هل تُغير تركيا مواقفها الداعمة لقطر؟.. أردوغان يهنِّئ بن سلمان وهذه خيارات أنقرة بعد أن أصبح ولياً للعهد

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

كانت أنقرة قد حاولت إقامة علاقات وثيقة مع محمد بن سلمان، ولي العهد الجديد، خلال الفترة السابقة. ولكن يأتي توقيت تنصيبه ولياً للعهد وسط أخطر الأزمات التي شهدتها المنطقة العربية منذ عقود، ليعني أن على تركيا اتخاذ موقفٍ شديد التوازن والحساسية إن أرادت الحفاظ على علاقات ودية مع القوة الإقليمية الأكثر هيمنة وتأثيراً (السعودية)، حسبما يرى مراقبو العلاقات الخليجية– التركية.

في الوقت نفسه، لا يعتقد المحللون أن علاقات تركيا الوثيقة بمحمد بن نايف، المعفى حالياً، ستشكل عائقاً أمام العلاقات المستقبلية بين البلدين، حسب تقرير لموقع "ميدل إيست آي" البريطاني.

وقال مصدر مقرّب من الحكومة التركية لميدل إيست آي "إن تعيين محمد بن سلمان لا يعني أوقاتاً عصيبة بالنسبة للعلاقات التركية السعودية، إلا أنه سيكون على أنقرة تقديم بعض التنازلات، خاصة فيما يتعلق بموقفها من قطر".

ونقل ميدل إيست آي عن هذا المصدر قوله "لقد اتبعت الحكومة التركية سياسة متزنة تجاه الخليج، إلى أن جاءت الأزمة الأخيرة المتعلقة بقطر، إذ تجاهل الرئيس رجب طيب أردوغان كلَّ الطلبات التي قُدمت له بضرورة التريث قبل الدخول في الأزمة الخليجية.

وكانت مجموعة من الدول العربية بقيادة السعودية –ومن ضمنها مصر والإمارات والبحرين- قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، في الرابع من يونيو/حزيران 2017، فارضةً عقوبات عليها، كما اتهمتها بدعم الإرهاب ومغازلة إيران، وهي المزاعم التي رفضتها الدوحة.

وعقب اندلاع هذه الأزمة، دعا الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى تدخل العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي وصفه بـ"كبير الخليج" لإنهاء الأزمة الجارية بين دول الخليج وقطر، التي قال إن ما تتعرض له خلالها "لا يتوافق مع الإسلام".

ووصف أردوغان العقوبات على قطر بأنها "خطأ فادح"، مضيفاً: "ليس من الصواب منع وصول الأكل والشرب عن الناس، أو عزلهم أو منع سفرهم، هذا لا يتوافق مع الإسلام أو الإنسانية، قطر لا تدعم الإرهاب بل تحاربه وتحارب داعش، ونحن نتعاون معها لتحقيق ذلك".


لماذا دعمت تركيا قطر؟


وفقاً لميدل إيست آي، يمثل ما وصفه الموقع بالتقدير القطري -إن لم يكن الدعم- للحركات الإسلامية المنتشرة في المنطقة، مثل الإخوان المسلمين في بعض الدول وحماس في غزة، جوهراً لهذه القضية.

لذا كان القرار التركي بمساندة قطر والدعوة إلى حل الأزمة قراراً يسيراً، إذ ساند كلا البلدان الحركات الإسلامية التي تصدَّرت المشهد خلال الربيع العربي في 2011.

وتُمثل حماس والإخوان المسلمون بالنسبة لأنقرة، حكومات منتخبة ديمقراطية تعرضت لإجراءات غير ديمقراطية.

بينما ينظر السعوديون لتلك الحركات ذاتها باعتبارها تهديداً وجودياً.

بعد اشتعال الأزمة مع قطر، سارعت أنقرة إلى التصديق على اتفاقيتين عسكريتين تم التوقيع عليهما بين تركيا وقطر، للسماح بإنشاء قاعدة تركية عسكرية في المملكة، وتدريب القوات القطرية.

الأسبوع الماضي، وصل عدد غير معروف من مدرعات الجيش التركي إلى قطر لتعزيز وجود 90 جندياً تركياً. كما سارعت تركيا إلى نقل أطنان من المواد الغذائية جواً إلى الدولة، التي قُطعت خطوطها البرية والجوية.

