5 أشهر من حُكم ترامب.. هكذا تراجعت مخاوف المسلمين قليلاً بفضل مواقف جيرانهم

تم النشر: تم التحديث:
R
ر

في الأسبوع الثالث من أول رمضانٍ يأتي تحت رئاسة دونالد ترامب، اجتمعت 7 عائلات مسلمة على الإفطار لإنهاء صيام اليوم في بيت رحبٍ بضاحية إيستون المُشيّدة حديثاً بمقاطعة نورثامبتون بولاية بنسلفانيا الأميركية التي أعطت أغلبية أصواتها لترامب.

وبعد مغيب الشمس، تناولت المجموعة وجبةً خفيفة أعقبتها الصلاة في قبو المنزل، في ركنٍ يواجه تلفازاً كبيراً وأريكة مريحة، وفقاً لما جاء في تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

ومع انتهاء الليلة، قرأ رضوان بات، رئيس اتحاد مسلمي إيستون-فيليبسبرغ، رسالةً أُرسلِت له في المسجد مؤخراً، عقب صدور تقاريرٍ إخبارية عن وقوع سرقة مالية نفّذها عامل صيانة غير تابعِ لهم.

كُتب في الرسالة: "مرحباً يا جاري، رأيت في الصحيفة خبراً يقول إنَّ رجلاً سرق مالاً منكم، أريد المساعدة بتعويض بعضٍ مما فُقِد. كُونوا بخير، (مُرفقة بتوقيع)".

قال بات: "لقد أرسلت لنا شيكاً، وبإمكاني الاستمرار في قصّ 100 حكاية مشابهة حدثت".

وأضاف أنَّ "الحكايات المشابهة" بدأت بالحدوث تباعاً في أواخر يناير/كانون الثاني 2017، بعد أن أعلن ترامب للمرة الأولى حظر السفر عن المسافرين القادمين من 7 دولٍ ذات أغلبية مسلمة، وهو ما عدَّله لاحقاً لتُصبح 6 دول فقط.

وتابع متحدثاً عن حظر السفر: "كان القرار نذير شؤم. فقد فهِمنا جميعاً أنّه لم يكن سوى بداية حملةٍ أوسع نطاقاً اُعلِن الهدف النهائي منها بوضوح شديد في أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية، وهو منع دخول مزيدٍ من المسلمين حتى (تتضح الأمور)، أياً كان ما تعنيه (تتضح الأمور)".

وأضاف: "تقدَّم الجميع لمساندتنا، كلّ من يمكنك تخيّله. فقد تلقيتُ رسائل في المسجد من جيران وأشخاص مهتمين في المجتمع، قالوا فيها: (نحن هنا بجانبكم، ولا نوافق على ما يحدث). وتلقينا عروضاً من أشخاص يريدون القدوم للمسجد للمساعدة في تأمينه وحمايته. واتّصلت بي سيدة قالت إنَّها مستعدة لإيصال نساء مجتمعنا لوجهاتهن بسيارتها حتى يشعرن بالأمان. وقالت إنَّها ستقتطع وقتاً من دوام عملها لتفعل ذلك".

وقال بات إنَّه عندما وصل إلى إيستون قبل 17 عاماً، كان هناك 5 إلى 10 عائلات مسلمة في الجوار على حد علمه. واليوم يصل عددهم إلى نحو 100 عائلة هناك، وأكثر من 1000 عائلة مسلمة في منطقة ليهاي فالي بأكملها.

b


لماذا عانى النساء بشكل أكبر؟


ومع ذلك، اعترف بات بأنَّ مقياس جودة الحياة قد تعرَّض لبعض العثرات أثناء حملة ترامب الانتخابية وبعدها.

فقال: "تعرَّضت بعض الأخوات، لأنهن رموز الإسلام الأكثر بروزاً، بسبب الملابس التي يرتدينها، للشتائم والمضايقة بأبواق السيارات، وأشياء من هذا القبيل وهنّ يمشين في الشارع. وتعرَّضت أيضاً إحدى الأخوات، وهي تُغطي نفسها بقدر أكبر من الأخريات، لبعض التعليقات السيئة عندما كانت تتسوَّق".

