ميدل إيست آي: السعودية ترفع رهاناتها بقائمة المطالب.. وهذا ما يمكن لقطر أن تفعله

تم النشر: تم التحديث:
QATAR
Anadolu Agency via Getty Images

تساءل الكاتب البريطاني كريستوفر دافيدسون عن الأوراق التي لا تزال في جعبة الدول المحاصرة لقطر، والتي يمكن أن يستخدموها إذا ما رفضت الدوحة المطالب التي طلبتها منها الإمارات والسعودية والبحرين الخميس الماضي؟ فالإجابة هي لا شيء إلا التدخل العسكري الذي أصبح الآن درباً من الخيال، خاصة بعد التدخل التركي الواضح والمنحاز لقطر على خط الأزمة.

وقال دافيدسون في مقال له بموقع ميديل إيست آي البريطاني، اعتبر في تقرير له السبت، 24 يونيو/حزيران 2017، أن إصدار السعودية والإمارات قائمة "المطالب" من قطر رفعت الرياض والدول التي تحذو حذوها، الرهانات بصورةٍ كبيرة في خلافها المطوَّل مع قطر.

والخميس 22 يونيو/حزيران 2017، سلمت الكويت دولة قطر المطالب التي تريدها السعودية والإمارات من قطر لرفع الحصار المضروب على الدوحة منذ قرابة الثلاثة أسابيع، والتي تعد تعجيزية.

وبينما أُشير لبعض المطالب المطروحة بصفتها إجراءاتٍ لمحاربة الإرهاب، على الأقل وفقاً للتفسير السعودي لماهيّة الإرهاب، فقد تضّمنت بعض المطالب الأخرى إغلاق قنوات الجزيرة، التي تعد القوة الناعمة الأهم للدوحة، وكذلك إغلاق القاعدة العسكرية التركية، وقطع علاقات الدوحة مع طهران، وطرد قيادات حماس والإخوان المسلمين من قطر.

هذه المطالب تبدو تعجيزية، وربما لن تقبل بها قطر، ولكن الدوحة قدمت الشكر للوساطة الكويتية وأميرها صباح الأحمد الصباح، كما أنها وعدت بدراسة هذه المطالب والرد عليها خلال وقت قصير، قبل أن تنقضي المدة التي فرضتها الدول المحاصرة بـ10 أيام.

دور قناة الجزيرة

وفي ظلِّ القلق الذي أثاره استخدام قطر لقنوات الجزيرة كورقةٍ تمنحها نفوذاً على الحكومات العربية -كما ذُكر تفصيلاً في برقياتٍ مُسرَّبة بين دبلوماسيين أميركيين- ثُمَّ بعد ذلك تأثير قناة الجزيرة القوي والواضح عام 2011 في مساندة ثورات الربيع العربي ضدّ الحكومات الموالية للسعودية في تونس ومصر، لا يُمثل هذا المطلب مفاجأة.

وعلى نحوٍ مشابه، كانت المطالبة بأن تتوقَّف قطر عن توفير الملاذ، والدعم المادي، والمنابر الإعلامية لقيادات الإخوان المسلمين أمراً متوقعاً كذلك. وقد اعترى كُلاً من السعودية والإمارات العربية المتحدة الرعب، بعد تمكُّن الجماعة من الفوز في الانتخابات التي جرت في إثر أحداث الربيع العربي، وبالتالي تقديمها نموذجاً بديلاً عن الحكم الديني المحافظ للعالم الإسلامي، والذي كان حتماً سيناقض الممالك الوراثية في الخليج.

وأضاف الكاتب البريطاني، بالفعل، فعلى الرغم من ضلوع الأمراء السعوديين أنفسهم في تمويل الإخوان المسلمين على مرِّ التاريخ، وبرغم أنَّ الجامعات السعودية لطالما كانت منابرَ لباحثي الإخوان المسلمين، فإنَّ الرياض وصلت في عام 2014 إلى حدِّ تصنيف الجماعة منظمةً إرهابية.

