فايننشيال تايمز: الخليج لم يعد واحة مترفة محصّنة من الاضطرابات.. وهذه هي التداعيات العالمية لأزمة قطر

تم النشر: تم التحديث:
B
ب

لم تمسّ أزمات الشرق الأوسط الدبلوماسية شعرة على جباه دول الخليج، لكن ذلك بدأ يتغير؛ فقد حذرت صحيفة فايننشيال تايمز البريطانية من أن الأزمة القطرية قد تنقل الاضطرابات من الدول العربية غير الخليجية للخليج المترف لأول مرة ، محذرة من تداعيات هذه الأزمة عالمياً.

وقال جدعون رخمن، رئيس تحرير الشؤون الدولية بالصحيفة: "في السنوات الست الماضية كان لدينا عالمان عربيان اثنان: أولهما عالم العنف والمآسي، والثاني عالم الأضواء البراقة والعولمة. عصفت النزاعات والحروب بكل من سوريا والعراق وليبيا وبدرجة أقل بمصر؛ في حين أن أبوظبي ودبي ازدهرت وصارت محطات ومراكز عالمية للتنقل والأسفار والعطلات ولدنيا المال والأعمال.

وأضاف: "لم تمس مدن الخليج المزدهرة قطرة من دماء العنف الذي سال في بقية الشرق الأوسط، لا بل لقد استفادت بشكل غير مباشر بتحولها إلى ملاذات آمنة في تلك المنطقة الهائجة".

لكن الجدار الفاصل بين العالمين العربيين بدأ يتداعى؛ فالسعودية والبحرين ومصر والإمارات قد فرضت حصاراً على قطر بزعم أن القطريين يدعمون الحركات الجهادية في أنحاء المنطقة خصوصاً في سوريا وليبيا. بالتالي، فقد تلاشى لتوّه السراب الذي كان يخيل للناظرين أن دول الخليج الثرية ستبقى في منأى ومأمن من نطاق النزاعات الأوسع في الشرق الأوسط، حسب المقال.


هل تشهد منطقة الخليج سقوطاً مدوياً؟


يقول الكاتب: "السؤال الذي يطرح نفسه بكل وضوح الآن هو: هل ستشهد دول الخليج سقوطاً مدوياً مهولاً يذهلُ له الكل مثلما ذهلوا لنهضتها الصاروخية المدهشة؟ إن كانت الأقدار تخبئ ذلك، فإن التداعيات المترتبة على ذلك ستكون عالمية الأبعاد.

ويجيب قائلاً: "من أحد الأسباب التي جعلت العالم ينظر ببرود إلى محنتي سوريا وليبيا فيما تتفككان هو أن أياً من هاتين الدولتين لا تملك دوراً بارزاً في الاقتصاد العالمي؛ أما بالنسبة لدول الخليج، فالأمر عكس ذلك، لأن أزمة أمنية هناك من شأنها أن تضرب وزارات اقتصاد دول بأسرها ومجالس إدارات عالمية طولاً وعرضاً".

فرغم صغر حجمهما، فقطر والإمارات تؤويان 2.2 مليون نسمة و9.1 مليون نسمة على التوالي، إلا أن لدول الخليج دوراً على خارطة الاقتصاد العالمي يفوق حجمها بكثير. فقطر أكبر مصدّر عالمي للغاز الطبيعي المسال، ولجهاز قطر للاستثمار أسهم كبيرة في شركات غربية مهمة مثل Volkswagen و Barclays كما له استثمارات بملياراته النفطية في أصول وممتلكات تعد من درر عقارات العالم مثل مبنى The Shard الأطول في لندن، ومتجر Harrods، ولا يفوتنا أن قطر على موعد مع استضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2022.

أما دبي من جهتها فاستغلت بذكاء وتحكمٍ قربَها من أوروبا وجنوب آسيا وإفريقيا وروسيا لكي تحول نفسها إلى ملعب الشرق الأوسط؛ فالبرج الأعلى ارتفاعاً في العالم، برج خليفة، يقف وسط مدينة دبي، كما أن طيران الإمارات واحدة من كبرى شركات الطيران في العالم. أما جهاز أبوظبي للاستثمار (أديا) فيتحكم بأصول تربو قيمتها على 800 مليار دولار، أي أنه ثاني أكبر صندوق سيادي في العالم، وأحد أكبر الملاك العقاريين في العالم أيضاً.

ثم نأتي إلى السعودية، أكبر وأقوى دول المنطقة، فمكانتها التي تتصدر إنتاج النفط العالمي لطالما عززت أهميتها بالنسبة للاقتصاد العالمي.