إلا أنه مع صعود بن سلمان إلى السلطة، قد تُضطَر تركيا لاتخاذ موقف أكثر وضوحاً، بطريقة أو بأخرى، حسب "ميدل إيست آي".

ويسود اعتقاد بأن العملية العسكرية السعودية في اليمن، والحملة على قطر هي مشروعاتُ بن سلمان.

من ناحية أخرى، تشعر أنقرة ببعض القلق إثر التقارير التي تنقلها وسائل الإعلام التركية عن تهديد السعوديين بدعم الجماعات الكردية في سوريا، إن استمرت أنقرة في دعمها لقطر.

وقال محمد زاهد غول، الصحفي المتخصص في العلاقات التركية السعودية، لميدل إيست آي، إن أنقرة ستحتاج لتعديل مواقفها إن أرادت استمرار العلاقات الجيدة مع المملكة.

وأوضح قائلاً "في اجتماع خاص ببضع صحفيين في الرياض منذ عدة أشهر، أوضح محمد بن سلمان أن مخاوفه الكبرى تتمثل في الإسلام السياسي والإخوان المسلمين ومن يساندهما".

وتابع: "ستحتاج الحكومة التركية إلى إدراك هذه الحساسية إن أرادت الحفاظ على العلاقة مع محمد بن سلمان".

وكان أردوغان قد هنأ الأربعاء، 21 يونيو/حزيران 2017، الأمير محمد بن سلمان باختياره ولياً للعهد.

كما أعلن فِي الْيَوْمَ التالي الخميس، 22 يونيو/حزيران 2017، أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحدث هاتفياً مع العاهل السعودي الملك سلمان وولي العهد الجديد، الأمير محمد بن سلمان، واتفقوا على زيادة الجهود لإنهاء التوتر بشأن قطر. وأكد الزعماء عزمهم على تقوية العلاقات التركية السعودية، وهنأ أردوغان الأمير محمد بن سلمان على تعيينه ولياً للعهد.

وقالت مصادر داخل مكتب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إنه أجرى اتصالاً هاتفياً مع العاهل السعودي الملك سلمان وولي العهد الجديد الأمير محمد بن سلمان، واتفق الطرفان على زيادة الجهود لإنهاء التوتر بشأن دولة قطر.

وذكرت المصادر أن المحادثات جرت مساء الأربعاء، وأن الزعماء أكدوا عزمهم على تقوية العلاقات التركية السعودية. كما هنأ أردوغان الأمير محمد بن سلمان على تعيينه ولياً للعهد.

وأضافت المصادر في بيان "تم الاتفاق على زيادة الجهود من أجل إنهاء التوتر في المنطقة بشأن قطر".

وقالت إن أردوغان والملك سلمان اتفقا أيضاً على إجراء محادثات مباشرة في اجتماع لمجموعة العشرين في هامبورغ الشهر المقبل.


لماذا ترجح أيديولوجية محمد بن سلمان الصدام؟


على الجانب الآخر، يرى زكريا كورسون، أستاذ ورئيس قسم التاريخ في جامعة السلطان محمد الفاتح بإسطنبول، أنه من غير المرجح أن تغير تركيا موقفها تجاه الأزمة القطرية، بالرغم من صعود بن سلمان.

ونقل ميدل إيست آي عن كورسون، مؤلف كتاب (العثمانيون في قطر)، قوله "أوضحت تركيا أن علاقاتها مع السعودية ومع قطر هي قضايا منفصلة، لن تؤثر على بعضها. لا أظن أن أنقرة ستسحب تأييدها لقطر بسبب تعيين بن سلمان ولياً للعهد".

ويرى كورسون أن النهج الأيديولوجي لبن سلمان، خاصة فيما يتعلق بمعارضته لإيران الشيعية وأنصار الإخوان المسلمين (مثل تركيا وقطر) في اعتقاده، سيحمل تأثيراً واضحاً في المستقبل القريب.

