراك متوازنة، وأعلن أحد نوّاب رئيس الوزراء التركي عن مساعٍ فعّالة يقوم بها أردوغان للمساعدة في حلّ الأزمة عبر "دبلوماسية الاتصالات الهاتفية".
وصرَّح متحدثٌ باسم الرئيس التركي أنَّه على دول الخليج ألّا تبني علاقاتها على "الأخبار الكاذبة والشائعات"، وأن تحلّ النزاع "بما يتماشى مع روح شهر رمضان المبارك". وقال صحفي تركي إنَّ أردوغان ممزقٌ بين السعوديين والقطريين.

ويمكن تفهّم حيرة أردوغان. إذ يعلم الرئيس التركي جيداً أنَّ وقوفه في صفّ قطر، ومعها إيران، سيعني استبعاده من المعسكر السنّي في المنطقة بقيادة المملكة العربية السعودية. وتحاول أنقرة عَكس وضعها الذي كانت تسمّيه مسبقاً "العزلة الثمينة".


ماذا يريد أردوغان من ترامب؟


وبالطبع هناك أيضاً العامل المتمثّل في ترامب. فبعد أن فسدت علاقة أردوغان مع باراك أوباما، يحاول الآن فتح صفحة جديدة مع الإدارة الأميركية. وقد امتنع على هذا الأساس عن مواجهة دونالد ترامب بأكثر الاختلافات حساسية بين تركيا والولايات المتحدة، بما في ذلك قضيّة تسليح الأكراد السوريين، الذي تراه تركيا تهديداً أمنياً عالي الخطورة.

لكن، وبعد 24 ساعة من التردد، عادت أنقرة لتبنّي موقفها الأصلي، وساندت الدوحة مرة أخرى. وبينما كثّف المعسكر السعودي من جهوده لعزل قطر مادياً بإغلاق الحدود معها وإلغاء الرحلات إليها، عرضت تركيا -ومعها إيران- إمداد قطر، التي أخذت عزلتها بالتنامي، بإمدادات الماء والطعام.

وفي أكثر التطوّرات أهمية، عجّلت أنقرة بعرض خطتها المؤجلة لإرسال قوّاتٍ تركية إلى قطر للتصويت أمام البرلمان التركي، كجزءٍ من اتفاقية أمنية ثنائية عُقِدت بين الطرفين، وتقضي بالإشراف على إنشاء قاعدةٍ عسكرية تركية في الدولة الخليجية ذات الموقع الاستراتيجي، وستكون تلك القاعدة العسكرية التركية هي الأولى خارج حدودها.

ربما لم تكن الخطوة فورية، لكنَّها جاءت متّسقة مع التواصل التركي مع الدوحة على مدار الأعوام العشرة الماضية، خاصةً منذ انتفاضة الربيع العربي عام 2011، التي شهدت صعود شعبية الإخوان المسلمين الإقليمية.

وفي حين يُعتقَد أنَّ النفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة قد عجّل من اتفاقية القاعدة العسكرية التركية في قطر، فإنَّ كلتا الدولتين أبقت على الحوار بينها وبين طهران، وذلك في تناقضٍ صارخ مع الفاعلين الآخرين في المنطقة. وفيما زادت الدول العربية من دعمها للسياسات المناهضة لإيران والإخوان المسلمين، ضاعفت تركيا وقطر هما أيضاً من قوّة شراكتهما.


الغاز


ومن جهةٍ أخرى، يصبّ الغاز الطبيعي المُسال والثروات التي تمتلكها قطر في مصلحة تركيا فيما يخصّ آفاق التعاون بين الدولتين. إذ تعتمد أنقرة في صناعتها واقتصادها على الطاقة والاستثمارات الأجنبية، وفي جوارٍ تتبدّل فيه الأحوال بين عشيةٍ وضحاها، أثبتت الدوحة أنَّها صديقةٌ لأنقرة في أشدّ الصعاب.

فعلى سبيل المثال، عندما دخلت تركيا في أزمة مع روسيا بشأن الصراع السوري في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2015، عرضت قطر إرسال شحنات من الغاز الطبيعي المسال إلى تركيا للمساهمة في تعويضها عن قطع الطاقة المحتمل من جانب موسكو.


هكذا تتغلغل الاستثمارات القطرية في تركيا؟


ومع أنَّ الأموال القطرية تمثّل أقل من 1% من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا، إلّا أنَّ الاستراتيجية القطرية التي تستهدف الشؤون المالية، ووسائل الإعلام، وقطاع الدفاع في تركيا يجعلها شريكاً لا غنى عنه بالنسبة لأردوغان.

فقد اشترى المستثمرون القطريون شركات إقراضٍ تركية خاصة بقيمة إجمالية تبلغ 3.6 مليار دولار. وبالإضافة إلى ذلك، ترى تركيا، وهي دولة تعاني من عجزٍ بحسابها الجاري، تدفقات العملة الأجنبية القادمة من قطر بمثابة حبل نجاةٍ لميزان مدفوعاتها.

