نيويورك تايمز: السعودية تُغيِّر تسلسل حُكامها لتمكين أمير شاب وسط انزعاج لأفراد من العائلة الملكية

تم النشر: تم التحديث:
R
ر

أصدر الملك السعودي سلمان، الأربعاء 21 يونيو/حزيران، قراراً بتعيين ابنه محمد بن سلمان، البالغ من العمر 31 عاماً، ليصبح ولي العهد، وهو ما يزيد من تمكين الزعيم الشاب في الوقت الذي تعاني فيه المملكة انخفاضاً في أسعار النفط، وخصومةً مع إيران، وصراعاتٍ عديدة في الشرق الأوسط.

ويأتي قرار إعفاء ولي العهد السابق محمد بن نايف، البالغ من العمر 57 عاماً، من منصبه في ظل انزعاج بعض أفراد الأسرة المالكة من صعود الأمير الشاب، الذي صعد إلى الأضواء بعد فترةٍ من الغموض النسبي حين جلس والده، البالغ من العمر 81 عاماً، على العرش في يناير/كانون الثاني من عام 2015، وفقاً لما نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

ومنذ ذلك الحين، حاز محمد بن سلمان صلاحياتٍ واسعة في المملكة الغنية، التي تُعَد حليفاً مُهماً للولايات المتحدة، في ظل تعيينه في منصب وزير الدفاع، وإشرافه على شركة النفط الحكومية أرامكو، والعمل على إصلاح الاقتصاد السعودي.

ويُثني أنصار محمد بن سلمان عليه، واصفين إياه بأنه مثالٌ على العمل الجاد، وعلى تقديم رؤيةٍ مُبشِّرة لمستقبل المملكة، لاسيما بسبب عدد الشباب الهائل بين سكانها. بينما وصفه نُقَّاده بأنَّه عديم الخبرة ومتعطش للسلطة.

وأدت عملية إعادة تنظيم التسلسل الملكي إلى إنهاء مسيرة الأمير محمد بن نايف، الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية، وكان يحظى باحترامٍ كبير من معظم السعوديين وحلفائهم الخارجيين بفضل تفكيك شبكات تنظيم القاعدة داخل المملكة.

وأسفرت مراسيم الملك سلمان الصادرة يوم الأربعاء عن تجريد الأمير محمد بن نايف من مكانه في تسلسل خلفاء الملك، ومن منصبه كوزير الداخلية كذلك، وتعيين الشاب عبدالعزيز بن سعود بن نايف بدلاً من عمّه في مقعد الوزارة، بحسب تقرير سابق لهاف بوست عربي.

يُذكَر أنَّ السعودية هي واحدةٌ من الممالك المُطلقة القليلة المتبقية في العالم، ويضع هذا الشكل من أشكال الحُكم جميع القرارات الرئيسية في يد الملك، وهو ما استغله الملك سلمان لتمكين ذريته.


صعود سريع


وكان صعود الأمير محمد بن سلمان السريع قد أثار شكوك العديد من متابعي الشأن السعودي حيال رغبة والده في أن يجعله الملك القادم، ومنذ تولي الملك سلمان الحُكم، سرعان ما تولى ابنه الأمير الشاب بعض أهم الملفات البارزة في المملكة.

وبصفته ولي ولي العهد سابقاً، قاد محمد بن سلمان تطوير خطة واسعة النطاق تحمل اسم "رؤية 2030"، تسعى لتقليل اعتماد البلاد على النفط، وتنويع اقتصادها، وتخفيف بعض القيود الاجتماعية المُحافظة في المملكة.

وبصفته وزير الدفاع، كان مسؤولاً بشكلٍ رئيسي عن تدخل المملكة العسكري في اليمن، حيث تقود السعودية تحالفاً من دول عربية حليفة في حملة غاراتٍ جوية تهدف إلى إخراج المتمردين الحوثيين من العاصمة، وإعادة الحكومة التي عزلها الحوثيين للحُكم.

وأحرزت هذه الحملة تقدماً محدوداً في أكثر من عامين، واتهمت بعض منظمات حقوق الإنسان السعوديين بقصف المدنيين، وتدمير اقتصاد اليمن، التي كانت أفقر دولة في العالم العربي بالفعل، والتسبب في تفاقم أزمةٍ إنسانية بفرض حصارٍ جوي وبحري على البلاد.

ويتخذ محمد بن سلمان موقفاً متشدداً تجاه إيران، إذ قال في لقاءٍ تلفزيوني أجراه الشهر الماضي إنَّ الحوار مع السُلطة الشيعية كان مستحيلاً لأنَّها تسعى للسيطرة على العالم الإسلامي.

وقال محمد بن سلمان: "نحن هدفٌ رئيسي للنظام الإيراني"، متهماً طهران بالسعي للسيطرة على الأماكن الإسلامية المُقدَّسة في المملكة. وأضاف: "لن ننتظر حتى تصير المعركة في المملكة العربية السعودية، بل سنعمل على نقل المعركة إليهم في إيران".

يُذكَر أنَّ السعودية وإيران تقفان على جانبين متعارضين من الصراعات القائمة في البحرين، وسوريا، واليمن، بينما تسعى كل دولةٍ منهما للحد من نفوذ الأخرى في قارتي إفريقيا وآسيا، ومنطقة الشرق الأوسط.

