قصة الرجل الغامض الذي يحاول إحياء المجتمع اليهودي بكردستان.. تعرَّف كيف تعيش هذه الطائفة السرية بالعراق

تم النشر: تم التحديث:
B
ب

كان طه سميث وصديقه المقرب لا يفترقان في أثناء نشأتهما بأربيل، عاصمة إقليم كردستان ذي الحُكم المستقل في العراق.

تطورت حياة الرفيقين من قضاء أيامٍ طويلة في لعب الكرة والاختباء إلى الذهاب معاً في مغامراتٍ حول العالم؛ إذ انتقلا من مكانٍ لآخر في مراهقتهما عبر أوروبا، وفي النهاية حصل كلٌ منهما على وظيفةٍ فيها وقضيا بضع سنوات.

ومع أنَ كليهما كان كاتم سر الآخر، إلا أنَه لم يكشَف أحدهما للآخر ديانته سوى مؤخراً: كان كلاهما يهودياً.

بهذه القصة الغريبة، استهل موقع "ميدل إيست آي" تقريراً عن وضع المجتمع اليهودي في العراق، ولا سيما كردستان العراق.

ووفقاً للتقرير، قال سميث، الذي كشف لصديقه المقرَب دِين أسلافه فقط قبل أنَ يتزوج أخته في وقتٍ سابق من العام الجاري: "لم يُخبرني بالأمر أبداً، ولم أخبره أنا الآخر. وكان هذا شيئاً جنونياً بالنسبة لي؛ لأننا كنا مقربين جداً".


ما الذي غيّر هذه القرون من الود؟


قصة هذين الرجلين كانت تُربِك أسلاف سميث اليهود كثيراً، حسب تقرير موقع "ميدل إيست إي"؛ إذ سكن اليهود بلاد الرافدين أكثر من 2500 عام، مروراً بالصعود الإسلامي، وحتى القرن العشرين، وتمتعت المساجد والمعابد اليهودية، مثل المعبد الذي كان جدا سميث يذهبان إليه في قلعةٍ وسط مدينة أربيل، بفترةٍ من التعايش الودي آنذاك.

لكنَ قرون الود آلت إلى نهايتها مطلع عام 1941؛ عندما دفع التيار المعادي للسامية في بغداد، والمُستوحَى من الحركة النازية، مثيري الشغب لنهب وتدمير البيوت والمتاجر اليهودية في أثناء الاحتفال بعيد الأسابيع (شفوعوت) اليهودي.

وخلَفت المذبحة المعروفة باسم "الفرهود"، والتي استمرت يومين، وراءها 200 قتيل، ومجتمعاً كاملاً في حالة صدمة، حسب التقرير.

b


إسرائيل


وبعد بضعة أعوام، زاد قيام دولة إسرائيل من اتّقاد نيران معاداة السامية في العراق. ومن جانبها، ردَت إسرائيل بتنظيم عملية عزرا ونحميا عام 1951، وهي جسرٌ جوي منح يهود العراق الشاعرين بالتهديد حق المواطنة في إسرائيل.

وخلال عامين فقط، فرَّ ما يقرب من 120 ألف عراقي يهودي إلى إسرائيل.

والآن، لا تزيد أعداد اليهود المتبقين في بغداد على العشرة، وقد أفاد تقريرٌ نشرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بأنَ 7 يهود فقط قد تبقوا ببغداد، وهذا رغم أنَ تعداد اليهود في بغداد كان يبلغ 80 ألفاً قبل 100 عام فقط، وفقاً لإحصاءٍ رسمي للسكان أجرته الدولة العثمانية عام 1917.


طائفة سرية


وفي كردستان العراق، التي تفخر بكونها معقلاً للتسامح في المنطقة، والتي ستصوت على استفتاءٍ لإعلان الاستقلال في سبتمبر/أيلول 2011، يقطن عددٌ أكبر من اليهود، وإن كان الرقم مختلَفاً عليه.

وفي ظل تغيير العديد منهم ديانتهم إلى الإسلام أو المسيحية على مر السنين، أو التظاهر بكونهم مسيحيين أو مسلمين، تفتقر الإحصاءات إلى الوضوح، وتدعو إذاً لطرح سؤالٍ عما يُعرِف المرء كـ"يهودي".

وقال مردخاي زاكين، وهو مؤرخٌ ومستشارٌ سابق لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إنَ العدد الأكبر من عشرات العائلات ممن كانت لديهم صلات عائلية باليهودية هاجروا لإسرائيل على أثر حرب الخليج.

