هل ينجح في إبرام "اتفاق القرن"؟ هكذا تبدو رحلة صهر ترامب الأولى كمبعوثٍ لحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني

تم النشر: تم التحديث:
JARED KUSHNER
GPO via Getty Images

التقى غاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكبير مستشاريه، الخميس 22 يونيو/حزيران 2017، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس، في مستهل مسعى أميركي جديد لإحياء جهود السلام في الشرق الأوسط.

"مهمة جريئة"، هكذا وصفت صحيفة Washington Post الأميركية الدور الذي أتي به كوشنر إلى الشرق الأوسط، هدفها البحث في إمكانية استئناف مباحثات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

لم يتحدث كوشنر للإعلام أو يتلقى أسئلة من الصحفيين، مواصلاً نهجاً حذراً يتبناه منذ أن تولى ترامب السلطة في يناير/كانون الثاني، وذلك وسط تفاؤل ضئيل برام الله والقدس على حد سواء، في أول زيارة لصهر ترامب، الذي هو بالأساس مطور عقاري قليل الخبرة بالدبلوماسية الدولية، كما وصفته وكالة رويترز.

الصحيفة الأميركية ترى أن هذه الزيارة قد تكون ظرفاً مناسباً للمتشككين، لكنَّهم في الواقع يحاولون فقط تجنُّب توقع نتائج تلك الجهود؛ حتى لا يتبين خطؤهم فيما بعد. ويرجع ذلك غالباً إلى أنَّ ترامب كان خارجاً عن المألوف حتى الآن، ومبالِغاً في تصريحاته، وزئبقياً إلى الحد الذي يجعل اللاعبين في القدس يتساءلون عمَّا إذا كان بإمكانه فعلاً أن يحرز تقدماً، أو أن يجعل الأمور تزداد سوءاً برفع سقف التوقعات، ثم التخلي عن المشروع برمته وسط عاصفةٍ من التغريدات مُحمَّلة بخيبة الأمل وتوجيه الاتهامات للآخرين.

وفي دليلٍ على ما تحمله هذه الزيارة، كان أول اجتماع لكوشنر بعد وصوله مع أسرة هداس ملكة، الضابطة الإسرائيلية بقوات الحدود، والبالغة من العمر 23 عاماً، والتي قُتِلَت طعناً على يد مهاجمٍ فلسطيني يوم الجمعة 16 يونيو/حزيران الجاري، لتقديم التعازي للأسرة، وفقاً للصحيفة الأميركية.

تناقض بالتصريحات، كان حصيلة اجتماع المبعوث الأميركي مع نتنياهو، فقد وصف البيت الأبيض اللقاء بأنَه "مثمر"، بينما وصفته القناة الثانية الإسرائيلية بأنَّه غير حاسمٍ وتمهيدي للغاية، وقالت إنَّ الأميركيين لم يعرضوا فيه أي اقتراحاتٍ أو جداول زمنية.

لكن مسؤولين أميركيين أوضحوا أن الزيارة جزء من جهود لإبقاء النقاش مستمراً، فضلاً عن إطلاق مرحلة جديدة من عملية السلام، مضيفين أن كوشنر وجيسون غرينبلات، الممثل الخاص لترامب في المفاوضات الدولية، سيعودان إلى المنطقة مراراً على الأرجح، وفقاً لما ذكرته وكالة رويترز.

تعلق الصحيفة الأميركية على ذلك بالقول: "صحيحٌ أنَّه ليس هناك ما يُسمَّى الوقت المناسب لإجراء المفاوضات في منطقةٍ مضطربة كالشرق الأوسط، لكنّ الوقت الراهن تحديداً يحمل تحدياتٍ استثنائية لمبعوث ترامب عديم الخبرة ذي الـ36 عاماً للسعي في أمرٍ كمفاوضات السلام".

فالقيادة الفلسطينية الآن ضعيفةٌ ومنقسمة من وجهة Washington Post، وحكومة الائتلاف الإسرائيلية تخضع لسيطرة اليمين بشكلٍ لم تعهده إسرائيل من قبل، وأعضاؤها لا يعارضون فقط السماح بقيام دولةٍ فلسطينية، وإنَّما يريدون أيضاً ضم مساحاتٍ واسعة من الضفة الغربية لإنشاء مستوطناتٍ يهودية.

ومع ذلك، فاجأ ترامب العرب واليهود بإصراره على أنَّ "اتفاق القرن" بعيدَ الاحتمال يمكن تحقيقه بالفعل.

وقال دانيال شابيرو، السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل، في لقاءٍ أُجري معه، إنَّ "الرئيس ترامب في قمة نفوذه حالياً، فقد كسب الاحترام بالمنطقة، ويؤخذ على محمل الجد، أضف إلى ذلك سمعته في كونه غير متوقَّع، وذلك قد يجعل من الصعب قول (لا) له أو لأحد أفراد عائلته".

وتابع شابيرو: "هذا يفتح ثغرةً، ليس أكثر من ثغرة. ويجب على المرء ألا يبالغ في تقديرها دون أساس منطقي، لكنَّ الثغرة حقيقيةٌ".


قلة خبرة كوشنر


وتلفت الصحيفة الأميركية الانتباه إلى قلة خبرة كوشنر بالشرق الأوسط كرجلٍ يتولى قيادة جهود السلام، لكنَّ قلة خبرته هذه قد لا تكون كارثية؛ إذ يصحبه في مهمته مستشار ترامب الخاص ومبعوثه في المفاوضات الدولية جايسون غرينبلات، الذي كان سابقاً محامي ترامب العقاري.

