أمهات تونسيات يكافحن التطرُّف بأفضل طريقةٍ مُمكِنة.. استخدمن تلك الحيلة المبهرة لإعادة أبنائهن إلى بلادهم

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

في أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول من العام الماضي 2016، سافرت إيوانا مولدوفان إلى تونس كي تتوصَّل إلى فهمٍ أفضل لعوامل الشد والجذب التي تدفع عدداً من الشباب في هذا البلد للنزوع إلى التطرُّف.

وبينما كانت هناك، تحدَّثَت مع أناسٍ من منظماتٍ محلية غير حكومية، وموظفين في الدولة، وبعض العاطلين منذ فترةٍ طويلة، وآخرين في طريقهم للتطرُّف، ومقاتلين سابقين، كما تحدَّثت إلى عائلاتِ بعضٍ ممن انضموا بالفعل إلى جماعاتٍ مُتشدِّدة بحسب تقرير نشرته النسخة الأميركية لـ"هاف بوست".


قرر العودة للوطن


منذ خمس سنوات، بدأ مهدي يفتقد أمه بينما كان تحت التدريب في معسكرٍ إرهابي في مدينة سرت الليبية. وكان الشاب اليافع من دوَّار هيشر، وهي ضاحيةٌ فقيرةٌ على أطراف تونس العاصمة، قد سافر إلى ليبيا للانضمام إلى جماعةٍ مُتطرِّفة.

لكنه قرَّرَ العودةَ إلى الوطن بعد أربعة أشهر.

قال مهدي، الذي طَلَبَ تغيير اسمه حفاظاً على سلامته، بينما كان يتحدّث في ورشة الصيانة الخاصة به في سبتمبر/أيلول الماضي: "هذا هو السبب الوحيد الذي دفعني للعودة". وأضاف: "بعثت أمي رسالةً لي. كانت تبكي، ولم أتحمَّل أن أراها هكذا".

وقال مهدي إنَّه بينما كان لا يزال تحت التدريب في المعسكر، كان على تواصلٍ مع والده. ولم يكن مسموحاً له بالاحتفاظ بهاتفه المحمول، بل فقط أن يبعث برسائل إلى أحبابه عن طريق وسيط يقوم بتوصيل مقاطع فيديو مُصوَّرة على هاتفٍ يُرسِل ويستقبل الرسائل من أعضاء الجماعة إلى عائلاتهم والعكس.

وكانت والدة مهدي، التي كانت في الستين من عمرها آنذاك، تهدف بهذه الرسالة أن تقنعه بإعادة التفكير في الأمر، ونجحت في ذلك بالفعل.

وأقرَّ مهدي، الذي يبلغ الآن عامه الـ26: "لم أكن أريد تركها وحيدةً أكثر من ذلك، لذا عدت إليها".

لكن قبل ذلك، كانت الوعود التي لم تتحقَّق للثورة التونسية قد دفعته عبر الحافة.


ذبول الياسمين


لم يكن قد مرَّ وقتٌ طويل على انتهاء ثورة الياسمين، تلك الانتفاضة التي لها الفضل في تدشينِ الربيع العربي، حتى ضاقَ مهدي ذرعاً. وكل ما كان يفعله يوماً بعد يوم هو أن يخرج من منزله في دوَّار هيشر إلى مقهى في الجوار، ثم يعود أدراجه. وكانت الاحتجاجات التي اندلعت في عام 2011، والتي أدت إلى الإطاحة بالديكتاتور التونسي زين العابدين بن علي الذي ظلَّ طويلاً في الحكم قد فشلت في تحقيق الإصلاحات التي كافَحَ من أجلها الكثيرون.

كان مهدي عاطلاً حين بدأت الاحتجاجات. ورغم أنَّه كان قد تلقى تدريباً لمدة عامين في الهندسة الكهربائية، لم يكن قادراً على تأمين وظيفةٍ له منذ عام 2008. جرَّبَ حظوظه في العمل باليومية، لكنه لم يكن يحظى بأكثرِ من أربعة أو خمسة أيام عمل في الشهر.