وأوضح زاكين لصحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية: "معظم مَن تبقوا هُم أكراد مسلمون كانت جدتهم أو والدة أحد أجدادهم ذات أصلٍ يهودي، وغيّرت عائلاتهم دينها للإسلام منذ جيلين أو ثلاثة".

وبقضائهم عشرات الأعوام بلا منظومةٍ لدعم اليهود، أي من دون معابد يهودية، وحاخامات، واحتفالات جماعية بالأعياد اليهودية، تلاشت صورة المجتمع اليهودي.

وبالإضافة إلى ذلك، لم تقتصر الحوادث التي عمدت إلى تذكير اليهود بضرورة توخي الحذر على القرن العشرين فقط.

ففي عام 2012، اختُطِف مولود أفند، وهو ناشر مجلة إسرائيلية كردية توقَّف إصدارها الآن، ويتذكر رجلٌ من مدينة السليمانية أنه كان يشتريها سراً "كما لو كانت كوكايين"، وسُجِن في إيران بعد أن تلقى عدة تحذيراتٍ لإيقاف نشر المجلة، وهو ما قالته مصادر مقربة من أفند. وأُطلق سراحه عام 2015.


قانون الأقليات


وشهد الوضع ما بدا أنَه تطورٌ تدريجي عام 2015؛ عندما أقرت حكومة إقليم كردستان قانون الأقليات، الذي منح عدداً من دياناتِ الأقلية، ومن بينها الزرادشتية، واليارسانية، واليهودية، وديانات أخرى، الحق في تعيين ممثلين رسميين لهم في الحكومة، من خلال وزارة الأوقاف والشؤون الدينية.

وكان شيرزاد مامساني هو الممثل اليهودي الذي عينته حكومة إقليم كردستان، وهو رجلٌ يقول إنَه فقد يده اليمنى في تفجيرٍ استُهدِفَ فيه بسبب ديانته عام 1997، حسب "ميدل إيست إي".

ويقول مامساني إن ترميم المواقع الأثرية اليهودية في المنطقة، وبناء المعابد اليهودية، والبدء بتنفيذ حملة لتحسين صورة اليهود- هي أمور تتصدر قائمة أهدافه.

وقال كُردي يهودي، لم يُرِد ذكر اسمه، إنه يتذكر بوضوح رد فعل والده عندما علم بنبأ تعيين مامساني. وتابع: "كان في غاية السعادة، وبكى بمجرد معرفته بتعيين ممثلٍ يهودي".

وأكد مامساني، من مقهى بمدينة أربيل: "أريد محو الصورة السيئة المرتبطة باليهود". وأضاف: "أريد أن يعرف الناس أنَ اليهود ليسوا خطرين".

لكن، وعلى مدار عامين من توليه منصبه، عاني مامساني كثيراً مع صورته الخاصة بين أوساط المجتمعات اليهودية.

وبعد بضعة أشهرٍ فقط من تعيين مامساني، قال زاكين لصحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية إنَ مامساني "شخصٌ لا يستطيع التمييز بين الحقيقة والكذب في خضم حماسته"، مضيفاً أنَ "حملته الدعائية تولّد الارتباك وتضر بحكومة إقليم كردستان".

واتَهم زاكين، وهو مؤلف كتاب Jewish Subjects and Their Tribal Chieftains in Kurdistan، مامساني بالمغالاة في تقدير أعداد اليهود في كردستان؛ لتحقيق مكسبٍ سياسي.

b


إحصاء مثير للجدل


وفي أحدث التطورات، تولى مامساني مهمةً مثيرة للجدل؛ وهي إجراء إحصاءٍ للعائلات اليهودية في المنطقة من خلال تجميع الوثائق، وهو ما وصفه مامساني نفسه في مقابلةٍ صحفية أجراها معه موقع "تايمز أوف إسرائيل" بأنَه "فعلٌ جنوني"، وأضاف آنذاك أنَها فكرة "ستعطي أعداءنا الفرصة للعثور علينا وقتلنا واحداً تلو الآخر".

وأعرب أحد اليهود ممن سُجِلت معلوماته بعد أن قدمها أحد أفراد عائلته عن قلقه، قائلاً: "هُنا في العراق يُمكن شراء المعلومات".

وبينما تعاونت بعض العائلات في عملية الإحصاء، امتنع عنها آخرون؛ رداً على المعايير المزدوجة التي وضعها قائدٌ سياسي يزعم امتلاكه، من دون تقديم إثباتٍ حتى الآن، جذوراً يهودية وعلاقاتٍ سياسية (في إشارة إلى مامساني).

