كيف تكون للدوحة اليد العليا في أزمة الخليج؟ "ميدل إيست آي": قطر تمتلك أوراقاً أكثر وأفضل

تم النشر: تم التحديث:
SH
ش

كان لحصار قطر، الذي تقوده السعودية والإمارات بالفعل أثر اقتصادي، فقد أوقفت قطر، ثاني أكبر منتجٍ للهيليوم في العالم، الإنتاج في مصنعيها للهيليوم لأنَّه لا يمكنها تصدير الغاز براً.

ولم يعد كذلك بمقدور الخطوط الجوية القطرية أن تُحلِّق بعد الآن لـ18 وِجهة. وتأثَّرت البنوك القطرية، خصوصاً بنك قطر الوطني، أكبر بنوك المنطقة أصولاً، وبنك الدوحة: وكلاهما لديه شبكاتٌ مُكثَّفة عبر البلدان الأعضاء في دول مجلس التعاون الخليجي، وفق ما ذكر تقرير لموقع ميدل إيست آي البريطاني.

ويُستبعَد أن تتنازل قطر قريباً. فما زال لديها الكثير من الأوراق لتعتمد عليها، مثل صندوق ثروتها السيادية، أي جهاز قطر للاستثمار، الذي يمتلك ما يُقدَّر بـ213.7 مليار دولار وفقاً لمعهد التمويل الدولي. ويأتي رأس المال الأساسي لهذا الصندوق من صادرات قطر من النفط والغاز.

وتُمثِّل عائدات الطاقة نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي لقطر، و85% من عائدات صادراتها، و70% من عائداتها الحكومية. وربما تؤثر هذه الأزمة على عقود الإمارة في مجال الطاقة على المدى الطويل وكذلك المتوسط؛ إذ يُنوِّع المستوردون وارداتهم ليصبحوا أقل اعتماداً على الغاز القطري.

ويقول رودي بارودي، الرئيس التنفيذي للشركة القابضة للطاقة والبيئة، وهي مؤسسة استشارية مستقلة (مالك الأسهم الرئيسي في الشركة هو جبر بن يوسف بن جاسم آل ثاني، المدير العام للأمانة العامة للتخطيط التنموي)، إنَّه حين يتعلَّق الأمر بالنفط، فإنَّ الأفضلية تكون في صف المجموعة التي تقودها الرياض: فقد تجاوزت السعودية مؤخراً روسيا لتصبح أكبر منتجٍ في العالم، بينما الإمارات هي من بين أكبر 10 منتجين.

وقال بارودي: "لكن حين يتعلَّق الأمر بالغاز، فإنَّ قطر تمتلك أوراقاً أكثر وأفضل".

وبإمكان الدوحة استخدام الطاقة كأداةٍ دبلوماسية لصالحها: والطريقة التي ستقوم بها بذلك ستكون حاسمة في محاولاتها للخروج من العاصفة الحالية.

gulf crisis


كيف ستشحن قطر صادراتها؟


تُعَد قطر أكبر مصدِّر للغاز الطبيعي المُسال في العالم، وتسيطر على نحو ثلث تجارته العالمية، ووفقاً للاتحاد العالمي للغاز، بلغت صادراتها نحو 77.8 مليون طن عام 2016. وحتى الآن لم تكن هناك أي معوِّقاتٍ لعمليات الاستخراج والتصدير القطرية باستخدام ما يزيد على 60 ناقلة من ناقلات الغاز المُسال التي تعود ملكيتها لشركة نقل الغاز القطرية (ناقلات).

ويُشحَن معظم الغاز القطري المُسال عبر ناقلات النفط. وفي حين لا توجد أية تقارير عن توقُّف الشحنات النفطية، إلّا أنَّ هناك تخوُّفاً بشأن الطرق القطرية إلى آسيا، المشتري الرئيسي لمعظم نفطها، تماماً كما هو الحال بالنسبة لمعظم صادرات الخليج.

على مدار الأعوام الماضية، كان المشترون الآسيويون يطلبون مزيجاً من النفط الخام من الخليج: ففي العادة كان المشتري يغادر الإمارة حاملاً نفطاً قطرياً، ثُمَ يتوقف لإعادة التزوُّد بالوقود وإضافة خامٍ سعودي، وإماراتي، وعُماني، وعادةً ما يكون ذلك في موانئ دولة الإمارات.

ويقول كريم ناصيف، المدير المساعد في وكالة ستاندرد آند بورز في دبي: "إذا لم يُسمَح لهم بالتوقُّف لإعادة التزوُّد بالوقود كما تذكر بعض التقارير، فإنَّ ذلك قد يؤثر على المشترين الذين ينتظرون مجموعةٍ متنوعة من خامات النفط".

وذكرت صحيفة "التليغراف" البريطانية أنَّه جرى تعديل مسار سفينتي غاز مُسال مُتوجِّهتين إلى المملكة المتحدة بسبب الأزمة، لكنَّ بارودي يقول إنَّ تلك ليست مشكلة. ويضيف: "إذا كانت التقارير صحيحة، فهي مجرد نتيجة ثانوية للطريقة التي تتعامل بها الشركات العالمية مع الحصار الذي تقوده السعودية، عن طريق التصرُّف بطريقةٍ تخلو من المخاطرات".