وتابع أيضاً "بالطبع ينتهج بن سلمان نهجاً أيديولوجياً واضحاً، وبوصوله إلى ولاية العهد، سيتصرف كملك ويدفع أيديولوجيته إلى الصدارة، إلا أنها ستحمل تأثيراً إقليمياً واسعاً، لا مجرد تأثير ثنائي، وسيكون على تركيا تعديل سياساتها الإقليمية".

أما على المدى الطويل، فيرى كورسون أن بن سلمان سيتعلم أن الحصول على السلطة مختلف عن السعي إليها "سيكون على بن سلمان التحول من التفكير التكتيكي إلى التفكير الاستراتيجي، وبالتالي كبح جماح أيديولوجيته".


تركيا ومحمد بن نايف


مرَّت أنقرة والرياض بفترة من العلاقات المضطربة، عقب الإطاحة برئيس مصر المنتخب ديمقراطياً، بالانقلاب الذي قاده عبد الفتاح السيسي بدعم سعودي في 2013. ومن المعتقد أن الأتراك سعوا إلى محمد بن نايف، الذي لعب دوراً جوهرياً في تهيئة العلاقات بين أنقرة والرياض بعد وصول الملك سلمان للعرش.

وقال غول إنه لا يظن أن هذه الرابطة الوثيقة مع الوريث السابق ستؤثر على مستقبل العلاقات التركية السعودية.

وأضاف "لقد كان محمد بن نايف موجوداً لوقت طويل. وكان ملجأ الجميع في القضايا الأمنية الإقليمية منذ 11/9، لا لتركيا فقط، بل للجميع. وهذا لا يعني أن تركيا ساندت واحداً ضد الآخر على الإطلاق".

وقال المصدر المقرب من الحكومة "على مدار الثمانية عشر شهراً الماضية، وجهت الرئاسة التركية دعوات متعددة لبن سلمان للزيارة، إلا أنه لم يقبل إحداها بعد. كان واضحاً لتركيا مثلما اتضح للجميع أنه كان القوة الصاعدة، لذا تأكدت من أن أي وفد زائر لبن نايف، قد زار بن سلمان كذلك".

بالرغم من ذلك، يرى غول أن النهج الذي تبنته القيادة التركية فيما يتعلق بأزمة الخليج يجب تعديله سريعاً.

وقال "إن الحديث عن الحياد والرغبة في التفاوض لأجل حل الأزمة هو موقف جيد، لكن كيف يمكنك ذلك، إن كنت تتحدث عن الأزمة باستخدام كلمات سيئة وغير حقيقية مثل "الحصار"؟ بحسب وصفه.

وتابع "كان بإمكان رجب طيب أردوغان بحكم كونه الرئيس الحالي لمنظمة التعاون الإسلامي الانطلاق في جولة خليجية للوصول إلى حل للأزمة. من كان سيرفض زيارته؟ كانت هذه فرصة حقيقية ضائعة".

على عكس هذا الرأي، يرى الكاتب الصحفي التركي فهمي طاشتكين، أن تركيا رأت في الإجراءات ضد قطر أنها هي أيضاً مستهدفة بعد فشل أردوغان في نزع فتيل الأزمة عبر اتصالاته الهاتفية.

ويضيف طاشتكين في تقرير لـ"بي بي سي"، أن أنقرة توصلت إلى قناعة مفادها أن الأمر لن يستغرق طويلاً حتى يحين دورها، وتكون الهدف التالي للحملة الخليجية، لأن أنقرة لا تخفي تأييدها لجماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس الفلسطينية، وتستضيف قادة هاتين الجماعتين على أراضيها، إلى جانب تطابق سياسة البلدين في الملف السوري، وكل الحجج التي أوردتها السعودية والإمارات لاتهام الدوحة بتأييد "الجماعات الإرهابية" يمكن تكييفها بسهولة لتنطبق على تركيا.

ووفقاً لميدل إيست آي فإن العديد من المحللين يرون أن الأزمة الخليجية قد تفضي إلى فوضى إقليمية. وسيكون على أنقرة الحذر من المواقف التي تتبناها في المنطقة، التي لم تعد إلى الانخراط في سياساتها إلا خلال الخمسة عشر عاماً الأخيرة.

"ما من أزمة بين تركيا والسعودية. على أنقرة فقط تبني موقف أكثر حيادية بعد وصول محمد بن سلمان لولاية العهد".