وكانت ثورة الياسمين فرصةً له من أجل بدايةٍ جديدة. لكن، حين خبت جذوة الحماسة، ولم يأتِ مستقبلٌ أفضل، بدأت آماله، وآمال الكثير من التونسيين الذين نزلوا إلى الشوارع من أجل التغيير، تخفت.

وفي ظل كل هذا، نما الإحباط. وهذا هو السبب الذي دفعه للالتفاتِ إلى مسارٍ آخر كي يشعر أنَّ لديه هدفاً. ولم يكن وحده في ذلك.

إذ شهدت الأعوام التي أعقبت الثورة تحوُّل العديد من الشباب التونسيين إلى مسار التطرُّف.

وفسَّر الناشط محمد إقبال بن رجب ذلك قائلاً: "كان الناس مُتعطشين للدين"، لقد أرادوا شيئاً يساعدهم على فهم العالم من حولهم فهماً أفضل.

وفي بلدٍ تبلغ فيه نسبة المسلمين السُنِّيين 99% على الأقل من إجمالي سكانه، كان الإسلام هو الخيار المنطقي. ولكن بالنسبة للعديد من التونسيين الذين نشأوا تحت حكم بن علي، وسلفه الحبيب بورقيبة، كان الإسلام ديناً لا يعرفونه جيداً.

إذ كان بن علي يُضيِّق الخناق على التعاليم الإسلامية التي يُلقيها الأئمة في الخُطَب الخاضعة لسيطرة الحكومة، على أمل أن يُحرِّك البلاد نحو إسلامٍ أكثر علمانية. ولم يكن للجماعات الدينية رأي كبير في الحياة السياسية، وكان العديد من القادة الدينيين يتعرضون للنفي بمنتهى البساطة.

وحين أُطيح بن علي من الحكم، بدأت هذه الجماعات في ملء فراغ السُلطة. وبعدما اضطروا طويلاً للاحتفاظ بسرية أنشطتهم السياسية، وجدوا مجالاً يتيح لهم نشر جداول أعمالهم السياسية نشراً أكثر فاعلية.

ومع إطلاق سراح عددٍ من أنشط أعضاء هذه الجماعات من السجن بموجب عفوٍ عام بعد الثورة، صار تحوُّلهم أوضح وأكثر صراحة. وبالإضافة إلى ذلك، سعت هذه الجماعات إلى كسب الشعبية ونشر نفوذها داخل البلاد بالاستفادة من تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بتوفير الخدمات الاجتماعية، مثل الغذاء والدواء، للشعب.

وقال محمد إقبال، الذي أسس جمعية إنقاذ التونسيين العالقين بالخارج، وهي منظمةٌ غير حكومية صغيرة تعمل على إعادة تأهيل المقاتلين التونسيين المتطرفين العائدين من الخارج وإعادة دمجهم في المجتمع: "بعد الثورة، كان هناك فراغٌ كبير، ومُلِئَ هذا الفراغ بالمتطرفين الذين أُطلق سراحهم من السجون، أو العائدين من المنفى".

social media


زيادة معدلات التجنيد


وبين عامي 2012 و2013، شهدت تونس زيادةً كبيرة في معدلات تجنيد الإرهابيين. وتسلل المتطرفون، ولا سيما أتباع جماعة أنصار الشريعة في تونس، وهي جماعةٌ إسلامية متطرفة تتبع الكثير من إيديولوجيات تنظيم القاعدة، تدريجياً إلى المساجد في جميع أنحاء البلاد، "ناشرين سمومهم" على حد تعبير محمد إقبال.

ووفقاً لوزير الشؤون الدينية التونسي آنذاك، فقد سيطرت الجماعات على حوالي 400 مسجدٍ من إجمالي عدد مساجد البلاد التي تتجاوز الـ5 آلاف. وكان التونسيون يشاهدون تحوُّل عددٍ من مساجدهم كل يومٍ إلى منابر دعائية للتشدد.