وانخفضت أسعار النفط، الأربعاء، لتستمر في انهيارها مع تراجع سعر مؤشر خام النفط الدولي (برنت) بنسبة 1% ليصل إلى حوالي 45.50 دولار للبرميل. ومع ذلك، فعلى المدى الطويل قد تُسفر صلاحيات الأمير محمد بن سلمان المتزايدة في أكبر دولة مُصدِّرة للنفط في العالم عن نتائج لها تأثيرٌ كبير.

وكانت الأسرة المالكة في السعودية قد تركت عملية صناعة الطاقة لمجموعةٍ من التكنوقراطيين، ولكنَّ الأمير محمد بن سلمان تولى دوراً أكثر مُباشَرة.


انتقادات


وظهرت أبرز الانتقادات التي يواجهها محمد بن سلمان بسبب قيادته عملية الطرح العام الأولي لأسهم شركة النفط الحكومية العملاقة "أرامكو" السعودية، وهي الشركة المتكتمة للغاية التي عززت اقتصاد المملكة، وولَّدت ثروةً طائلة على مدار عقود، فضلاً عن تصريحاته بشأن سياسة إنتاج النفط التي بدت أحياناً أنها تُسيء إلى مسؤولين سعوديين أكثر خبرة في مجال الطاقة.

وقال بول ستيفنز، وهو مُحلِّلٌ متخصص في شؤون النفط بمنطقة الشرق الأوسط في مؤسسة "تشاتام هاوس" البحثية التي يقع مقرها في لندن، عن محمد بن سلمان: "المشكلة أنَّه شخصٌ لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، ولا نعلم هوية الشخص الذي يعتمد عليه في استقاء المشورة".

وتأتي ترقية الأمير محمد بن سلمان في وقتٍ حرج تمر به صناعة النفط السعودية.

إذ إنَّ عمليات تخفيض معدلات الإنتاج التي انتهجتها منظمة الدول المُصدرة للبترول (أوبك)، والتي ساهم السعوديون مساهمةً كبيرة في التوصل إلى الاتفاق الخاص بها العام الماضي، أخفقت حتى الآن في دعم الأسعار، ولم تترك للسعوديين وبعض الدول الأخرى الكبرى في إنتاج النفط سوى عددٍ قليلٍ من الخيارات المُناسبة.

ويُمكن للدول الرئيسية في تصدير النفط تخفيض الإنتاج بمعدلاتٍ أكبر، أو يُمكن للسعوديين العودة للسياسة التي اتبعوها في عام 2014، وهي السماح بانخفاض أسعار النفط، ما سيُجبر المُنتجين الأصغر والأقل ربحاً على الخروج من السوق، وبالتالي، يستحوذ السعوديون على حصةٍ أكبر من السوق كما حدث آنذاك.

وأثناء فترة صعوده، سعى الأمير محمد بن سلمان لبناء علاقة إرشاد وتوجيه مع الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد مدينة أبوظبي في دولة الإمارات. وقد عمل الرجلان جنباً إلى جنبٍ مؤخراً لعزل قطر، متهمين إياها بالإرهاب، لكنَّ الدوحة تنفي هذه التهمة.

واتبع محمد بن سلمان سياسةً فريدة من نوعها بالنسبة للمملكة التي عُرفت بالخصوصية والتكتم على مر التاريخ، إذ أجرى لقاءاتٍ مع وسائل إعلام غربية، وأجرى رحلاتٍ إلى الصين، وروسيا، والولايات المتحدة حيث التقى الرئيس ترامب في مارس/آذار الماضي.

لكنَّ تحركات والده لتمكينه أثارت غضب أفرادٍ آخرين في أسرتهما، الذين وجدوا أنفسهم مُهمَّشين لصالح الأمير الشاب الذي لم يكن يحظى بخبرةٍ عسكرية أو تجارية كبيرة قبل عام 2015.

ووصفت وسائل إعلام سعودية هذه الخطوة بأنها تعديلٌ مُنسَّق، وقالت إنَّ التعديل حظي بموافقة 31 عضواً من أصل 34 من أعضاء مجلسٍ مُكوِّن من كبار الأمراء، وبثَّت مشهداً مصوراً للأمير محمد بن نايف وهو يُبايع خليفته.

وكان نَجم الأمير المُقال قد خفت، بينما لمع نجم ابن عمه الأصغر. وبصفته رئيساً سابقاً لوزارة الداخلية القوية، والمسؤولة عن الأمن الداخلي، قاد الأمير الأكبر حملةً ضد تنظيم القاعدة في المملكة على مدار العقد الماضي، وكانت تربطه علاقاتٌ وثيقة بمسؤولين في أميركا ودول غربية أخرى.

وفي عام 2009 أُصيب الأمير محمد بن نايف حين فجَّر شخصٌ مُسلِّح، كان قد جاء إلى قصره زاعماً أنَّه يريد تسليم نفسه، قنبلةً مُخبأةً في فتحة شرجه. وقال بعض الأشخاص الذين التقوه مؤخراً إنَّ آثار الإصابة لا تزال ظاهرةً عليه، مع أنَّه لم يتضح ما إذا كانت هذه الآثار قد لعبت دوراً في قرار الملك باستبداله.