بعد استهدافه قوات مدعومة من إيران.. هل يدفع ترامب المنطقة إلى صراع غير محسوب؟

تم النشر: تم التحديث:
ALTANF
social



كل الأحداث المتتالية في جنوب سوريا -لا سيما عقب إطلاق القوات الأميركية النار على قوات مدعومة من إيران لثلاث مرات في شهر واحد- تنذر بتدهور الأوضاع وتداعيها، فهل يفتح دونالد ترامب الباب لشن صراع مع طهران؟

خلال شهر مايو/أيار الماضي، فتحت القوات الأميركية النار على شاحنات تحمل مسلحي الميليشيات التابعة لنظام بشار الأسد، بعدما اقتربت من معسكر للقوات الأميركية يقع في معبر التنف جنوب سوريا، حيث تلتقي الحدود السورية مع العراقية والأردنية.

ويعمل 150 جندياً أميركياً في المعسكر على تدريب المقاتلين المحليين للتغلب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وفق ما ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية.

وتعاملت القوات الأميركية مع هذه القوات -التي تقول بأنها كانت مزيجاً من ميليشيات شيعية عراقية وسورية ويرافقها الداعم الرئيسي لها وهو قوات الحرس الثوري الإسلامي الإيراني- بشن ضربات جوية ضدهم.

هذه الأحداث صعّدت من أجواء التوتر، وأثارت قلقَ مراقبين ومسؤولين سابقين من أن يتحوَّل التدخُّل الأميركي إلى صراعٍ متفاقم غير مُخطَّط له.

ويبدو أن قوات الحرس الثوري الإيراني، لم تعبأ بأبعاد تقدّمها من المعسكر في معبر التنف. فقد حرص قاسم السليماني، قائد قوات القدس التابعة لإيران، على التقاطِ صورةٍ لنفسه مع قوات الميليشيا بالقرب من المعسكر الأميركي.

واتضح أن الطائرة بدون طيار (درون)، التي أسقطتها القوات الأميركية بعد أن ألقت قنبلة بالقرب منهم، كانت إيرانيةَ الصُنع.

وتختلف الآراء داخل الإدارة الأميركية حول حجم القوة ودرجة الخطر اللذين يستدعيهما الموقف.

وقُطِعَت العلاقات رفيعة المستوى التي كانت قد أنشأتها إدارة أوباما بين واشنطن وطهران. كما حافظ الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خطاب حملته الانتخابية الحماسي المعادي لإيران. وأجرى ترامب أول رحلة خارجية له منذ توليه الرئاسة إلى السعودية، منحازاً إلى الرياض، بما لا يدع مجالاً للالتباس، في صراعها مع إيران.

ونشر تريتا بارسي، رئيس المجلس الأميركي الإيراني الوطني، كتاباً خلال الشهر الجاري يحمل اسم "Losing an Enemy: Obama, Iran and the Triumph of Diplomacy" أو "خسارة عدو: أوباما، وإيران وانتصار الدبلوماسية".

وقال بارسي: "عبر التوجه إلى السعودية والإعلان عن تطبيق عزلةٍ شاملة حول إيران، لم يغلق ترامب الباب في وجه أي حوار شامل فقط، بل فتح باباً لحربٍ مُحتَمَلة مع إيران".

ويضيف: "لا يوجد أي جدال داخل البلاد بشأن هذا الأمر. ربما يبدو الأمر مصادفةً، لكن إذا راقبت الأحداث عن كثب، ستدرك أن التصعيد متعمدٌ للغاية".

وعلى الرغم من كل هذا، لكن ليس كل التوتر المتصاعد من صُنع ترامب وحده، إذ أن تطوُّر المعارك في سوريا والعراق يجرّ إيران والولايات المتحدة إلى صدامٍ.

وتقول الصحيفة البريطانية، إنه يُتوقع انهيار الاتفاق الضمني بين الطرفين، القائم على الامتناع عن العدوان المتبادل خلال الحملة العسكرية ضد عدو مشترك وهو تنظيم داعش، بمجرد سقوط معاقل تنظيم داعش في الموصل والرقة.


الحرب ما بعد داعش



وفي هذا السياق، يقول إيلان غولدنبرغ، وهو مسؤول سابق في وزارتي الدفاع والخارجية: "بينما يختفي تنظيم داعش من الخريطة، هناك خطرٌ يهدِّد بزوال التسامح، الذي أظهرته الجماعات المدعومة من إيران الشيعية والجماعات المدعومة من الولايات المتحدة لبعضهما البعض. يمكنك أن ترى كيف يتداعى كل شيءٍ بسرعةٍ كبيرة".

