أميركا تنخرط أكثر بالحرب في سوريا وتثير المخاوف.. فما هي احتمالات الصدامات الكبيرة لواشنطن في البلد المشتعل؟

تم النشر: تم التحديث:
US FORCES SYRIA
Rodi Said / Reuters

تؤكد وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أنَّ الولايات المتَّحدة ما زالت لا تحمِل أي نيةٍ للتورُّط في الحرب المستمرة لستة أعوام حتى اللحظة في سوريا، حيث تصب واشنطن جهودها الحالية هناك فيها لمساعدة حلفائها لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وليس أكثر من ذلك.

وتشير صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، في تقرير لها نُشر الجمعة 22 يونيو/حزيران 2017 إلى أن سلسلةً من الحوادث الأخيرة أثارت قلقاً أعرب عنه الدبلوماسيون ومسؤولو الأمن القومي، إذ قد تنجر الولايات المتّحدة بغير عمدٍ للاضطلاعِ بدورٍ أكبر مما اعتزمت عليه في الحرب بسوريا.

النقيب جيف ديفيس، وهو متحدثٌ باسم البنتاغون، قال يوم الأربعاء 21 يونيو/حزيران: "نحن لا نسعى للدخول في نزاعٍ مع أيِّ طرفٍ بخلاف داعش".



وخلال الشهر الجاري فقط، أسقطت الولايات المتحدة طائرةً حربية لقوات نظام الأسد في ريف الرقة، وقال التحالف إن الطائرة كانت تلقي قنابل بالقرب من مقاتلي قوات "سوريا الديمقراطية" المدعومة من واشنطن بريف الرقة الجنوبي الغربي، وفقاً لوكالة الأنباء الفرنسية.

وكذلك أسقطت أميركا طائرتين بلا طيار إيرانيتيّ الصُنع كانتا تقتربان من قوَّات برية تدعمها أميركا في الجنوب السوري، بحسب وكالة رويترز.

وردَّت روسيا على هذا التصعيد، مهدِّدةً باعتبار الطائرات الأميركية أهدافاً لها، وفي مناورةٍ على غرار أفلام الأكشن الأميركية، حلَّقت إحدى طائرات موسكو النفاثة على مسافةِ خمسة أقدامٍ من طائرة تجسس أميركية.

us forces syria

ولم يكن تنظيم "داعش" طرفاً في أيٍ من تلك المواجهات المذكورة. ويقول خبراء الأمن القومي إنَّ "هذا التناقض يطرح سؤالاً أكبر حول ماهية الاستراتيجية الأشمل التي تخطِّط لها إدارة ترامب عندما يُهزَم داعش، المحصور الآن في وضع الدفاع، في سوريا".

ويقول فالي نصر -بحسب صحيفة نيويورك تايمز- وهو عميد كلية الدراساتِ الدولية المتقدّمة بجامعة جونز هوبكنز، إنَّه مع كُل حلقة جديدة كهذه "نتبنَّى نحن قسماً أكبر من النزاع السوري بدون توضيح ماهية استراتيجيتنا. وبهذا نسير نائمين تجاه تفويض عسكري على نطاقٍ أوسع بكثير، بدون أنَّ نقول ما ننوي فعله بعد ذلك".

وحتى الآن، فإنَّ المكاسب العسكرية التي حقّقها الجيش الأميركي في سوريا فاقت أي حلٍ دبلوماسي يسعى لتسوية سياسية للحرب هناك.

ووفقاً للحصيفة الأميركية فإنه عندما بدأ الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بشنِّ هجماتٍ جوية على أهدافٍ لـ"داعش" في سوريا منذ ثلاثة أعوام، بدت التعليمات التي أصدرها للبنتاغون واضحة: "اهزموا داعش من خلال التحالف مع السوريين ممَّن يعارضون الجماعة المتطرِّفة الوحشية، لكن لا تساعدوهم في حربهم مع الرئيس بشار الأسد".

والآن يترنَّح "داعش" في سوريا. فقد مزَّقته هجماتُ لفيفٍ من الأعداء في سوريا، ووفقاً للمسؤولين الأميركيين، لم يَعُد التنظيم مسيطراً على ثُلث البلاد كما كان، إذ فَقَدَ التنظيم نحو نصف رقعة الأرض التي خضعت لسيطرته في السابق.