ويقول نايثان ثرال، مؤلف كتاب "The Only Language They Understand: Forcing Compromise in Israel and Palestine": "ليس وجود شخصين عديمي الخبرة أمراً سيئاً بالضرورة، فأولئك الذين كانوا يمتلكون قدراً من الخبرة لم يؤدوا أداءً جيداً أيضاً، لقد فشلوا جميعاً".

وقد حذر ثرال، المحلل لدى مجموعة الأزمات الدولية والمقيم بالقدس، من أنَّه بالطبع هناك مزايا لتولِّي شخصٍ جديد مهمة المفاوضات، لكن هذه المزايا لها حدود.

وقال: "الإسرائيليون والفلسطينيون محترفون في إرهاق المبعوثين بتفاصيل لا تنتهي، لقد فعلوا ذلك بأكثر المفاوضين خبرةً".

ويقول ثرال وآخرون ، وفقاً للصحيفة الأميركية، إنَّ الجهود الجديدة تُعرِّض نتنياهو لمخاطر أكبر مما تفعل بعباس.


مدى الثقة بصهر ترامب


زيارة كوشنير استقبلها نتنياهو بمنشور على فيسبوك يوم الثلاثاء 20 يونيو/حزيران، قال فيه: "بعد 20 عاماً، يُشرفني أن أكون أول رئيس وزراء يتمكن من بناء مستوطنة جديدة في يهودا والسامرة"، مستخدماً المصطلح التوراتي للضفة الغربية، وتفاخر قائلاً: "لم يكن هناك، ولن تكون هناك حكومةٌ أفضل من حكومتنا في مسألة الاستيطان".

وظل الفلسطينيون يؤيدون جهود ترامب علانيةً وفقاً للصحيفة الأميركية، وتضيف: "مع قولهم إنَّهم يدركون أنَّ غرينبلات وكوشنر على الأرجح ليسا حليفين للفلسطينيين؛ إذ يعتنق كلاهما الديانة الأرثوذوكسية اليهودية، ويرجع أصلهما إلى مدينة نيويورك، وكلاهما صهيوني ملتزم ولديهما تاريخ من المواقف الداعمة لإسرائيل".

وطلب كوشنر وغرينبلات من كلا الجانبين أن يخبراهما بما يريدانه، وبالاتفاق الذي يرغبان في التوصُّل إليه، وقال الفلسطينيون إنَّهم مستعدون لتقديم رؤيتهم بالتفصيل، وكان عباس واضحاً فيما يريده وهو يقف بجانب ترامب في أثناء لقائهما بمدينة بيت لحم الشهر الماضي: يريد دولةً ذات سيادة على حدود ما قبل عام 1967، وتكون عاصمتها القدس الشرقية.

وقال بعض مساعدي عباس إنَّه خلال لقائه ترامب، فحص الرئيسان الخرائط.

ونقلت صحيفة Washington Post عن مسؤول فلسطيني يستعد لرحلة كوشنر، وطلب عدم الإفصاح عن هويته، قوله: "ولكنَّنا لسنا متأكدين من أنَّ نتنياهو يمكنه إخبار فريق ترامب بالنقطة الرئيسة والأهم في المفاوضات، ولا أنَّه سيفعل ذلك. هل يمكن لنتنياهو أن ينطق عبارة (دولتين)؟".

وكان البيت الأبيض قد أصدر بياناً قبل الرحلة يؤكد فيه أنَّ ترامب "يؤمن إيماناً قوياً بإمكانية تحقيق السلام"، وأنَّه "أرسل أقرب مستشاريه" لقيادة هذه الجهود.

ونبَّه البيت الأبيض إلى أنَّ التوصُّل لاتفاق سلامٍ تاريخي كهذا، سيستغرق وقتاً.

وقال سالاي ميريدور، وهو سفيرٌ إسرائيلي سابق لدى الولايات المتحدة، إنَّ منهج ترامب في إشراك قادة المملكة العربية السعودية، ومصر، والأردن في هذا المزيج، قدَّم حوافز جديدة للطرفين.

وأضاف ميريدور أنَّه يأمل أن يُشارك الفلسطينيون في المفاوضات بجدية، وأنَّ من مصلحة إسرائيل التوصل إلى اتفاق.

تقول الصحيفة الأميركية: "يعتقد معظم الإسرائيليين، وضمنهم ميريدور، أنَّه إذا بدأ نتنياهو المشاركة بعمقٍ في المفاوضات، واستخدام إيماءاتٍ توحي ببناء الثقة بينه وبين الفلسطينيين، فسينهار ائتلافه الحاكم، وسيتوجب تعيين شركاءٍ جدد في الحكومة، وأغلب الظن أنَّهم سيكونون من حزب العمل".

أمَّا بالنسبة للبيت الأبيض، فقال ميريدور: "أعتقد أنَّ الرغبة إيجابية، وأتمنى أن يحضروا ومعهم مقومات الجدية. سيحتاجون إلى التحلي بالأمل، والصبر، والمثابرة. سيستغرق الأمر وقتاً طويلاً، ورغبةً في استثمار الكثير من الجهود حتى حينما تكون النتيجة المحتملة أقل من المتوقَّع".