لهذا شارك السيسي بها بعد رفض مبارك.. قمة "عنتيبي" فرصة مصر الأخيرة لتأمين حصتها المائية بالوسائل التوافقية

تم النشر: تم التحديث:
SISI NILE
ASHRAF SHAZLY via Getty Images

استغرق الأمر رفض رئيسين (مبارك ومرسي) و6 وزراء مياه و7 سنوات مقاطعة لـ"الاتفاقية الإطارية لدول حوض النيل" (عنتيبي)، قبل أن ترسو سفينة الرئيس عبد الفتاح السيسي في "عنتيبي" العاصمة، لحضور أول قمة تشارك فيها مصر اليوم الخميس، أملاً في حل دبلوماسي توافقي يحفظ لها حقوقها المائية بعدما هدم سد النهضة الإثيوبي الكثير من الثوابت المصرية في قضية الأمن المائي.

"ليس يخفى عنكم، أن نهر النيل يُعد المصدر الأساسي للمياه في مصر، وبنسبة اعتماد تصل إلى 97%، ومحدودية الموارد المائية الأخرى، والنمو السكاني وانحسار نصيب الفرد من المياه 640 متراً مكعباً سنوياً، وعجز مائي 21.5 مليار متر مكعب سنوياً".

كانت هذه هي الرسالة التي سعى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لنقلها لرؤساء دول حوض النيل في مستهل عودة مصرية –بعد مقاطعة– لاجتماعات حوض النيل احتجاجاً على توقيع اتفاقية عنتيبي عام 2010 التي تتحفظ على 3 بنود فيها، وأكد فيها على "التوافق وتقاسم المنافع"، و"التوافق في اتخاذ القرارات".


فقد ظلت مصر ترفض الانضمام لاتفاقية عنتيبي، التي بدأت مفاوضات تأسيسها عام 1999، وخرجت للنور عام 2010، وجمدت مشاركتها في كل اجتماعات دول حوض النيل، منذ ذلك العام بعد توقيع 6 من دول أعالي النيل عليها، مشترطة تعديل 3 بنود.

الشروط المصرية الثلاثة كانت: عدم المساس بحصة مصر من المياه (55.5 مليار متر مكعب) التي نصت عليها اتفاقيات 1929 و1952، وضرورة "الإخطار المسبق" من جانب أي دولة إفريقية لمصر قبل بنائها أي مشروعات على النيل، وموافقة دول حوض النيل (بالإجماع لا الأغلبية) كشرط لبناء أي مشروعات على مجرى النيل.

ولكن مع تغير الظروف الإقليمية والدولية واستغلال إثيوبيا انشغال مصر بثورة 25 يناير 2011 في بناء سد النهضة وفرض أمر واقع، ودخول الاتفاقية الإطارية حيز التنفيذ الفعلي بعد موافقة الأغلبية المطلوبة عليها، بدأت مصر رحلة الحلول التوافقية للحفاظ على حصتها المائية التي لم تعد تكفيها أصلاً مع تضاعف عدد السكان خمس مرات.

هل تتجه مصر للقبول باتفاقية "عنتيبي" والتوقيع عليها بعد قمة رؤساء حوض النيل ورفض دام 7 سنوات كما يتخوف البعض، بعدما قال الرئيس السيسي في كلمته بها أن "مصر مدركة تماماً للاحتياجات التنموية" لشعوب النيل؟

أم تسعى لنسخة أو وثيقة معدلة (عنتيبي جديدة) من الاتفاقية تضمن حصتها المائية القديمة كما ألمح السيسي في خطابه وأكده خبراء ومسئولون؟


رسمياً: موضوعات عالقة وإرجاء الخلافات


وحول ما جرى في كواليس القمة، نفى المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية السفير أحمد أبو زيد، ضمناً ما يتردد عن توقيع مصر الاتفاقية كما هي، والتخلي عن حصتها المائية وشدد على أن "أمن مصر المائي خط أحمر لا يقبل المساومة".

وتحدث عبر حسابه الرسمي على تويتر على أن "مفاوضات شاقة يخوضها الوفد المصري في أوغندا لإنجاح قمة حوض النيل وبناء جسور الثقة مع الأشقاء"، ولكنه أشار لأن اجتماعات وزراء الخارجية والري اللاحقة، أظهرت أن هناك "موضوعات لا تزال عالقة"، وتحدث عن "إرجاء الخلافات لمراحل لاحقة".