وأضاف: "لكن بخلاف ذلك، فالحمد لله لم يقع أي أذى جسدي. ولم يأت أحد ويرسم غرافيتي على جدران مساجدنا. ولم تتلق مساجدنا أية مكالماتٍ أو رسائل كراهية، لكن بعض أفرادنا تعرضوا لها في الشوارع".


هل خلق ترامب موجة تعاطف مع المسلمين؟


أشارت تقارير إعلامية متعددة إلى أن سياسات ترامب خلقت موجة التعاطف الضخمة داخل مختلف شرائح المجتمع الأميركي وبين رموز نخبته السياسية والثقافية مع المسلمين.

وفي هذا الإطار تساءل تقرير لموقع رصيف 22 "من كان يصدق أن نجمة تلفزيون الواقع الشهيرة كيم كاردشيان سيأتي يوم ونراها تدافع عن المسلمين وترفض وصمهم بالإرهاب؟ ومن كان يتوقع أن تبدي وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبريت استعدادها لإشهار إسلامها في حال قام ترامب بتسجيل قاعدة بيانات خاصة بالمسلمين فقط؟

قائمة التأييد والتضامن مع مسلمي أميركا، ضمت فنانين ومشاهير وكتاباً وعلماء وسياسيين وصحفاً كبرى ومؤسسات أكاديمية وجمعيات حقوقية ورجال أعمال وشركات كبرى، منهم المغنية ريهانا والمخرج مايكل مور وجامعة ميتشغان وأعضاء الكونغرس الديمقراطيون ومؤسس فيسبوك وشركات تويتر وجوجل وأبل.

حتى أن متظاهرين يهوداً انضموا إلى الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها محيطات عدد من المطارات الأميركية مؤخراً. هذا عدا الأحكام القضائية المعارضة لتنفيذ قرارات ترامب الأخيرة.


الغليان جعل كل هذا يطفو على السطح


لكن صحيفة الغارديان في تقريرها ترى أنت بالإضافة لهذا الجانب الإيجابي فقد أشعل الصعود السياسي لدونالد ترامب نار التوتّر العرقي، والإثني، والديني عبر الولايات المتحدة.

ولم تسلم منه مقاطعة نورثامبتون بولاية بنسلفانيا، التي أحرز فيها ترامب فوزاً كبيراً في نوفمبر/تشرين الثاني. وهي حكاية يقصّها عامٌ كامل من الحوادث البشعة، حسب الصحيفة.

وتشير القصص والمقابلات الصحفية لوقوع حوادث تنمُّرٍ وإطلاق ألقاب مُحرجة أو مسيئة في المدارس، وتضمَّنت استخدام كلمة "زنجي" المسيئة.

وظهور عدد من أعلام الكونفدرالية، (المُستخدم للتعبير عن الولايات التي رفضت الاتحاد الفيدرالي في البداية وحافظت على سيادة البيض ورفض تحرير العبيد خلال الحرب الأهلية الأميركية)، في الخريف الماضي مع اقتراب عملية الاقتراع.

كما تضمَّنت الأحداثً نشوب مشاجرات كلامية في أماكن العمل، أو تعبير زملاء العمل فجأة عن توجّهات عنصرية كانت خفية من قبل. والتفوّه بعباراتٍ مسيئة للمهاجرين. ومضايقة المحجبات في الشوارع. ورسم غرافيتي لصلبانٍ معقوفة (شعار النازية) على الحوائط. ومواجهات بشعة لم تكن لها مثيل من قبل.