ومن وجهة نظر خبيرٍ مالي تركي مؤيد للحكومة، فإنَّ جزءاً كبيراً على الأرجح من 40 مليار دولار تُمثِّل "صافي العجز والخطأ" للبنك المركزي التركي قد جاءت من قطر "بسبب ثقة (القطريين) بأردوغان".

وفي صفقةٍ عام 2015، اشترت مجموعة "بي إن BeIN" القطرية أكبر شركة مقدّمة للقنوات الفضائية في تركيا. وتمّت الصفقة البالغ قيمتها 1.4 مليار دولار، والتي تجاوزت مُشترين محليين متحمّسين، في اليوم التالي لاجتماع الأمير القطري بأردوغان.

وفي ذات العام، اشترت لجنة الصناعة بالقوات المسلّحة القطرية 49% من الشركة المصنّعة لمركبات الجيش التركي، وعيّنت ملحقاً عسكرياً قطرياً بمجلس إدارتها.


المقاولات


وقطر هيَ حبل نجاة آخر للمتعهدين الأتراك، ممّن نفّذوا مشاريع في قطر بقيمة 13.7 مليار دولار، جاعلين إمارة قطر الخليجية في المركز السابع على قائمة الوجهات الأكثر شيوعاً لهم.

نظراً لكل تلك الأسباب، اختارت تركيا قطر في أزمة الخليج الأخيرة. وبالفعل، لم يكن أمامها خيارات كثيرة للتخلّي عن شراكةٍ مربحة كالتي تجمعها مع قطر في ظل أزمة اقتصادية قائمة في البلاد.


هل تدفع تركيا ثمن دعمها لقطر؟


لكن، وبينما تزداد حدة الخلاف المستعر بين دول الخليج، ستُجبر الشراكة التركية-القطرية أنقرة على الأرجح لإعادة تقييم علاقتها مع المعسكر السنّي بقيادة السعودية، وهي علاقة متوترة بطبيعتها.

وعلى تركيا الاستعداد لمواجهة عزلةٍ أكبر في المنطقة، والاعتماد بدرجةٍ أكبر على الدعم الاقتصادي والسياسي الذي تقدّمه لها قطر. وستسفر هذه الحركة عن إلحاق مزيدٍ من الضرر بصورة أنقرة أمام المجتمع الدولي. فقد حاصر أردوغان، الذي كان يعي كُل عيوب هذا القرار، نفسه بهذا الخيار قبل أن يتّخذه بالفعل.


هل العوامل الاقتصادية هي الدافع الوحيد لموقف تركيا؟


وفقاً لتحليل لمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة فإن دوافع الموقف التركي الداعم لقطر تأتي انطلاقاً من مجموعة من الاعتبارات، من بينها الدوافع الاقتصادية لكن التحليل لم يعطها الأولوية كما فعل تقرير مجلة National Interest.

ويرى المركز أن هناك خمسة دوافع رئيسية للموقف التركي:
1- تعد قطر الحليف الأساسي والأهم لتركيا في المنطقة العربية، حيث تتبنى الدولتان سياسات متطابقة تجاه قضايا المنطقة، خاصةً في سوريا والعراق وليبيا، وتقدمان دعماً لتيارات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، وتعتمدان عليها كأداة للنفوذ ولتنفيذ سياساتهما بالمنطقة.

2- تزايدت أهمية قطر بالنسبة لتركيا كحليف رئيسي لها في المنطقة في ضوء التحديات التي تواجه الدور التركي بالمنطقة منذ إسقاط حكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وتراجع تأثيراتها في الأزمة السورية عقب الهزائم المتتالية التي تعرضت لها جماعات المعارضة السورية التي تدعمها.
ومن ثم فإن نجاح الضغوط الخليجية على قطر والاستجابة لمطالبها، التي على رأسها إيقاف دعمها جماعات الإسلام السياسي، سيعتبر ضربة قاضية للمشروع التركي في المنطقة.

3- يرى صانعو القرار في أنقرة أن الضغوط التي تُمارَس على قطر تأتي بهدف فرض مزيد من التضييق على الدول الداعمة لتيارات الإسلام السياسي وشل قدرتها على الحركة بالمنطقة، وأن تركيا قد تكون الهدف التالي بعد قطر، خاصةً أن أنقرة تنتهج سياسات إقليمية مشابهة للدوحة.

4- تتخوف تركيا من أن تؤدي التداعيات السلبية للأزمة الخليجية - القطرية على الاقتصاد القطري، إلى تراجع الاستثمارات القطرية في تركيا، والتي تبلغ نحو 20 مليار دولار، ويتركز أغلبها في قطاعات الزراعة والسياحة والعقار والبنوك، وهو ما ستكون له تداعيات سلبية على الاقتصاد التركي الذي يعاني بسبب محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في يوليو/تموز 2016.

5- سعي تركيا لاستغلال فرصة قطع السعودية والإمارات العلاقات التجارية مع قطر، للسماح للمنتجات الغذائية التركية بالنفاذ للأسواق القطرية، التي تأثرت سلباً جرَّاء العقوبات الاقتصادية الروسية التي كانت مفروضة على تركيا. وبالتالي فإن الأزمة الراهنة ستعود بالنفع على الاقتصاد التركي.