التحالف أسقط طائرات للنظام وطهران ردت بصواريخ بالستية.. هل تشعل المعركة شرق سوريا مواجهة بين أميركا وروسيا وإيران؟

تم النشر: تم التحديث:
B
ب

كان التحرّك العسكري حول بلدة الطنف، وهي بلدة سورية تقع على الحدود العراقية، على مدار الشهر الماضي علامةً مُبكّرة على أنَّه وبينما كانت القوى المتنازعة تسارع للاستيلاء على أراضي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) شرقي سوريا، فإنَّ المنطقة أصبحت مكاناً محتملاً لنشوب مواجهةٍ دولية.

وبينما تقدّمت قوى النظام السوري تجاه قاعدةٍ عسكرية يستخدمها الجنود الأميركيون لتدريب فصائل المعارضة لمحاربة داعش، ألقت طائراتٌ نفّاثة تابعة للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة منشوراتٍ تحمل تحذيراً صارماً: "أيُّ تحركٍ تجاه الطنف سيُعَدُّ عدواناً ترد عليه قواتنا.. لقد دخلتم منطقةً آمنة، اخرجوا منها فوراً"، وفق تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية.

وتجسّدت المخاوف من نشوبِ مواجهةٍ يوم الأحد، 18 يونيو/حزيران، عندما أسقطت الولايات المتحدة طائرةً حربية سورية قال البنتاغون إنَّها كانت تقصف مناطق قرب ميليشياتٍ سورية كردية تدعمها الولايات المتحدة في إقليم الرقّة، تبعه في اليوم التالي إسقاط طائرة أخرى بدون طيار، وفق تقرير نشره هاف بوست عربي أمس.

وفي اليوم ذاته، أطلقت إيران صواريخ باليستية موجّهة لسوريا للمرة الأولى مستهدفةً داعش، لكنها كانت أيضاً استعراضاً للقوة بقصد إيصال رسالة للولايات المتحدة، ولعدوّتها الإقليمية السعودية.

r

ومن ثَمَّ هددت روسيا، التي تدخلت عسكرياً في الحرب السورية المستمرة منذ 6 أعوام دعماً للرئيس السوري بشار الأسد كما فعلت إيران، باستهداف الطائرات الحربية التابعة للتحالف الأميركي المُحلِّقة شرق نهر الفرات، وفق ما ذكر تقرير سابق. ووجدت أستراليا هذا التهديد جاداً بما يكفي لإعلان تعليق الهجمات الجوية في سوريا من جانبها "كإجراءٍ احترازي".

ويقول المحللون إنَّ تصعيداً كهذا كان حتمياً في ظلّ تحويل حشود القوات المقاتلة في سوريا انتباهها للمناطق الواقعة تحت سيطرة داعش في الشرق. وقد تجنّبت الولايات المتحدة، منذ اندلاع الحرب السورية عام 2011، الدخول في مواجهةٍ مباشرة مع النظام السوري، واكتفت بتقديم الدعم بشكلٍ غير منتظم للمعارضة السورية، والتركيز عسكرياً على قيادة التحالف القائم على محاربة الجهاديين.

وقلّما اشتبكت قوات سوريا الديمقراطية أيضاً، وهي في غالبها ميليشيات كُرديّة سلّحتها الولايات المتحدة ودرّبتها، مع قوات النظام السوري. لكنها توّرطت عدة مرّات في الأسابيع الأخيرة الماضية في نزاعٍ مع جماعاتٍ موالية للحكومة شرقي سوريا. وأسقطت الولايات المتحدة طائرةً بدون طيّار قرب الطنف يوم الثلاثاء، 20 يونيو/حزيران، وهي الحادثة الثانية من نوعها هذا الشهر، وتؤكد أميركا أنها ستستمر في تنفيذ الهجمات ضد داعش.


من يستولي على الرقة؟


وأحد الأسئلة المهمة في هذا السباق المميت للاستيلاء على الأرض هو: من سيستولي على الرقّة، المدينة التي تحمل قيمة رمزية هائلة كونها العاصمة الفعلية لتنظيم داعش، وتقع على الحدود بين سوريا والعراق. ويقول أحد دبلوماسيي المنطقة إنَّ الولايات المتحدة تنوي استخدام وكلائها الإقليميين لتأمين الطريق السريع الواصل بين بغداد ودمشق، ما سيمكّنها من احتواء النفوذ الإيراني، وفي الوقت ذاته سيمكّنها من امتلاك ورقة للمساومة لاستخدامها في المحادثات التي ستُقام عاجلاً أم آجلاً لتحديد مصير سوريا.

لكنَّ الرئيس السوري بشار الأسد، الذي رفض أي اقتراحاتٍ لانتقال السلطة السياسية، يعمل بيأس لإعادة فرض سيطرته على البلاد بعد أنّ أصبحت له اليد العليا في الحرب الأهلية، وهذا بعد سقوط آخر معقل للمعارضة في حلب ديسمبر/كانون الأول الماضي.