السيسي لم يذهب لتوقيع اتفاقية


الدكتور نور أحمد عبد المنعم، الخبير الاستراتيجي في مياه الشرق الأوسط يرى أن مشاركة الرئاسة هذه المرة في اجتماع حوض النيل "أمر حيوي ومهم طالما طالب به خبراء المياه"، لأن وزراء المياه السابقين لم يحلوا المشكلة، ووزير الري فشل في 1999 في إدارة الملف، والرئيس السابق مبارك لم يفعل شيئاً وترك الملف لوزير الري.

ونوه لأن "مشاركة الرئيس بنفسه لا تعني مناقشة مشكلة المياه فقط ولكن بحث قضايا الأمن القومي ككل وضمنها ملف المياه، واتفاقات لتحسين العلاقات".

وحول احتمالات توقيع مصر على الاتفاقية الإطارية عنتيبي، يشدد الدكتور "عبد المنعم" "هاف بوست عربي" على أن الرئيس السيسي "لم يذهب لتوقيع اتفاقية، وإنما شرح وجهات نظر مصر في الاتفاقية والتوافق، وإذا نجحوا في التوافق سيتم التوصل لاتفاقية أو وثيقة معدلة تضمن حقوق مصر لاحقاً".

وعاد الرئيس المصري إلى القاهرة عقب إلقاء خطابه في القمة، دون الإعلان عن أي تطورات هامة في ملف التحفظ المصري المستمر على الاتفاقية.

وحول الموقف المصري لو استمر رفض دول حوض النيل لمطالب بمصر بتخصيص حصة مائية لها وفق الاتفاقيات التاريخية، اعتبر الخبير المصري أن "هذا شرط أساسي، أي الاعتراف بالحقوق التاريخية لمصر في حوض النيل وهي 55 مليار متر مكعب مياهاً".

ولكن يشير لضرورة أن تعرض مصر بالمقابل خدمات ومشاريع على الدول الإفريقية تحقق لهم مكاسب بالمقابل، مثل المشروعات والبعثات والمعونات والتعليم.

ويعتبر أن اتفاقية عنتيبي غير ضارة بمصر، ولا أثر لها عليها، و"إنما مصر هي التي تبحث كيف تنمي إيراداتها المائية وكيف تتعامل معها بما لا يضرها مادياً ولا مائياً"، بحسب تعبيره.


"عنتيبي" أخطر من سد النهضة


الدكتور نادر نور الدين أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، يشيد أيضاً بمشاركة الرئيس السيسي مباشرة في قمة حوض النيل وعدم ترك الملف لوزير الري كما كان يفعل مبارك، ولكنه يحذر من التوقيع على اتفاقية عنتيبي كما حدث مع اتفاق المبادئ مع إثيوبيا الذي سمح لها لاحقاً ببناء سد النهضة، مؤكداً أن "عنتيبي أخطر من سد النهضة".

إذ أن مخاطر سد النهضة تنحصر في أنه سيحجز 74 مليار متر مكعب مياهاً على عدة سنوات لم تتحدد عن مصر، وسط مخاوف من أن يقلل حصة مصر التاريخية طول مدة ملئه، بينما التوقيع على اتفاقية "عنتيبي" بحالتها الراهنة يعني حرمان مصر من حصتها التاريخية السنوية المقدرة بـ 55 مليار متر مكعب.

وأضاف نور الدين لـ"هاف بوست عربي" أن "الموافقة على عنتيبي بحالتها الراهنة معناه التفريط في حقوق مصر المائية"، التي يعتبرها "مؤامرة"، ما لم يتم تعديل بنودها التي ترفضها مصر، لأنهم يريدون بناء سدود دون إخطار مصر رغم أنه بند ومبدأ دولي معترف به لدراسة مخاطر أي سد على دول المصب.