تصعيدٌ ملفت


وفي الأعوام الأخيرة، استطاع البنتاغون وحلفاؤه تجنُّب نظام الأسد والقوات الموالية له لا سيما الإيرانية فيما كان الجميع يحارب "داعش". لكنَّ جميع الأطراف تقترب الآن من بعضها البعض حول رُقعة أصغر من الأرض، مما أدى لازدياد احتمالية انقلاب إحدى القوى المتخاصمة على الأخرى، بالإضافة لعدوهما المشترك.

وأكد وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، مراراً أن الضربات الجوية الأميركية على القوات الموالية لنظام الأسد كانت "دفاعاً عن النفس"، مشيراً إلى أن بلاده ستلجأ لها كلما دعت الحاجة لذلك، وفق ما ذكرته وكالة رويترز.

وفي ذات السياق، أشار النقيب ديفيس، من البنتاغون، إلى أنَّ في حال مواجهة "طائرات مسلحة بلا طيار لقواتٍ تدعمها أميركا على الأرض، فهذا لن يترك لنا خياراً سوى الدفاع عن أنفسنا وشركائنا".

وقال إنَّ إسقاط الطائرتين إيرانيتي الصنع هذا الأسبوع حدث دفاعاً عن النفس. فيما يُصر مسؤولو وزارة الدفاع أنَّ الحادثة لا تعني تورُّط الولايات المتحدة في حربٍ أوسع.

us forces syria

ومع ذلك، يعترف مسؤولو الجيش الأميركي سراً أنَّ المناطق السورية التي يمكن التواجد فيها دون الاصطدام بالأسد -فضلاً عن روسيا وإيران- تنكمش وبسرعة.

وفي ضوء تصاعد حدة القتال شرق وادي نهر الفرات، حيث احتياطيات النفط والمياه، يقول مسؤولو وزارة الدفاع الأميركية أنهم يتهيَّأون لاندفاع الأسد ومؤيديه بكُل قوتهم لاستعادة السيطرة على تلك المنطقة من أيدي "داعش"، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".

وتريد إيران، على وجه الخصوص، ألا تقع تلك المنطقة في أيدي القوات المدعومة من قبل أميركا، خوفاً من أن يُضيف ذلك تعقيداتٍ على خط الإمدادات الممتد بين طهران وحلفائها الشيعة في العراق ولبنان المجاورتين.

وقال إريك روبنسون، وهو محلّلٌ ومُبرمِج أبحاث في مؤسسة راند البحثية: "تركت سياسة إدارة أوباما، التي كانت تركِّز كلياً على داعش دون غيرها، السؤال عمَّا يجب فعله بشأن روسيا وإيران والأسد خارج المعادلة لفترةٍ طويلة. وكان استمرار هذا ممكناً في البداية فقط".

لكنه أضاف أنَّه "وبينما يُطرَد داعش الآن من شمال سوريا والرقة، وتتزحزح المعركة تجاه وسط وادي الفرات، سنرى الجميع يوجِّهون تركيزهم تجاه تلك المنطقة بعينها".

وتوقع بأن ذلك سيزيد من فُرَص وقوع المزيد من الحوادث كالتي جَرَت الشهر الفائت. وقد يشعل هذا بدوره نزاعاً أكبر، وخاصةً في ظل حقيقة أنَّ روسيا لم تخجل يوماً من التحدُّث عن التصعيد، وعلى الجانب الآخر يُعَد ترامب أيضاً أكثر تسرعاً في أفعاله عمَّا كان سلفه أوباما.

وبالنسبة لـ ديريك شوليت، مساعد وزير الدفاع للشؤون الدولية في ظل رئاسة أوباما: فإن "آخر ما كان يريده أوباما هوَ أن تدخل الولايات المتحدة في حربِ إطلاق نارٍ مع روسيا بسبب سوريا. وكان خطر التصعيد مع روسيا خطراً حاضراً على الدوام في تخطيط الإدارة وتسييرها للحملة العسكرية".

وأضاف أنّ حُب موسكو "للهيمنة من خلال التصعيد" يُمثِّل تحدياً كبيراً، ووصف روسيا بأن لديها استعداداً للمخاطرة بالكثير، وحتى على حساب مصلحتها، لإنقاذ الأسد أكثر مما قد تخاطر به الولايات المتحدة للتخلُّص منه.