وقال مهدي إنَّ أغلب الذين كانوا يحضرون إلى هذه المساجد كان ينتهي بهم المطاف إلى الانضمام إلى تجمُّعاتٍ يقودها متطرفون، وكانوا يقضون الليل والوهم يُباع لهم من خلال وعودٍ بمستقبل أفضل يمكن تحقيقه بالتطوع ضمن بعثاتٍ عنيفة "مُقدَّسة".

ولا يمضي وقتٌ طويل بعد ذلك حتى يختفي عشرات الشباب من بين جيرانهم، ويتركونهم دون وداع، من أجل القتال مع الجماعات المتطرفة.

أمَّا الذين بقوا مع عائلاتهم كانوا يحاولون الاتصال بالراحلين، ويسألونهم عن طبيعة ما يفعلونه.

وغالباً ما يكون رد المقاتلين: "الله راضٍ عمَّا نفعله"، في محاولةٍ لإغراء الآخرين لسلوك المسار نفسه.


"الحرب المقدسة"


وفي شهر أبريل/نيسان من عام 2012، انضم مهدي إليهم، وذهب إلى ليبيا للمشاركة فيما كان يعتبره "حرباً مقدسة" على حد قوله. ولم يكن مهدي متديناً جداً، ولم تلق فكرة خوض معركةٍ أيديولوجيةٍ كبرى استحساناً لديه سوى مؤخراً.

وقال مهدي: "في ذلك الوقت، كنت أكره تونس جداً، ولا سيما بسبب البطالة". وأضاف أنَّه ظنَّ أنَّ معظم الناس في بلدته كان لديهم الشعور نفسه.

وتابَع مهدي حديثه قائلاً: "أقسم بالله أنَّ 90% ممن ينضمون إلى الجماعات الإرهابية من التونسيين، ولا سيما من الحي الذي أسكن به، ليس لديهم ما يفعلونه، وهذه هي أسوأ نقطة".

ولا يقتصر هذا الملل والضجر على الحي الذي يسكن به مهدي، والذي كان مرتعاً لوُعَّاظ جمعية أنصار الشريعة وخطابها المتطرف، بل يمتد إلى عدة مناطق أخرى.

ووفقاً لما ذكره رئيس الوزراء التونسي السابق الحبيب الصيد، فإنَّ عدد التونسيين الذين صاروا متطرفين لأسبابٍ أيديولوجية قليل. أمَّا السبب الرئيسي لجذب معظم الشباب إلى الإرهاب هو تراجع الاقتصاد، وفقاً لما ذكره الصيد في إحدى الفعاليات التي نظَّمها مجلس العلاقات الخارجية الأميركي عام 2015.

social media

وقال الصيد: "يعتقد بعض هؤلاء الشباب أنَّ بإمكانهم دخول الجنة والفوز بنِعَمٍ أخرى من هذا القبيل من خلال التطرُّف، ويؤمنون إيماناً شديداً بذلك". ولكنَّ الصيد اعترف أنَّ هذا ليس هو السبب الوحيد الذي يقودهم إلى التطرف قائلاً: "لم تكن لديهم وظائف، ولم يتمكنوا من عيش حياةٍ طبيعية". ولذلك، بحثوا عن وسائل بديلة لكسب الرزق كما فعل مهدي.

ويُذكَر أنَّ نسبة البطالة في تونس تبلغ حوالي 15.5%، وبالنسبة للشباب دون سن الثلاثين، مثل مهدي، فالوضع أسوأ.

ووفقاً لبيانات البنك الدولي التي أشارت إليها منظمة الأمم المتحدة، فإنَّ "كل اثنين من بين خمسة شباب دون سن الثلاثين، الذين يمثِّلون حوالي ثُلث السكان العاملين في تونس، ليست لديهم وظائف".

ويشعر بعض الشباب التونسيين أنَّهم يفقدون أفضل أعوام حياتهم. ولذلك، هناك شبابٌ يغضبون ويحتشدون في مظاهراتٍ احتجاجية حين لا يرون شيئاً يتغير أو يصير أفضل، وهناك آخرون لا يستطيعون التعامل مع الواقع المُحبِط، وينتهي بهم المطاف إلى سلوك مساراتٍ أكثر تطرفاً، مثل الانتحار، أو الاتجاه إلى الإرهاب.