ومن وقتٍ لآخر، تظهر إحدى هذه الحوادث في الصحف. ففي يناير/كانون الثاني 2017، وجّه المدّعي العام في المقاطعة تهمة التحرش عبر الإنترنت والترهيب على أساس العرق لطالبٍ أبيض بمدرسة سوكون فالي الثانوية، بعد أن نشر مقطع فيديو لنفسه وهو يستخدم كلمة "زنجي" ويمزح بشأن شيكات الإعانة الاجتماعية ودجاج كنتاكي فيما كان يُصوِّر طالباً أسود البشرة وهو يأكل أجنحة دجاج.

b


لماذا فاز ترامب هنا؟


وعلى مدار الأشهر الستة الماضية، أجرت صحيفة الغارديان البريطانية مقابلاتٍ في مقاطعة نورثامبتون لفهم أسباب فوز ترامب فيها بفارق 4 نقاط مئوية خلال انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني.

وكانت نورثامبتون إحدى مقاطعات 3 بولاية بنسلفانيا كانت قد انتخبت باراك أوباما مرتين قبل التصويت لصالح ترامب في الانتخابات الأخيرة.

لكن على خلاف المقاطعتين الأخريين، لوزيرن وإيري، كان المزيد من السكان، وعدد الوظائف، والقيمة العقارية تُضاف لنورثامبتون، مع أنَّ اقتصادها المحليّ لم يتعاف كلياً من إغلاق مصنع Bethlehem الضخم لتصنيع الصلب منذ 20 عاماً.

ومع أنّ التوتّر الاجتماعي هنا، مثله مثل باقي مناطق الولايات المتحدة، يسبق قدوم ترامب وأسلوبه الفظ بوقتٍ طويل، إلا أنَّه أصبح مرتبطاً في مجمله بشخص الرئيس، حسب تقرير الغارديان.

وتؤكد عشرات المقابلات التي أُجريَت مع سكان المقاطعة أنَّ حملة ترامب الانتخابية، وفوزه بالرئاسة، ومدة حكمه التي تمضي ببطء، قد تزامنت مع تزايدٍ ملموس في النشاطات والهجمات التي يحرّكها الانحياز العرقي أو الديني.

فقال لانس ويلر، رئيس فرع إيستون بولاية بنسلفانيا في الجمعية الوطنية للنهوض بالملوَّنين (NAACP): "نرى عدداً أكبر من أعلام الكونفدرالية (علم الولايات الجنوبية خلال الحرب الأهلية الأميركية) في عهد ترامب، هذا ما تراه بالفعل.

يتساءل ويلر: "هل يلعب العِرق دور المشكلة هنا؟ أعتقد ذلك. أعتقد أنَّ ترامب جعل الناس تخرج وتنتخبه بموجب اعتقاد أنَّ (أميركا ستصبح عظيمة مجدداً!) بمعنى: (لن تحكمنا أقلية مجدداً)".

لكنَّ حوادث التعصّب ليست سمةً للمكان، وهو ما يبذل السكان القدامى والجدد على حدٍ سواء ما في وسعهم لإيصاله.

وأوضح مؤيدو ترامب على وجه الخصوص - وهم عُمّال صلب سابقون، أو مسيحيون إنجيليون، أو نشطاء جمهوريون، أو موظفو الخدمات، أو ديمقراطيون سابقون، أو متعهِّدون، أو موظَّفون، أو خيَّاطون، أو سائقون، أو رجال أعمال، أو مُصفِّفي شعر - السبب الذي يجعلهم لا يظنون أنَّ العنصرية لعبت دوراً في نصر ترامب في المقاطعة.

فيقولون إنَّ الناس صوتوا لصالح ترامب لأنَّهم لم يحبوا منافسته هيلاري كلينتون ولأنَّهم كانوا متلهفين للتغيير، وليس على أساس التحيّز العِرقي. ويبدو أنَّ كُل مؤيدٍ سابق لكلينتون في المقاطعة لديه صديق أو عدة أصدقاء كانوا مؤيدين لترامب، والعكس صحيح.


ترامب يوقظ الأكاذيب والفحش


يتولى غاري آستيك قضايا الدفاع الجنائي الخاصة باتحاد الحريات المدنية الأميركي في إيستون، حيث وُلِد ومارس المحاماة طوال 40 عاماً.