وأكد مروان نقشبندي، مدير العلاقات والتعايش الديني في حكومة إقليم كردستان، لموقع "ميدل إيست إي" البريطاني، أن هذا المنصب، وهو غير مدفوع الأجر، قد مُنِح لمامساني دون أن يقدِم أوراقاً رسمية أو مساهماتٍ في المجتمع؛ بل عُيّن بعد أن رشَح نفسه للمنصب لا أكثر.


ما موقف إسرائيل من هذا الرجل الغامض؟


وقال أحد اليهود ممن التقوا مامساني، متحدثاً باسم عائلته: "لم نسلمه وثائقنا، فنحن لم نرَ منه خيراً ولا شراً بعدُ. لا أثقُ به".

وأضاف: "يتساءل الكثير من اليهود عن هويته. ولا يريدون إعطاءه وثائقهم. يريدون أولاً الحصول على دليلٍ يُثبت هويته قبل الكشف عن أنفسهم".

لكنَ التأكيد الذي ينتظرونه لن يأتي من أكثر المصادر الموثوقة بنظر العديد منهم: إسرائيل.

إذ قالت مرغليت فيغا، رئيسة قسم دول الخليج بوزارة الخارجية الإسرائيلية، في بريدٍ إلكتروني لموقع "ميدل إيست آي": "شيرزاد مامساني ليس مواطناً إسرائيلياً، فهو لا يمتلك جواز سفرٍ إسرائيلياً، ولا تربطه أية علاقة بالحكومة الإسرائيلية أو أي مسؤولٍ يشغل منصباً حالياً في إسرائيل".

وفي وقتٍ سابق من العام الحالي، تنحى مامساني عن منصبه مؤقتاً لـ"بعض الأسباب"، واعترف بأنَه يتعرض لانتقاداتٍ من عددٍ كبير من الأشخاص.

وقال مامساني، الذي يؤكد أنَه ليس سياسياً: "معظم مجتمعي (المجتمع اليهودي) يناهض شيرزاد مامساني".

ومع ذلك، يُنظَر لمامساني بشكلٍ إيجابي في رحلاته الخارجية وبالصُحف العالمية، التي ترسمه في صورة بطلٍ شجاع يدافع عن الأقليات الدينية، و"يقف وحوله حلقة من النيران وسط دول إسلامية متطرفة"، على حد تعبير مامساني نفسه.

y


مخططات قتل؟


تذكر الكثير من المقابلات الصحفية مزاعم مامساني بتعرضه لعدة محاولاتٍ للقتل، ويقول إنَ إحداها كانت سبباً في أن لديه طرفاً صناعياً بدلاً من يده اليمنى.

وفي العام الماضي، ظهر مامساني في تقريرٍ نشرته شبكة "سي إن إن" الإخبارية الأميركية، واستعرض التقرير "الأقليات المهددة بالانقراض" بالعراق.

وفي العام نفسه، وبمقالٍ لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية، يُلخص زيارة الوفد الكردي لواشنطن بغرض ممارسة الضغوط عليها لتمويل الحرب ضد "داعش"، ذُكر مامساني في المقال بصفته "مسؤولاً بارزاً" أتى "في نداءٍ مفتوح لحشد الدعم الإسرائيلي لمصلحة الجهود الكردية". (وبحسب رواية مامساني، فإنَه تبادل الهدايا؛ طاقيةً يهودية في مقابل العَلم الأميركي، مع ترينت فرانك عضو الكونغرس الأميركي عن ولاية أريزونا).

وبالنسبة للأكراد ذوي الميول التقدمية، والمتحمسين للإشادة بالخطوات التي تتخذها حكومة إقليم كردستان في سبيل تحسين العلاقات مع الأقليات (على سبيل المثال، ومن أصل 111 مقعداً برلمانياً، تُخصَص 5 المقاعد لأحزاب التركمان ومثلها للمسيحيين، ويجب أنَ تشْغل النساء 30 في المائة من إجمالي المقاعد)- فإنَ حركات تعيين أفرادٍ مثل مامساني تميز كردستان أكثر عن العراق المتزمت، حسبما ورد في التقرير.

وقالت آريا يوسف، وهي سورية كردية مدافعة عن حقوق المرأة، وحضرت أحد تجمعات عشاء السبت التي أقامها مامساني بمدينة أربيل: "رأيتُ عبر مواقع فيسبوك وإنستغرام ما يفعله مامساني من أجل اليهود".

وأضافت: "كان مثيراً أنَ أرى الواقع، وليس الصور. وكيف يستطيع مامساني تمثيل يهود كردستان".