تبدُّل التحالفات

وضمن هذا السياق، فإنَّ الضغط على قطر لخلق المزيد من المسافة بينها وبين تركيا هو أمرٌ منطقيٌّ أيضاً بالنسبة للرياض؛ إذ تُزوِّد أنقرة أيضاً الإخوان المسلمين بالدعم، ولا تقوم بالكثير لإخفاء ازدرائها للنظام الملكي في السعودية، حتّى بشكلٍ علنيّ، بحسب ميدل إيست آي.

وأشار دافيدسون "رفعت التقارير الأخيرة التي أفادت مؤخراً باحتمال زيادة تركيا أعداد البعثة العسكرية التركية المحدودة في قطر الرهانات بصورةٍ أكبر، وفي إثرها تجسَّدت مخاوفُ ملموسةٌ أمام الرياض من خَلق محورٍ جديد في المنطقة قوامه أنقرة والدوحة، والذي قد يتحدَّى بدوره قيادة السعودية المزعومة للعالم السُّنِّي.

وفيما يخصُّ علاقات الدوحة مع إيران، فيما يبدو أنَّ إيران تسعى لتطوير العلاقات من كونها اقتصادية مرتبطة بحقول الغاز الطبيعي المشتركة بين الدولتين إلى تقارب قوي، خاصة بعد التضامن العلني الذي أبدته إيران بالإعلان عن "رحلاتٍ جوية تحمل مساعداتٍ غذائية" مُتجهة لقطر، بغرض مساعدتها في التحايل على العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها بقيادة السعودية، إلا أن قطر لم توافق.

وكان هذا مصدر خوفٍ آخر من ولادة جبهة جديدة بقيادة طهران، غرضها تحدِّي وضع الرياض في المنطقة، ومعها مصداقية مجلس التعاون الخليجي، الذي يُعد نادياً للأنظمة الملكية في منطقة الخليج العربي.

وبطبيعة الحال، هُناك دلائل بالفعل على انسياق سلطنة عُمان هي الأخرى في هذا الاتجاه، عندما أدرك حُكّامها الإمكانات الهائلة التي قد يحملها التعاون الاقتصاديّ مع إيران. وبالتالي، إذا خرجت كلٌّ من قطر وعمان من مجلس التعاون الخليجي، فإنَّ المجلس سيُترَك مشلولاً.

مَن كان بيته من زجاج؟

واستكمل دافيدسون "كانت مطالبة السعودية لقطر بالتوقّف عن تمويل وتسليح "الإرهابيين" خطوةً يَصعُب فهمها، وأدَّت بدورها لاتّهاماتٍ منطقية للمملكة السعودية، إن لم تكُن الإمارات أيضاً، بأنَّها كمن "يقذف الناس بالحجارة وبيته من زجاج".

فبعد كل شيء، كتبت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون برقيةً سرّية تابعة لوزارة الخارجية الأميركية في عام 2009، وسجّلت فيها شكواها من أنَّ "المتبرعين السعوديين يمثّلون أهم مصادر التمويل بالنسبة الجماعات الإرهابية السنّية حول العالم"، وأنَّ المملكة تظل "قاعدةً مهمة للدعم المالي لتنظيم القاعدة".

وفي تطوّراتٍ أحدث، شهدت الدعاوى القضائية الخاصة بهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، والتي تُنظر الآن أمام القضاء الأميركي، تقديم محامي أسر الضحايا مزاعم تشير إلى امتلاكهم "عدداً مهولاً من الأدلّة"، التي تشير لتورّط عناصر ومؤسساتٍ من داخل الدولة السعودية في حوزتهم.