ولم تكن رحلة مهدي المضطربة إلى ليبيا مختلفةً اختلافاً كبيراً.

من الصعب تصوُّر مهدي وهو يحمل بندقية، ربما بسبب قامته القصيرة، والأكثر من ذلك، الابتسامة الطبيعية الكبيرة التي غالباً ما تعلو وجهه.

ولكنه كان يُطلق النار مرتين في الأسبوع على الأقل. إذ قضى مهدي أربعة أشهُرٍ و13 يوماً في معسكرات التدريب بمدينة سرت الليبية. وفي يومي الثلاثاء والجمعة من كل أسبوع، كان يتعلم إطلاق النار. وفي بقية الأيام، كان يتدرب على تفكيك أسلحة الكلاشنكوف وتجميعها، والجري، والصلاة، ولعب كرة القدم.

وتقاضى مهدي أجراً مجزياً مقابل الوقت الذي قضاه في المعسكر، الذي كان منصوباً في ثكنةٍ عسكرية قديمة. إذا قال مهدي إنَّه كان يحصل على 3 آلاف دولار في الشهر، وهو راتبٌ يساوي نحو 10 أضعافٍ ما كان سيحصل عليه بعض المقاتلين إذا عملوا في وظائف عادية بأوطانهم حسبما أخبروني، بالإضافة إلى أنَّ الطعام كان مجانياً.

وقال مهدي: "كانوا مضطرين إلى دفع رواتب لنا لأنَّهم يعلمون أنَّ بعض المقاتلين كانوا العائلين الوحيدين لأسرهم".

وفي المعسكر الذي كان مهدي يتدرب فيه، كان هناك رسولٌ مسؤول عن إرسال الأموال إلى أسر المقاتلين في أوطانهم. وبفضل الأموال التي أرسلها مهدي إلى أسرته، تمكنت أمه من شراء ثلاجة، ودفع نفقات زفاف أخته.

ولكن أُم مهدي أرادت أن يعود ابنها إليها، ولم يهمها أي شيءٍ آخر، ولا حتى المال. وكانت قد عانت بالفعل مرارة فقدان أحد أبنائها لصالح الإرهابيين حين غادر مروان، شقيق مهدي الأكبر، للقتال في العراق عام 2003، بعد أن قال لأسرته أنَّه ذاهبٌ للجزائر لدراسة القرآن الكريم، وكان عمره آنذاك 20 عاماً. وكانت آخر مكالمة تلقتها أسرته منه في عام 2007، ولا تزال أمه تتذكر كل كلمة من هذه المكالمة.

"مرحباً أمي، كيف حالك؟ ادعي لي".

ثم بدأت أمه في البكاء، وانقطع الاتصال. وعلى مدار أربع أعوام بعد هذه المكالمة، لم يصلها أي خبر عنه. وأخيراً تلقت الأسرة مكالمةٍ من صوتٍ غير مألوفٍ لها.

وقال الشخص الغريب: "هل هذه هي أسرة أبي عبيدة التونسي؟"، مستخدماً الاسم الذي كان يُطلَق على مروان بين أقرانه من المقاتلين.

فأجابته أم مهدي: "نعم، هذا ابني، مروان".

فقال لها الرجل: "إنَّه بخير، وعلى ما يرام. هل تودين إخباره بشيء؟"

فقالت له: "أخبره أنَّني لن أسامحه إذا لم يعُد إلى وطنه".