يقول ستيك، وهو جالس على شرفة بمزرعة الدواجن الخاصة به الواقعة ببلدة لور نازاريث، حيث يعمل هو كمحامي البلدة: "أيقظ عهد ترامب شعوراً بأنَّ الحقيقة ليست مهمة، وأنَّ الأكاذيب مقبولة، وأنَّ العجرفة والفُحش يُقابل بالمكافأة، وأنَّ التنمُّر أسلوبٌ ناجح.

وأضاف: "ومن هنا يطفو التحقير العِرقي على السطح. ويصبح استخدام كلمة (زنجي) والإشارات الازدرائية الأخرى مقبولاً لأنَّ الأطفال يسمعونها تُقال في منازلهم. وهم يظنّون أنَّه يصبح مقبولاً أن تمد يدك على شخصٍ ما لأنّ الحشود تهلل عندما يقول ترامب (ألقوا بهم خارجاً)".

وأردف قائلاً: "الغليان جعل كل هذا يطفو على السطح".


كان أوباما في صفكم، والآن ترامب في صفنا


تحتضن مدينة إيستون، مقر مقاطعة نورثامبتون، 27 ألف نسمة، 14% منهم أميركيون من أصلٍ إفريقي، و14% آخرون من أصلٍ لاتيني، و67% فقط من ذوي البشرة البيضاء، مقارنةً بنسبة تصل إلى 88% منهم في المقاطعة بأكملها.

وتُعد إيستون موطناً للمجتمعات الإيطالية واليهودية القديمة، وبها أيضاً مجتمعٌ لبناني، وبعض من مجتمعات أوروبا الشرقية، وألمانيا وأيرلندا، بالإضافة إلى المجتمعات البروتستانتية الأنغلوسكسونية البيضاء. ويضم كذلك المجتمع الإسباني واللاتيني في إيستون الكولومبيين، والنيكاراغويين، والفنزويليين، والبورتوريكيين، والكوستاريكيين، والكوبيين.

وقال بوب فريمان، الذي نشأ في إيستون، وعمل كممثلٍ للدولة من المدينة منذ عام 1982: "لطالما كان مجتمعنا شديد التنوُّع، فتنوعنا يجعلنا نابضين بالحياة، ويمدنا بالحيوية. كما هيأ هذا التنوع المجتمع، في رأيي، لتكوين حزبٍ ديمقراطي تقدمي قوي جداً هنا".

لقد خسر ترامب خسارةً ذريعة في إيستون، وحصل في معظم الدوائر على نسبة بين 25% إلى 30% فقط من الأصوات. لكن، وحسبما قال فيل ديفيس، القس الذي كان مسؤولاً عن كنيسة شيلوه المعمدانية الكبرى، القائمة في جنوب المدينة منذ 12 عاماً، بعد أن قضى والده 30 عاماً في إدارتها من قبله: "كان هناك قلق بالغ من أن يتم انتخابه رئيساً" على مستوى البلاد بأكملها.

وبحسب قوله: "يبدو أنَّ ترشيح ترامب قد شجَّع من تعرَّض يوماً ما لتمييز عرقي وعجز عن التصريح بذلك على التعبير عن أفكاره. وقد نشبت فعلاً بعض الحوادث العنصرية، لذا كان علينا أن نحثهم على ألا يردوا عليها بالمثل، إذا كان الناس يثيرون الكراهية ضد مجتمع البشرة السوداء بالتحديد".

وأضاف: "أنت تعرف هذا النوع من المواجهات (حظيتم بأوباما، والآن لدينا ترامب)، وهذا أثار غضب وتساؤل الكثيرين عن السبب وراء هذا النوع من التصرفات".

ويتداول ذوو البشرة البيضاء أيضاً قصصاً مشابهة بشأن مواجهاتٍ مماثلة في أماكن العمل بمقاطعة نورثامبتون، فقد تحدَّث عامل سابق للصلب طلب عدم الكشف عن هُويته، عن خلافٍ مع سائق حافلة بيضاء تزايدت إهانته لأوباما مع تصاعد نجاح حملة ترامب.