ومع أن كردستان تنعَم بالسِلم في الوقت الحالي، فإن قضاء عشرات الأعوام في نزاعاتٍ تكاد لا تتوقف حتى تبدأ من جديد (ففي أقل من 30 عاماً، مر الأكراد بحربٍ قامت بين العراق وإيران، ثم مذبحة نظمها صدام حسين ضدهم، ثم غزوَين أميركيين للعراق، وأخيراً صعود تنظيم داعش)- علّم العديد من الأكراد توخي الحذر.

وحتى سميث المُنفتِح تجاه ديانته حالياً، والذي لا يخجل من إظهار وشم نجمة داود على ذراعه اليمنى، يعترف بأن المستقبل ما زال مجهولاً.


الدعم الإسرائيلي


وتؤيد إسرائيل الاستقلال الكردي علناً، وتُلقب كردستان أحياناً باسم "إسرائيل الثانية"، حسب تعبير "ميدل إيست آي". ويتمتع الأكراد الأميركيون أيضاً بمكانةٍ عالية، وازدادت تلك المكانة علواً عندما ردعت القنابل الأميركية تقدُّم "داعش" تجاه أربيل في صيف عام 2014.

واحتفظت إسرائيل بعلاقات عسكرية ومخابراتية وتجارية سرية مع الأكراد منذ الستينات؛ إذ ترى في الجماعة العرقية التي تمثل أقلية حاجزَ صدٍّ ضد الأعداء المشتركين من العرب، حسب تقرير لموقع قناة "الحرة" الأميركية.

وحسب التقرير، فقد سبق أَن أبلغت إسرائيل الولايات المتحدة عام 2014 أن الاستقلال الكردي في شمال العراق حان وقته، وأصبح "أمراً مفروغاً منه". وتوقع خبراء إسرائيليون أن تسارع بلادهم بالاعتراف بالدولة الكردية حال إعلانها الاستقلال عن بغداد.

b


ما المخاطر التي تواجههم؟


ولا تتعلق مخاوف الأقليات الدينية هنا بالأمان في الحياة اليومية؛ إذ تتمتع كردستان بتحالفاتٍ دولية قوية، وتنتشر فيها قوات شرطة يمكن الاعتماد عليها، ونقاط تفتيش عديدة، لكن ما يقلقهم هو أنَ المنطقة تظل عُرضَة للتقلبات العشوائية وتسرُب العنف إليها من الخارج.

ففي عام 2014، وبعد فترة هدوءٍ مؤقت شهدها اليزيديون من العنفِ الموجه ضدهم، تعرَض يزيديو كردستان لإبادةٍ جماعية وحشية على فتراتٍ متقطعة على يد تنظيم داعش.

وقال رجل: "إذا رآني شخصٌ ما أترك تعليقاً على صفحةٍ يهودية بموقع فيسبوك، فقد يأتي وقتٌ يتسبب فيه تصرُف كهذا في مشكلة، لا سمح الله. كردستان هي وكرٌ للجواسيس والواشين".

وبينما يشعر اليهود الأكراد بالأمان لكونهم أكراداً، فإنَهم سيرحبون بالحصول على المزيد من الدعم من جانب إسرائيل والولايات المتحدة، اللتين يقيم بهما نحو ثلاثة أرباع اليهود في العالم.

وقال يهودي ومحارب قديم في الحرب العراقية-الإيرانية، مهتماً بتأكيد أنَه ليس مثل الأكراد ممن تظاهروا في السابق بكونهم يهوداً ليحصلوا على الجنسية الإسرائيلية: "نأمل بخلقِ تواصلٍ بيننا وبين الولايات المتحدة أو إسرائيل، لكنا لا نريد بالضرورة الذهاب لإحدى الدولتين".

وأضاف: "حتى لو اقتصر الأمر على امتلاك السفارة الأميركية (في أربيل) سجلاتٍ بأسمائنا، أو حتى لو منحونا فقط وثيقةً تضمن لنا الحماية في حال وقوع مكروهٍ مجدداً، فسيكون هذا كافياً بالنسبة لنا".

وفيما يخُص المؤسسات الدينية، فالكُل يعرف أية دولة تمتلك الفرصة الأكبر في إخراج المجتمع اليهودي إلى النور.

وقال أحد اليهود القاطنين في أربيل: "إذا أرسلت إسرائيل حاخامين لا أكثر إلى كردستان، فسترى طابوراً من الناس أمام وزارة الأوقاف. عندها يمكنهم معرفة ما إن كُنا يهوداً حقيقيين. إليك جواز السفر، وإليك بطاقة الهوية. إذا حدث أمرٌ كهذا، فستشهد حشداً لم يُرَ من قبل".