وخطورة هذه الاتفاقية أنها لا تعترف باتفاقيات مياه النيل السابقة عامي 1929 و1956، ومن ثم تسمح لكل دول حوض النيل بإقامة مشاريع سدود مائية وكهربائية وحواجز على مجرى النيل تقتطع كمية كبيرة من نصيب مصر من المياه التي لا تكفيها أصلاً حالياً وتلغي ما يسمى حق الفيتو المصري على بناء أي سدود على النيل تهدد مصر.

ويحذر الخبير المائي من أن مصر سبق أن فقدت آخر ورقة مناورات تمتلكها بعد اعترافها بسد النهضة دون شروط، وتسرعت في التوقيع على وثيقة إعلان المبادئ مع إثيوبيا، وموافقتها على اتفاقية عنتيبي بحالتها دون تعديلها معناه إعطاء كل دول أعالي النيل الحق في بناء السدود وسحب المياه التي تصل لمصر".

ويلخص نور الدين المشكلة في "أننا أخطأنا في التفاوض حول سد النهضة وليس حول حصتنا من مياه النيل، وهو ما نفعله الآن في قمة عنتيبي"، وأنه "كان يجب أن تضع مصر اعترافها بالسد مقابل اعتراف إثيوبيا بحصة مصر المائية والتعهد بالحفاظ عليها، بعد إنشاء السد، ولكننا فقدنا للأسف آخر ورقة مناورات نمتلكها، فأصبحنا في ورطة حقيقية".

وحول احتمالات توقيع مصر على الاتفاقية الإطارية في هذا الاجتماع، نفى "نور الدين" ذلك مؤكداً أن اجتماع اليوم الخميس: "مجرد اجتماع سنوي لدول حوض النيل كان يحضره وزير الري أو الخارجية لكن الرئيس السيسي جاء حضورُه لحلحلة نقاط الخلافات وطرح حلول خارج الصندوق.


وثيقة بديلة لـ"عنتيبي"


وتؤكد السفيرة مني عمر مساعد وزير الخارجية لملف الشئون الإفريقية السابقة، أن مصر تسعى لإيجاد وثيقة بديلة لاتفاقية "عنتيبي"، وأن موقفها لن يتغير في ظل وجود البنود الخلافية لاتفاقية "عنتيبي"، مؤكدة أنه لن يتم التنازل عن الحقوق التاريخية في مياه النيل.

وهو ما يشير له أيضاً "هاني رسلان، الباحث في الشئون الإفريقية في مركز الدراسات الاستراتيجية والسياسية بالأهرام، الذي يؤكد أن مصر لن تتنازل عن موقفها الرافض لـ"اتفاقية عنتيبي"، قبل حل البنود الخلافية ودراسة مقترح مصري الجديد مقدم لرؤساء الدول يتضمن "عنتيبي جديدة".


قدمنا تنازلات متتالية لم تلق إلا عناداً!


وزير الري السابق في عهد الرئيس السابق مبارك، محمد نصر الدين علام، والذي وجهت له سهام كثير من المنتقدين لأسلوب إدارته للأزمة ما أدى لتفاقمها، دافع عن نفسه موضحاً أنه ليس الوحيد الذي عارض اتفاقية عنتيبي وأنه رفض التوقيع عليها خمسة وزراء ري جاؤوا بعده.

علام أرجع سبب رفضه التوقيع عليها "لأن دول المنبع لم تعترف بالاتفاقيات التاريخية وبالحصص المائية لكل من مصر والسودان، ولا بمبدأ الإخطار المسبق لأي مشروع أو سد قبل البدء فيه، ورفضوا شرط التوافق والإجماع في القرارات لا الأغلبية".

ويكشف الوزير السابق نصر علام أن مصر قدّمت مع هذا "عدة تنازلات متتالية"، "ولكن ظلت دول المنبع ثابتة على عنادها وتعنّتها".

هذه التنازلات هي: التخلي عن "الإخطار المسبق" من أي دولة لمصر بإنشاء أي سدود على نهر النيل، والتخلي عن التصويت بالإجماع ليصبح بالتوافق والأغلبية معاً، والتنازل عن إدراج الاتفاقيات التاريخية في الاتفاقية، وقبول بند ينص على أنّ "الأمن المائي حق لكل دولة، وأنّ على كل دولة مراعاة الأمن المائي للدول الأخرى في الحوض".


