مضاربة وإشاعات وتشكيك في البنك المركزي بالرباط.. غموض يشوب تعويم الدرهم في المغرب

تم النشر: تم التحديث:
CENTRAL BANK OF MOROCCO
Stringer . / Reuters

في مؤتمره الصحفي يوم 20 يونيو/حزيران 2017، الذي أعلن فيه تعويم الدرهم المغربي، تخلى حاكم بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، عن العبارات السلسة والتقنية التي عادة ما يستعملها حكّام البنوك المركزية.

الجواهري احتج على ما اعتبره "هجوم المضاربة" (التي تُعد أهم الأسباب المؤدية إلى انهيار العملة في أي بلد)، الذي شنته البنوك التجارية في المملكة ضد الدرهم. وفي هذا الصدد، صرح بأنه "غاضب من التشكيك في مصداقية البنك المركزي"، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة Afrique La Tribune الفرنسية.

اعتبر الجواهري، وفقاً للصحيفة الفرنسية، أن البنوك المغربية كثفت، وبطريقة مبالغ فيها، من عمليات التحوط (وهي طريقة للتعويض عن التعرض لتقلبات أسعار العملة) بالعملات الأجنبية مع العملاء في الأيام الأخيرة. وقد أدى ذلك إلى استفادتها من هامش سعر الصرف بالعملات الأجنبية. كما ساهم ذلك أيضاً في نشر إشاعة انخفاض قيمة العملة المغربية.

وتضيف الصحيفة أنه ونتيجة لذلك، هرعت الشركات إلى مكتب العملة؛ لإجبار البنك المركزي على مراقبة المعاملات المالية بدقة. وتهدف هذه المراقبة أساساً إلى التأكد من أن هذه العمليات لا تندرج ضمن المضاربة (بالعملة)، وإنما تُمثل أنشطة "طبيعية"، تشمل دفع أرباح الأسهم أو تسوية المعاملات التجارية.


إشاعات


وتعد عملية تعويم العملة في بلد ما، حدثاً كبيراً قد يرافقه تحليلات وإشاعات تخويفية، وهو ما حدث بالفعل بالمغرب، عندما بدت حركة توليد الشائعات ناجعة جداً، ذلك أنها سرّعت في بروز ثم تعزيز الشكوك إزاء اعتماد تعويم الدرهم.

هذا الأمر دفع الجواهري للتحدث شخصياً مع رؤساء البنوك المغربية ليطلب منهم وقف دوامة الإشاعات، حسبما أوردت الصحيفة الفرنسية.

"لا يوجد أي خطر من تخفيض العملة"


ونقلت الصحيفة الفرنسية عن مصدر لم تسمه، أنه لن يكون هناك أي خطر، إذا اعتزمت البلاد تخفيض قيمة عملتها حتى مع ارتفاع قيمة الاحتياطي النقدي. ومن وجهة نظر فنية بحتة، لا يوجد مبرر لقرار تخفيض العملة، خاصة أنه اتُّخذ بصفة طوعية، في بلد يمتلك احتياطيات نحو 6 أشهر من النقد الأجنبي، وخط ائتمان من صندوق النقد الدولي كفيل بحمايته من الأزمات الخارجية الدورية.

هذا الأمر أشار إليه الجواهري بشكل غير مباشر في مؤتمره الصحفي؛ عندما قال: "المغرب يتوفر على إجراءات وضمانات، للحد من الانعكاسات السلبية المتوقعة لقرار التعويم، خصوصاً أنه حصل على قرض مالي العام الماضي، من صندوق النقد الدولي ضد الأخطار".

وتضيف الصحيفة الفرنسية: "ومع ذلك، وفي حال تم التخلي عن سيناريو تخفيض قيمة العملة تماماً، فإنه لا يُمكن استبعاد تطبيق برنامج إصلاح على الدرهم بعد تعويمه. ومن المتوقع أن يدفع ذلك ببعض الشركات الكبرى وبنوكها إلى التعبير عن رغبتها في تطوير أدوات التحوط".

وخلافاً لذلك، إذا تم اعتماد هذا الإصلاح "التقني"، فإن نسب نجاحه ستظل ضئيلة جداً وفقاً للصحيفة الفرنسية، باعتبار أن البنك المركزي المغربي قد اختار انتهاج تعويم "جزئي وتدريجي" للدرهم، لن تظهر نتائجه إلا بعد سنوات طويلة. بعبارة أدق، ما زال خطر انخفاض قيمة العملة المغربية مقارنة باليورو أو بالدولار قائماً.


عجز البنك المركزي عن التواصل مع العملاء


على الرغم من أن المسؤولية قد ألقيت على عاتق البنوك في المستجدات الاقتصادية الأخيرة على الساحة المغربية، فإن الأحداث الأخيرة تظل مسؤولية مشتركة. وفي هذا الصدد، نقلت الصحيفة الفرنسية عن مسؤول كبير سابق بالبنك المركزي المغربي، تحول حالياً للعمل في القطاع الخاص، (وتمكنت صحيفة أفريك لاتريبين من التحدث إليه)، قوله إن "مسؤولية هذا (التفاعل التسلسلي) أو الحمّى التي اجتاحت السوق تعود إلى البنوك التجارية التي ربما أرادت (اختبار) آراء عملائها حيال أدوات التحوط الجديدة".

كما أضاف المصدر نفسه أيضاً أن "البنك المركزي المغربي يتحمل، هو الآخر، جزءاً من هذه المسؤولية؛ لأنه لم يولِ الأهمية الإعلامية الكافية لهذا الإصلاح الرئيس، ولم يعمل على إقناع الرأي العام بجدواه وإيجابياته. وقد أدى ذلك إلى ترك المجال مفتوحاً أمام منتقدي تعويم الدرهم، الذين اغتنموا الفرصة لتطوير نظريات شبيهة بنظريات المؤامرة".

علاوة على ذلك، بيّن هذا المسؤول السابق أن "هذا الإصلاح جيد في مجمله؛ لأنه تمكن من حصد توافق آراء الفاعلين الرئيسين في هذا المجال، بما في ذلك الجهات المانحة متعددة الأطراف من ناحية أخرى، سمح هذا الإجراء للمملكة المغربية بتغيير وضعها المالي والبروز كقوة اقتصادية هامة داخل القارة، منفتحة على العالم، ومصممة على التحول إلى (التنين الإفريقي الجديد). ولكن كان على بنك المغرب تصدُّر خط المواجهة والتواصل مع الرأي العام، بدلاً من ترك البنوك التجارية تشرح هذا البرنامج الإصلاحي لعملائها".