وأضاف غولدنبرغ: "وفقاً لما فهمته من حديثي مع مسؤولين داخل الحكومة الأميركية يعملون على هذه الملفات، فلا توجد إستراتيجيةٌ أساسية أو أي مشاورات بشأن هذه الأحداث، وهو ما يعد مشكلةً كبيرة. وهذا ما يرعبني".

وقالت جنيفر كافاريلا، الخبيرة في ملف الصراعات بمعهد دراسات الحرب: "إن الصورة الأكبر هنا هي صورة الحرب ما بعد داعش، حرب فرض السيطرة على المجال الأمني بعد استعادة الموصل. تتأهب إيران بالفعل من أجل المرحلة القادمة وشرعت في اتخاذ خطوات للفوز بها. لكن الولايات المتحدة لا تزال تسلط انتباهها على تنظيم داعش، إذ إنه يُمثِّل الأولوية الاستراتيجية الوحيدة بالنسبة لها في المنطقة".

ويُمثِّل قرار الولايات المتحدة بفتح جبهة قتال جديدة ضد تنظيم داعش في جنوب شرق الصحراء السورية وإنشاء معسكرٍ لقواتها عند معبر التنف، تحدياً بالنسبة للطموحات الإيرانية، التي تهدف إلى السيطرة على ممرٍ شرقي - غربي يبدأ من طهران ويمر بدمشق ثم لبنان. وكان هذا الممر سيعبر من التنف.

وقال نيكولاس هيراس، الخبير في شؤون المنطقة لدى مركز الأمن الأميركي الجديد: "يبدو أن الإيرانيين، والأسد، والميليشيات العراقية المدعومة من إيران قد عقدوا العزمَ على عدم السماحِ للولايات المتحدة بالسيطرة على مزيدٍ من المناطق في الصحراء السورية".

وحتى الآن، دعمت الولايات المتحدة موقعها في المنطقة عبر نشر نظام صواريخٍ متنقلة من طراز "هيمارس". لكن لم يتضح بعد إلى أي مدى ستمضي الولايات المتحدة قدماً للحفاظ على سيطرتها.

وقال روبرت مالي، وهو مسؤولٌ سابق رفيع المستوى في البيت الأبيض في ظل إدارة أوباما: "إن أخطر ثلاثة أماكن على وجه الأرض حالياً هي اليمن، والمنطقة الواقعة بين شرق سوريا وغرب العراق، وقاعات الكونغرس الأميركي".

وأضاف: "عند هذه المرحلة، ما أسمعه من الإيرانيين أنهم عاقدون العزم على اللعب بهدوء دون المبالغة في ردة فعلهم تجاه ما تفعله الولايات المتحدة الأميركية وإظهار أنهم يذعنون تماماً. لكن في مرحلةٍ ما، ربما يقول المرشد الأعلى: "سنفعل شيئاً ما حيال الأمر".


تغيير النظام الإيراني


وتقول إدارة ترامب إنها لا تزال تدرس ملف السياسة الإيرانية، لكن وزير الخارجية ريكس تيلرسون قال لمجلس الشيوخ خلال الأسبوع الماضي إن الولايات المتحدة "ستدعم عناصر داخل إيران، ما قد يؤدي إلى الانتقال السلمي للسلطة".

وتركَّزَ الحديث على التغيير السلمي، لكن بالنسبة للحكومة الإيرانية فإن هذا يعني العودة إلى أساليب تغيير الأنظمة الحاكمة، التي ميَّزت عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، كما يتعلَّق الأمر بذكرياتٍ أبعد من ذلك بكثير مثل الانقلاب العسكري الذي نُفِّذَ عام 1953 بتخطيطٍ من وكالة الاستخبارات الأميركية.

وردَّ وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف على نظيره الأميركي عبر تغريدةٍ تحدَّثَ فيها عن تداعيات التحقيقات الروسية التي تحوم حول إدارة ترامب وتثير قلقها، إذ كتب: "لمصلحتهم، ينبغي على المسؤولين الأميركيين القلق بشأن إنقاذ نظامهم بدلاً من محاولة تغيير النظام الإيراني، حيث أدلى للتو 75% من الناخبين بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية".

ويتزايد القلق بين حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا لأن إدارة ترامب قد اتخذت موقفاً ضد إيران قبل تحديد الإستراتيجية التي ستتعامل بها مع النفوذ الإيراني في المنطقة. وهناك مخاوف من أن يصبح الموقف الأميركي أكثر قوةً وخطورةً في الوقت الذي يشعر فيه ترامب بأن التحقيقات، بشأن علاقة حملته الانتخابية بروسيا، تحاصره.