قصة اتفاق عنتيبي


يضم حوض النيل 11 دولة، هي: أوغندا وإثيوبيا والسودان وجنوب السودان والكونغو الديمقراطية وبوروندي وتنزانيا ورواندا وكينيا ومصر وإريتريا (عضو مراقب فقط).

في مايو/أيار 2010 وقبل الثورة المصرية بستة أشهر، وقعت خمس من دول حوض النيل العشر، هي: إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وكينيا، على (الاتفاق الإطاري الجديد) الذي ينظم العلاقة بين دول حوض النيل ويتضمن 40 بنداً، وفي فبراير 2011 وقعت بوروندي.

ورفضت مصر والسودان (دول المصب) الاتفاقية، وتمسكتا بحقهما في حصتهما الحالية من المياه (55.5 مليار متر مكعب لمصر + 18.5 للسودان)، وحقهما في الموافقة أو الفيتو (الاعتراض) على أي مشروع لدول أعالي النيل الثماني يؤثر على حصتهما من المياه.

ولكن توقيع بوروندي مهد الطريق لإقرار الاتفاقية رسمياً وأصبحت أمراً واقعاً عقب تصديق برلمانات هذه الدول الست ودخولها حيز التنفيذ في غيبة مصر والسودان وعدم توقيع الكونغو التي أعلنت نيتها التوقيع ولكن لم توقع.

وقال الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، أنه عطَّل الإثيوبيين في فترة حكمه، التي امتدت لـ30 عاماً، من الإقدام على بناء سد "النهضة الإثيوبي"، وهدد بتدميره بضربة جوية واحدة، كما أعاق انضمام دول أخرى لاتفاق عنتيبي.
ونشرت صفحة "أنا آسف يا ريس" المؤيدة لمبارك، على فيسبوك، الإثنين 19 يونيو/حزيران 2017، تسجيلاً صوتياً للرئيس الأسبق يعود لعام 2012، أكد فيه أنه تمكن من وقف اتفاقية "عنتيبي" بعدما طلب من رؤساء رواندا وأوغندا وبورندي، عدم التوقيع قبل أن يعودوا ويوقعوا بعد تنحيه.


كيف تطورات الأزمة بين مصر ودول حوض النيل؟


في فبراير 1999 وقعت دول حوض النيل العشر "مبادرة حوض النيل" بهدف "تدعيم التعاون الإقليمي والوصول إلى تنمية مستدامة والاستغلال المتساوي للإمكانيات المشتركة التي يوفرها حوض نهر النيل".

ولكن مصر توقفت عن المشاركة في فعاليات مبادرة حوض النيل في يونيو 2010 بعدما فرضت 4 دول أمر واقع ووقعت ما سمي "الاتفاقية الإطارية" أو "عنتيبي" بدون موافقة مصر التي اشترطت وقتها تعديل 3 بنود ووضع نص صريح في البند رقم 14 الخاص بالأمن المائي بعدم المساس بحصتها من مياه النيل وحقوقها التاريخية.

الدعاوى الإفريقية لإلغاء الاتفاقيات القديمة ارتكزت على أن من وقعها مع مصر كان الاحتلال البريطاني نيابة عن الأفارقة، وأنه من غير المنطقي أن تفرض مصر عليهم أخذ حصة مياه 55.5 مليار متر مكعب سنوياً من مياه تنبع من أراضيها، (أكثر من 50% من المياه التي تجري في النيل) وتحرمهم من الاستفادة منها.

وفي الاجتماع الطارئ لمجلس وزراء دول مياه حوض النيل بمدينة عنتيبي الأوغندية، مارس الماضي، رفض المشاركون طلباً مصرياً للحصول على مزيد من السيطرة على الأمور المتعلقة بتدفق مياه نهر النيل، وفقاً لما ذكرته صحيفة ذا إندبندنت الأوغندية.

وقال "سام تشيبتوريس" وزير الري الأوغندي، إن موقف المجلس ينص على "تساوي جميع الدول في حقوقها بالمياه" وأن "هذا ما دفعنا لرفض مطلب الحكومة المصرية بالسيطرة الكاملة على مياه النيل لأن الدول الأخرى لديها الحق في إبداء رأيها فيما يخص كيفية استخدام المياه".