ويضيف: "فلنفترض أنَّ شركة "أ" كانت تُخطِّط لنقل غازٍ طبيعي مُسال من قطر إلى الإمارات، لكنَّ الأخيرة الآن تمنع السفن القطرية من الرسو والتفريغ. قد يتمثَّل حينها رد فعل الشركة "أ" في إرسال حاملة غاز طبيعي مُسال موجودة في دولة ثالثة لتقوم بعملية النقل بدلاً من ذلك، ثم تعيد تعديل طريق حامِلة أو اثنتين آخريين لتتأكَّد من تزويد جميع الزبائن بالغاز".

ويقول ناصر التميمي، خبير الطاقة القطري المستقل، إنَّ السيناريو نفسه ينطبق على مصر، والتي من الممكن أن تمنع الناقلات القطرية من استخدام قناة السويس؛ أو ترفع الرسوم على السفن القطرية. ويقول بارودي: "قد يلتف القطريون حول ذلك عبر حاملاتٍ مُسجَّلة في أماكن أخرى، مثل جزر مارشال، أو تحويل بعض شحناتها المتَّجهة إلى أوروبا عبر جنوب إفريقيا".

ويقول إنَّ خطواتٍ كتلك قد تضيف نحو نصف دولار لتكلفة كل وحدة حرارية بريطانية (المليون وحدة حرارية بريطانية تعادل 28.26 متر مكعب من الغاز)، لكنَّ القطريين يمكنهم التعامل مع ذلك، حتى لو اضطّروا لتحمُّل التكلفة بدلاً من المستهلك.

وتعتقد مصادر داخل صناعة الشحن أنَّ بعض الصفقات قد تُلغى أو تؤجَّل، وقد ظهرت تقارير من شركات تأمينٍ وبتروكيماويات تقول إنَّ 17 شاحنة غاز طبيعي مسال ترسو الآن في ميناء رأس لفان لتصدير الغاز الطبيعي المُسال، وهو عددٌ أعلى كثيراً من المعتاد الذي يتراوح بين 6 أو 7 شاحنات.


هل ستنظر الأسواق الآسيوية إلى مكانٍ آخر؟


يتجه معظم الغاز القطري المُسال إلى شرق آسيا، ويستبعد مُحلِّلون أن يتغيَّر ذلك قريباً.

ويقول ثيودور كاراسيك، المستشار البارز في شركة "غولف ستيت أناليتيكس" للاستشارات: "الغاز القطري المُسال لا يتأثَّر بالعقوبات والحصار، ببساطة لأنَّ دول الخليج تسعى إلى علاقةٍ جيدة مع شركائهم في شرق آسيا".

وقال إنَّه في حال أوقفت السعودية والإمارات صادرات الغاز المُسال إلى آسيا، فإنَّ هؤلاء الزبائن ربما لا يرغبون في الاستثمار في برامج تهدف لتحويل اقتصادات الإمارات والسعودية، مثل استراتيجيات رؤى 2030 (لدى عدد من دول الخليج رؤى استراتيجية لعام 2030).

وأضاف: "الغاز القطري المُسال ببساطة لا يمكن استبداله. وسيبدأ الغاز المُسال الأسترالي في أن يكون له تأثير على الأسواق العالمية بحلول نهاية هذا العقد، لكنَّ ذلك يعني درجةً إضافية من التنافس في الأسواق فحسب، وليس الاستبدال".

gulf crisis


هل ستغلق قطر خط أنابيب رئيسياً؟


أحد السيناريوهات التي من شأنها أن تُعمِّق الأزمة أكثر هو إغلاق خط أنابيب غاز دولفين، الذي يمتد بين قطر وبعضٍ من أشد منتقديها.

وفي حين يُخصَّص ثلثا الغاز القطري المُسال لآسيا وأوروبا، فإنَّ نحو 10% منه مُخصص للشرق الأوسط. ويُعد اثنان من أسواق التصدير (الكويت وتركيا) آمنين بسبب العلاقات السياسية الجيدة بينهما وبين قطر.

لكنَّ البلدان الأخرى (مصر، والإمارات) من بين الدول التي تحاصر قطر حالياً. وإذا ما زادت الرياض والإمارات من الحصار، فإنَّ ذلك قد يُثير تساؤلاتٍ حول مستقبل خط الأنابيب.

وتحصل مصر على ثلثي احتياجاتها من الغاز، نحو 4.4 مليون طن عام 2016، من قطر بعقودٍ طويلة الأجل وبالأسعار الفورية. وتوجد القاهرة بصورةٍ قاطِعة في المعسكر السعودي، لكنَّها لم تُوقِف شحنات الغاز.

ويقول بارودي: "منذ اندلعت الأزمة، استمرت مصر في قبول شحنات الغاز القطري على متن سفنٍ ترفع أعلام دولٍ أخرى (غير قطر). كما يواصل 300 ألف مصري الذين يعيشون ويعملون في قطر حياتهم كما كانت في السابق.