ولم يعُد مروان أبداً إلى الوطن، ولكنَّ شقيقه، مهدي، عاد.

social media

"افرحي يا أختاه، لقد ارتقى محمد شهيداً"

في صباح أحد أيام السبت من شهر أكتوبر/تشرين الأول عام 2013، تلقَّت نزيهة بلجياد، البالغة من العمر 55 عاماً، مكالمةً لم ترد عليها، لأنَّها كانت تغسل الملابس خارج المنزل حين رنَّ الهاتف، ولذلك، ردت ابنتها أمل على المكالمة، وسمعت هذه الكلمات التي ظلت عالقةً بذاكرتها هي ووالدتها لعدة أعوامٍ بعد ذلك: "افرحي يا أختاه، لقد ارتقى محمد شهيداً".

وفي الرابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، كان محمد بلبيهي جلاسي، البالغ من العمر 27 عاماً آنذاك، قد غادر منزله في حي التضامن، وهي ضاحيةٌ في شمالي غرب تونس، للذهاب إلى ليبيا ليعمل طاهي حلويات في أحد الفنادق، حيث كان يعمل هناك قبل الثورة، وتلقى عقداً جديداً للعمل هناك مرةً أخرى.

ومن مدينة طرابلس الليبية، اتصل محمد بأمه ليخبرها أنَّه بخير ومستقرٌ في المدينة. ثم مر أسبوعٌ من الصمت المُطبق بينهما، إذ كان هاتفه مغلقاً حين حاولت الاتصال به. ثم وصلتها مكالمةٌ أخرى منه.

وقال لها محمد في هذه المكالمة: "أمي، أريد إخبارك بشيء، أنا في سوريا".

فسألته نزيهة بنبرةٍ بها مزيجٌ من الحزن والغضب: "ماذا تفعل هناك؟".

فأجابها محمد: "أُقسم بالله يا أمي إنَّني سأعود إلى المنزل، وسأخبرك بكل شيء".

ولكن محمد لم يعُد أبداً إلى منزله، وتحل محله صورته المعلَّقة في غرفة المعيشة.

وحتى اليوم، لا تستطيع نزيهة فهم كيف انتهى المطاف بابنها في سوريا. ولم يجعلها أي شيءٍ في سلوك ابنها تعتقد أنَّه سينضم إلى جماعةٍ إرهابية. إذ قالت أنَّ ابنها كان طفلاً جيداً، وسعيداً، وكان يحب الاعتناء بالحيوانات الصغيرة، ومشاهدة باباي، شخصية البحار الكارتونية القديمة، وشخصية سيمبا في فيلم "الأسد الملك" الكارتوني. فضلاً عن أنَّه كان يبكي عند مشاهدة الأفلام المُحزِنة، وكان يعود إلى المنزل جرياً بعد انتهاء اليوم الدراسي تشوُّقاً لرؤيتها. وقالت إنَّه كانت هناك رابطةٌ عميقة تجمعهما.

وبعد تخرُّجه من المدرسة الثانوية، بدأ محمد العمل في خبز الحلويات. وفي وقت فراغه، كان يُعِد الشطائر ويبيعها في الشارع. وقالت نزيهة إنَّه كان شخصاً يُعتمَد عليه، ولم يُسبب أي مشكلةٍ لأفراد المنزل أبداً. وفي الحقيقة، كان يعتني بأمه، ولطالما طلب منها التوقف عن العمل، وكان يقول لها إنَّها فعلت ما يكفي من أجلهم بالفعل.

وتذكَّرت نزيهة بعض مواقفه قائلةً: "حين كنتُ أذهب إلى العمل، كان محمد يستقل دراجته، ويتبع الحافلة التي أستقلها، وحين أنزل منها، كان يأتي إليَّ ويُقبِّلني ثم يعود إلى المنزل".

وكانت هذه هي المرة الأولى التي تبتسم فيها نزيهة خلال المقابلة الصحفية وكانت المعاناة التي عاشتها، والساعات الطويلة التي قضتها في البكاء محفورةً على ملامح وجهها، إذ بدت عيناها وكأنهما تنظران إلى مشهدٍ في زمانٍ ومكانٍ مختلفين، وكانت يداها، اللتان اعتادتا على التربيت على خدَّي ابنها، تحتضنان بعضهما البعض وكأنهما تحاولان الإمساك بشيءٍ لم يعُد موجوداً.

