قيل إن أعمدته جُلبت من معابد فرعونية.. مسجد "الطنبغا المارداني" درَّة مملوكية مهملة بالقاهرة

تم النشر: تم التحديث:
EZZAT HISHAM
مسجد الطنبغا المارداني | other

لم يسمع سكان القاهرة غالباً عن هذا الجامع التاريخي الجميل الذي سرق اللصوص منبره في غفلة من الجميع، فالجامع الذي يعود تاريخ بنائه لعام 740هـ/1340م؛ أي قبل بناء جامع السلطان حسن بـ20 سنة.

ويقع مسجد "الطنبغا المارداني"، في حي الدرب الأحمر متوسطاً المنطقة الشعبية الواقعة بين الجوامع التاريخية الأزهر والسلطان حسن والرفاعي وحديقة الأزهر الحالية.






من هو الأمير الطنبغا المارداني؟


كان الأمير علاء الدين الطنبغا المارداني الساقي، أحد مماليك السلطان الناصر محمد بن قلاوون، اشتراه صغير السن وأكرمه ورقّاه وصاهره، وصار له مكانة عنده ومال، فبنى جامعاً كبيراً على الطراز المملوكي وهو الجامع الكبير المغمور الذي لا يزال يحتفظ باسمه لليوم بعد مرور قرابة الـ7 قرون.

وعمل الطُنبُغا المارداني، ساقياً في بلاط السلطان وكان وسيماً طويلاً كريماً كما تقول صفته، ورقّاه السلطان ليكون من أمراء الجيش السلطاني وعينه رئيساً الطبلخانة (الموسيقى العسكرية)، ثم قربه وزوّجه إحدى بناته، لكن أخاها السلطان المنصور حبسه بعد وفاة السلطان الناصر، ثم أفرج عنه بعد سنة حينما تولى السلطنة ابن الناصر الآخر، وولاه بعدها السلطان الصالح إسماعيل نيابة حماة ثم حلب التي استمر بها حتى وفاته سنة 1343 في العشرينات من عمره كما تقول المصادر.


وصف الجامع


ويقول المؤرخ المقريزي إن مهندس جامع المارداني هو المُعلم ابن السيوفي رئيس المهندسين في أيام الناصر قلاوون، وهو الذي أشرف على بناء المدرسة الأقبغاوية بالأزهر.

وبني الجامع على طراز العمارة المملوكية، التي تتميز بصحن مكشوف تحيط به 4 إيوانات تكون مع الصحن المسجد المربع الشكل، ويتكون الإيوان الأمامي من 4 أروقة تعتبر المصلى الأساسي الذي يحتوي على المنبر وحائط القبلة والمحراب المزخرف بالرخام، والخزف، والصدف، والنقوش البديعة التي تشبه نقوش الجوامع المملوكية عادة؛ مثل جامع السلطان حسن الكبير والجامع الأقمر ومجموعة جوامع قلاوون المميزة في شارع المعز لدين الله الفاطمي بالقاهرة.

وتقع في منتصف الصحن فسقية رخامية للوضوء، مقام فوقها قبة خشبية محمولة على أعمدة خشبية تحمي المتوضئين من أشعة الشمس في أثناء جلوسهم للوضوء بالصحن.

يتميز الجامع ببوابته الكبيرة التي يدخل منها المصلون إلى الصحن عبر باب خشبي صغير، وتقع الميضأة الخشبية وسط الصحن، وتطل على الإيوانات الأربعة أبواب تتخلل السياج الخشبي الذي يشبه سياج جامع الأزهر الخشبي. ويغطي الإيوان سقف خشبي منقوش بزخارف هندسية إسلامية ملونة، وتقع منصة المؤذن الرخامية في الإيوان الأمامي وتشبه منصة جامع السلطان حسن، لكنها أصغر حجماً.

ولا تشبه بعض أعمدة الجامع بعضها، فالكثير منها مستدير وبعضها الآخر مضلع الشكل ومحمول على قواعد مختلفة الشكل، ويقال إن بعضها تم جلبه من معابد فرعونية قديمة، لكن لا توجد أدلة على ذلك.

ويعاني الجامع الإهمال الشهيد، وتعرض للسرقة عدة مرات، ولا تزال أرضيته بها شقوق وكسور ومفروشة بحصر بسيطة، كثيراً ما تكون غير نظيفة، وكذلك تحتاج الحوائط والنقوش الأثرية والكتابات المزخرفة لترميم ورعاية.


الغيطاني مع المارداني




attnbghaalmardany

يحكي الروائي المصري جمال الغيطاني قصته مع جامع الطنبغا المارداني، أن علاقته به تجاوزت الـ55 عاماً؛ إذ كان يصلي فيه الجمعة بصحبة والده، متأملاً مستطيلات الرخام وعلاقة الجزء والكل المميزة، فكل جزء قائم بذاته من مفردات عمارة المسجد، لكنه متصل بالآخر مهما كان ضئيلاً، ويلي هذه المستطيلات الرخامية زخارف نباتية، وأعمدة صغيرة زرقاء قرب النهاية.

يصف الغيطاني دلالتها الصوفية، فيقول: "هنا يلوح اللون الأزرق، لون السماء، لون الأبدية، اللانهاية، ثم نرى آية قرآنية، سورة النور، ظهور القرآن يعني الدنو من الحد الأخير، هكذا الطريق إلى الله، مراحل ومجاهدات. الجزء الأخير من المحراب يسميه المعماريون الطاقية أو الحنية، ولكننى أفضل مفهوم العين، إن التجويف يشبه مقلة العين، عين واحدة لواحد فقط".

وعن المنبر الخشبي المسروق، يقول الغيطاني إن "المنابر الخشبية في العصر المملوكي مصدر بهجة، وهذه الثلاثية من المنابر كانت كنوزاً للجمال، بما حفر عليها من زخارف"، والثلاثية المقصودة هي "منبر مسجد ألجاى اليوسفي، ومنبر مسجد الطنبغا المارداني الذي فكه اللصوص وسرقوا حشواته، ومنبر مسجد قجماس الإسحاقي المعروف بمسجد أبو حريبة، المطبوع على ورقة النقد فئة الخمسين جنيهاً".


قصة المسجد


وينقل الغيطاني قصة بناء الجامع التي دونها المقريزي، ذاكراً ملاحظة طريفة؛ فالمسجد الذي افتُتح يوم الجمعة 24 رمضان سنة 740هـ (مارس/آذار 1340م) لم يحصل خطيب الجمعة فيه على مقابل ولا حتى هدية".

ويضيف الغيطاني، "المثير هنا تناقض الوسائل مع الأهداف، فمعظم السلاطين والأمراء لجأوا إلى المظالم والنهب من أجل بناء المساجد التي يتقربون بها إلى الله سبحانه وتعالى، من الوقائع الغريبة التي أذكرها، ما يتعلق بمسجد السلطان الغوري، الذي استولى على مواد كثيرة، منها أعمدة وألواح رخام، لبناء مسجده، عندئذ أطلق عليه المصريون (المسجد الحرام)، فى إشارة ساخرة إلى مظالم السلطان لبناء مسجده".