ويقول: "لا تريد أي دولةٍ منهما أن تحرق الجسور بينهما دون سببٍ وجيه، خصوصاً مصر، التي مؤخراً فقط تجنَّبت خطر الإفلاس بسبب الهبات المالية القطرية"، وذلك في إشارةٍ إلى 6 مليارات دولار قدَّمتها قطر لمصر في أعقاب الثورة المصرية عام 2011.

لكنَّ خط أنابيب دولفين، الذي يحمل الغاز القطري إلى الإمارات وعُمان، هو أكثر القضايا إثارةً للجدل. وبحسب التقرير الإحصائي الصادر عن شركة بريتش بتروليوم لعام 2016، تستورد الإمارات 17.7 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي من قطر، أي ما يعادل أكثر من ربع إمدادات الغاز إلى الإمارات.

وأشارت قطر، بحسب تقرير سابق لهاف بوست عربي، إلى أنَّ توريد الغاز عبر خط دولفين إلى الإمارات سيستمر. وليس لدى الدوحة أي سيناريو لتغيير موقفها في هذا الشأن.

وكان كلا الطرفين سيخسر كثيراً لو كان الغاز قد توقَّف، خصوصاً في الصيف حين يكون توليد الطاقة في ذروته للحفاظ على عمل مُكيفات الهواء. ومن شأن وقف الإمدادات القطرية أن يكافئ إيقاف روسيا إمداد أوكرانيا بالغاز في يناير/كانون الثاني 2009.

وستواجه الإمارات انقطاعاتٍ فورية واسعة النطاق في الكهرباء بدون تلك الإمدادات. وإذا ما تعرَّض الإماراتيون لشحنات الغاز فإنَّهم يؤذون بذلك أنفسهم، وتنظر قطر إلى خط الأنابيب باعتباره خطاً دائماً، وليس شيئاً يمكن التلاعب به من أجل مكاسب سياسية قصيرة الأجل، وفق ما ذكر تقرير سابق لهاف بوست عربي.

ويقول مُحلِّلون إنَّ كلا الطرفين لديه خطط طوارئ في حال أُغلِق خط أنابيب دولفين، لكنَّ التميمي يقول إنَّ الإمارات ستجد صعوبةً في التعويض عن خسارة الغاز القطري.

وأضاف: "سيضطرون إلى استيراد غازٍ مُسال لا يمكن إرساله عبر خطوط أنابيب. وسيُكلِّفهم هذا ثلاثة أضعاف السعر الذي يحصلون عليه من القطريين. ولا يوجد سعر رسمي، لكنَّه يُقدَّر بين 1.6 و1.7 دولار لكل وحدة حرارية بريطانية، وبالتالي نحو 1.1 مليار دولار للإجمالي. وإذا كانت الإمارات ترغب في وقف الواردات القطرية، فسيكون عليها أن تدفع ثلاثة أضعاف هذا المبلغ بالسعر الحالي لأنَّ سعر الغاز الطبيعي المُسال مرتبطٌ يسعر النفط".

r


هل سيكون هناك استيلاء على الأراضي من جانب السعودية؟


يقول كاراسيك: "يمكن القول إنَّ خطة التحوُّل الوطني ورؤية 2030 ربما لا تسير على ما يرام. وبالإضافة إلى ذلك، قد لا تُحقِّق شركة النفط العربية السعودية أرامكو (التي تُقدَّر قيمتها بـ2.2 تريليون دولار) قيمتها المعلنة كاملةً. وإذا كان هذا هو الوضع، فإنَّ السعوديين سيحتاجون إذاً إلى مزيدٍ من الثروة، وسيكون عليهم أن يقوموا بذلك سريعاً. وبعبارةٍ أخرى، قد تبحث الرياض عن حصَّالة لسرقتها".

ويعتقد بارودي أنَّ الأزمة آخذةٌ في الهدوء، وأنَّها ستُحل قريباً. وأشار مُحلِّلون آخرون إلى صفقة المقاتلات الأميركية الاخيرة المُقدَّرة بـ12 مليار دولار مع قطر، لافتين إلى أنَّ الرياض والإمارات لن يعترضا طريقها. إذ تغطي قاعدة العديد الجوية الأميركية، التي تُمثِّل مقر القيادة المركزية الأميركية، 20 بلداً في المنطقة.

ويمكن أن تسهم القوات التركية، التي وصلت إلى قطر لإجراء مناوراتٍ تدريبية هذا الأسبوع، في التهدئة، بعد أن وقَّعت الدولتان اتفاقيةً دفاعية. وتمتلك أنقرة أكبر جيش موجود في المنطقة، ويُعَد وجوده بالقرب من الحدود السعودية (الحدود البرية الوحيدة لقطر) رادِعاً مهماً.

لكنَّ مُحلِّلين آخرين لا يرون أي علامةٍ على انحسار التوتُّر قريباً. ويتواصل الخطاب من الرياض والإمارات ضد قطر دون توقُّف. والأسبوع الماضي، طالبت الإمارات الولايات المتحدة بنقل قاعدة العديد الجوية خارج قطر.