وقال كريس هارمر، وهو محلل بارز في معهد دراسات الحرب بواشنطن: "كان تصاعد حدة التوتّر بين الولايات المتحدة والدولة السورية حتمياً، طالما تستمر الولايات المتحدة في دعم قوات سوريا الديمقراطية، التي تعمل على فرض سيطرتها على مناطق من الأرض السورية بدورها. وهو ما ستُحارب الحكومة السورية لمنعه. بينما تسعى إيران للاستيلاء على مناطق قريبة من الحدود العراقية قبل أن تصل إليها الولايات المتحدة وحلفاؤها".

لكنْ يضيف هارمر أنَّ نظام الأسد لا يمتلك قوةً عسكرية كافية للاستيلاء على الرقّة، أو للتقدّم عسكرياً على أكثر من جبهة، فهو يَعتمد على القوة الجوية الروسية، والدعم الأرضي من القوات الإيرانية، والميليشيات الأجنبية الشيعية المدعومة من قبل إيران.

وبالنسبة لإيران، فإنّ المعارك الدائرة في الشرق شديدة الأهمية لتأمين ممرٍ برّي يصل بين إيران ولبنان، حيث توجد ميليشيات حزب الله الشيعية المدعومة من قبل إيران، مروراً بالعراق وسوريا.

وتقول لينا خطيب، وهي محللة في معهد تشاتام هاوس البحثي، إنَّ رغبة طهران في زيادة نفوذها الإقليمي ليست شيئاً جديداً، لكنَّ الكثير قد أصبح على المحك بعد انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، وذلك بسبب آرائه تجاه إيران. وقد حذّر ترامب طهران قائلاً إنَّها "قد حُذِّرَت من عاقبة أفعالها، وسعى لحشد حلفائه العرب لاحتواء نشاطات إيران العسكرية في المنطقة.

وتصيف لينا: "كانت الإدارة الأميركية السابقة أكثر تساهلاً مع نشاطات إيران في سوريا".

وأيّد الساسة الإيرانيون شنّ هجوم يوم الأحد الماضي باعتباره ضروريّ لإيصال رسالة لخصوم إيران. وفي الأسبوع الماضي قال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إنَّ الولايات المتحدة "ستعمل في سبيل دعم العناصر الموجودة داخل إيران التي ستقود عملية الانتقال السلمي للحكومة الحالية". وفي إيران، فُسِّر هذا بأنَّ واشنطن تريد الضغط لتغيير الحكومة الإيرانية.

وقال السياسي الإيراني محمد صادق جوادي حصار: "ستساعد تلك القذائف إيران في الحفاظ على توازن القوى في المنطقة، وذلك بإرسال تحذيرٍ واضح لبعض اللاعبين أنَّهم قد يكونون الهدف القادم لإيران. وهذا قد يزيد من مخاطر حدوث مواجهة بين إيران والولايات المتّحدة، لكنَّ تهديدات أميركا قد تتصاعد إذا لم نستعرض قوّتنا".

سوريا شديدة الأهمية بالنسبة لروسيا أيضاً، التي تمتلك قواعد جوية وبحرية في البلاد، والتي استخدمت النزاع السوري لتوسعة نطاق نفوذها في المنطقة.

وفي دليلٍ على التوتّر الأميركي الروسي، قالت الضابطة ميشيل بالدانس، المتحدثة باسم البنتاغون، إنَّ طائرةً روسية مقاتلة قد اقتربت إلى درجةٍ غير آمنة من طائرة استطلاع أميركية فوق بحر البلطيق يوم الإثنين، 19 يونيو/حزيران، في نفس اليوم الذي هدّدت فيه موسكو باستهداف طائرات التحالف الأميركي في سوريا.


تغيّر في مسار الأمور


وقال جون فينابل، وهو خبيرٌ بشؤون الدفاع في مؤسسة هيريتيج: "ما نراه الآن هو تغيّر في مسار الأمور، إذ تصدّرت الولايات المتحدة الوضع مجدداً (في سوريا)، وعليه سنشهد تصعيداً، وسيثير الأمر حفيظة الكثيرين".

وأضاف: "سنرى الروس يردّون من جانبهم بالدخول في لعبة من الكر والفر، وقد تقع حادثة ما، لكنِّي لا أرى إمكانية لحدوث مواجهة مفتوحة ومباشرة".

ومن جهة أخرى، يحاول الآخرون فكّ طلاسم استراتيجية ترامب في سوريا على المدى الأبعد.

وقال وضَّاح عبدربه، وهو شخصٌ مقرّب من النظام السوري ورئيس تحرير جريدة الوطن: "يريد ترامب أن يُعلن هزيمة داعش من على منبر البيت الأبيض. لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ هل ستبقى قواعدهم العسكرية؟ ماذا سيفعلون بالمناطق الواقعة تحت سيطرتهم؟".