ما الخطوة التالية؟

وأشار إلى أنه وبالنظر لجميع هذه المطالب -سواء كانت مشروعة أم لا- هل ستؤدي لنتيجة ما؟ وماذا قد يحدُث بعد ذلك؟ فبعد كل شيء، عرضت السعودية والإمارات مطالب مشابهة في عام 2014، لكنّ مطالبها انتهت بالإخفاق بعد سلسلةٍ من المفاوضات المطوّلة.

لكن هذه المرة، هُناك فرصةٌ حقيقية للفوز، على الأقل من وجهة نظر الرياض؛ فهُم يعتقدون أنَّهم قد توددوا بنجاحٍ للإدارة الأميركية الجديدة، بتوقيعهم مشترياتٍ جديدة كبيرة من الأسلحة الأميركية (أو بالأحرى تقديم وعدٍ بتنفيذ صفقاتٍ شراء مجمّدة)، بالإضافة إلى التعهُّد بالاستثمار في مشاريعٍ لتطوير البنية التحتية في الولايات المتحدة.

وفوق هذا، يُرجَّح أنَّ الرياض قد ضمنت أيضاً للولايات المتحدة سلامة مرافقها العسكرية على الأراضي القطرية، ومن بينها القاعدة الأمامية للقيادة المركزية الأميركية، في حال وقوع أي اضطرابٍ في الدوحة أو تغييرٍ للنظام القطري برعايةٍ سعودية وإماراتية.

وبدا أنَّ سلسلةً من التغريداتٍ الموجهة لقطر، كتبها دونالد ترامب مؤخراً عبر تويتر، تتّفق مع وجهة نظر الرياض، وذلك على الرغم من محاولة وزارة الخارجية الأميركية توخّي الحذر في التعبير عن شيءٍ كهذا.

لكن هل من المتوقَّع أن تتراجع قطر؟ يُمثّل إغلاق الجزيرة، على سبيل المثال، فعلاً أشبه بتجريد الدوحة من أثمن ما تملكه، وذلك نظراً لأنّها قد أغدقت على الجزيرة بالدعم على مدار أعوامٍ طويلة، وتظل شبكة الجزيرة حتى الآن هي "القوة الناعمة" الأكثر تأثيراً في حوزة قطر. وعلى نحوٍ مشابه، من المستبعد أن تدير قطر ظهرها للإخوان المسلمين، خاصةً بعد أن جمعتهما سنواتٌ عديدة من العلاقاتِ الوثيقة والأهداف ذات المصالح المشتركة.

أسرارٌ مشينة

ومن المحتمل أيضاً بالطبع ألا تكون قطر بحاجةٍ حتى لمحاولة الرد على مطالب السعودية. ففي نهاية المطاف، وبهذا الدعم الواضح لها من تركيا وإيران، الذي جرى التقليل منه على الأرجح، يبدو أنَّ خصومها لا يمكنهم في الحقيقة شنّ أي نوعٍ من العمليات العسكرية (رغم أنَّ انقلاباً في القصر يبقى احتمالاً واضحاً).

وفي الوقت نفسه، لا تعني قدرة قطر على الوصول إلى صناديق ثروة سيادية لا تزال كبيرة فقط أنَّ الدوحة بإمكانها شراء متنفَّسٍ مهمٍ لها عن طريق اقتصادها، والإبقاء على مصارفها في حالة اكتفاءٍ وقدرةٍ على تمويل نشاطاتها، بل تعني كذلك أنَّ بإمكانها أن تُبقى على تنافسها مع السعودية على نيل استحسان الولايات المتحدة الأميركية.

فعلى سبيل المثال، لم تعلن قطر في الأيام الأخيرة عن مشتريات أسلحةٍ أميركية فحسب، لكنَّها كذلك أشارت إلى استعدادها للقيام باستثمارٍ استراتيجي في الخطوط الجوية الأميركية المُتعثِّرة، وبصورةٍ أوسع في صناعة الطيران الأميركية، وهو قطاعٌ اعتبرته الدوحة، وهي مُحقة، من بين الأقرب إلى قلب الرئيس الحالي للولايات المتحدة.