يعلق الكاتب على هذه الحقائق قائلاً: "يصعب التصديق بأن نخبة الخليج تجازف بحياة الترف والدعة المرفهة من أجل الخوض في نزاع؛ ولكن حتى لو نظرنا إلى ما قبل الأزمة القطرية، لوجدنا أن التوتر كان يدب ويتصاعد في المنطقة".

ووفقاً لتقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية فإنه مع فوضى الربيع العربي، الذي أدى لتساقط المستبدين كأحجار الدومينو، أدركت الأسرة السعودية الحاكِمة، إلى جانب باقي المَلكيات في العالم العربي، أنَّ الدور قد يأتي عليها تالياً. فدُبِّرت الثورة المضادة في الرياض، وكان هدفها الأول والأساسي هو حكومة الرئيس المُنتخب في مصر محمد مرسي. وكان مرسي أحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين، وهي حركة برهنت على أنَّها كانت القوة السياسية الوحيدة المتماسكة، والمُنظَّمة، والمنضبطة، والقادرة على الحلول محل الأنظمة العربية المتداعية.


دور السعودية


يقول رئيس تحرير الشؤون الدولية بالفايننشيال تايمز: "لقد انضم المسؤولون الغربيون إلى جوقة السعودية والإمارات في الشكوى من تمويل قطر للجهاديين في أنحاء المنطقة، لكن لو قلنا إن الملامة الوحيدة في هذا الخلاف هي الإرهاب لكان الكلام غير دقيق لأن السعوديين أنفسهم معروفون بتصدير وترويج الفكر "السلفي" الذي تعتنقه الحركات الجهادية".

ووفقاً للكاتب فإن السعوديين لطالما اغاظتهم مساعي قطر الناجحة بالعمل بشكل منفرد مستقل لاعبةً على الساحة الدولية، وهو ما يتمثل في رعايتها لقناة الجزيرة، التي أتاحت منبرها لجماعة الإخوان المسلمين الذين تمقتهم السعودية. كذلك ترى السعودية أن قطر تقربت كثيراً جداً من إيران.

ويشير إلى أن هذا الخوف من تصاعد النفوذ الإيراني في المنطقة هو أصلاً ما دفع السعوديين والإماراتيين لخوض غمار حرب اليمن في الجوار رغم كل التبعات الفادحة التي تكبدها المدنيون. لكن من أكثر تبعات حصار قطر مفارقة هو أن هذا الحصار قد يدفع البلاد نحو التقرب أكثر فأكثر من إيران.

أما الولايات المتحدة الأميركية، فلو كانت الظروف طبيعية لكانت بذلت قصارى جهدها لرأب الصدع وتهدئة الوضع الخطير بين حلفائها الخليجيين، لكن واشنطن اليوم ليست كواشنطن البارحة، والوضع هناك والظروف ليست كالمعهود؛ لقد اصطفّ ترامب مع الجانب السعودي في النزاع، ولعل البيت الأبيض بالفعل هو الذي منح الضوء الأخضر لهذا الحصار الذي تتزعمه السعودية أثناء زيارة ترامب للمملكة الشهر الماضي.

لكن في المقابل لزم كل من البنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية الحياد لأسباب ليس أقلها أن قطر تستضيف أكبر قاعدة جوية أميركية في الشرق الأوسط.

يقول الكاتب: "لقطر أن تشعر بالامتنان على الوجود العسكري الأميركي الكبير فيها، فلولاه لكان القطريون عرضة لاجتياح عسكري سعودي، وحتى لو تم ذلك، لما كان واضحاً هل لدى السعوديين والإماراتيين سيناريو واضح معقول لنهاية اللعبة عدا استسلام قطر الكامل.

إن لم يتوافر سيناريو معقول لحل الأزمة بسرعة فسيبقى شبح الحرب مخيماً وسيستفحل الضرر الاقتصادي الناجم عن الحصار ويستشري ليسمم المنطقة.

ويختتم مقاله بالقول: "بالنسبة لسكان وسياح الخليج كانت حروب الشرق الأوسط تستعر في بلدان لا يمرون إلا من فوقها، إذ ينظرون إلى الأسفل إليها من على ارتفاع آلاف الأقدام فيما يحلقون على متن طيران الإمارات أو الاتحاد متجهين إلى أوروبا أو الولايات المتحدة. لكن أزمة قطر تحمل إشارة إلى أن زمن المأمن من مآسي الشرق الأوسط وإبقائها بعيدة عن دول الخليج المزدهرة، لعله زمن ولى إلى غير رجعة".