لقد كان محمد هو الشخص الوحيد الذي يرسم الضحكة على وجوه أسرته دائماً، والوحيد القادر على إضحاك نزيهة.

وقالت نزيهة: "بعد موته، صار المنزل حزيناً، والجدران تبكي".

وتزداد شدة ألم نزيهة بسبب عدم اليقين المُرهِق، فهي لا تمتلك دليلاً على موت ابنها، وليست هناك صورةٌ ولا دليلٌ على جثته يجعلانها تقطع الأمل تماماً في أنَّه ما يزال على قيد الحياة. لقد استهلكها الأمر طيلة هذه الأعوام، فجيرانها في الحي يتحدثون عمَّا حدث، وفي ظل سماعها رواياتٍ مختلفة عن طريقة موته، لم يذُق بالها طعم الراحة.


فكرت في الانتحار


وطيلة عامٍ ونصف، بدءاً من هذا السبت المشؤوم، فكَّرت نزيهة في الانتحار، وتخيَّلت فعل ذلك بضرب رأسها في الحائط كما فعلت يوم سماع خبر موت ابنها، أو القفز أمام سيارة، أو إضرام النيران في جسدها.

لقد كانت مُصِرَّةً على فعل ذلك، ولكنها بدأت في إقناع نفسها تدريجياً بأنَّ ابنها قد يكون على قيد الحياة. إنَّ الأمل في وجود احتمالٍ ضئيلٍ بأنَّه لا يزال حياً، حتى وإن كان غير مبرر كما يبدو، هو ما يبقيها على قيد الحياة حتى اليوم.

وقالت نزيهة وهي تجهش بالبكاء: "إنني امرأةٌ وحيدة ولا حول لي ولا قوة. أشعر وكأنني أحارب وحدي".

وبينما تخوض نزيهة معركتها المنفردة، يرودها قلقٌ حيال إمكانية فعل المزيد. وتقول لنفسها ليت الظروف الاقتصادية كانت أفضل بقليل، وليت العمل كان ألطف.

وتابعت: "لو كانت لديه وظيفةٌ جيدة هنا لما اضطر أبداً للذهاب إلى ليبيا".

ولم يكن محمد بلبيهي جلاسي عاطلاً عن العمل قبل اتجاهه إلى الإرهاب، إذ كان يعمل في سلسلة متاجر "غورمانديز" للحلوى الفاخرة المنتشرة في أنحاء تونس.

وكانت مشكلته تكمن في رئيسه في العمل، إذ كان يتقاضى ثلاثة أضعاف راتب محمد، ودائماً ما كان يجعل محمد ينوب عنه في مهامه كذلك. وطيلة عامٍ ونصف، كان محمد يعود إلى منزله شاكياً لأمه من الطريقة التي كان يُعامَل بها في العمل، بل حاول بدء مشروع صغير خاص به لإعداد الحلوى في المنزل وبيعها، ولكنَّ الوكالة الحكومية المسؤولة عن تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة لم تمنحه قرضاً.

وكان محمد يحاول جمع المال ليتمكن من الزواج، وبناء مأوى له ولزوجته المستقبلية فوق منزل أسرته، وكان الذهاب إلى ليبيا للعمل كطاهي حلويات جزءاً من خطته.

وقالت نزيهة: "لقد شعر بالإحباط والظلم".

وتلقى مشاعر محمد صدىً بين العديد من الآخرين هنا، حتى أولئك الذين لم يتجهوا إلى التطرف أبداً، يشعرون بتأثير البطالة على المجتمع. تعرَّض هؤلاء لظلمٍ من النظام، وصاروا عاجزين عن إحراز تقدمٍ في حياتهم المهنية، أو توفير معيشةٍ كريمة لأسرهم. وحتى بعد مقاومة هذه الأوضاع الصعبة، يبقى المستقبل مُظلماً. ومن الصعب تقبُّل حقيقة فشل الثورة.

وقال أحمد ساسي، البالغ من العمر 31 عاماً، والمسؤول عن الاتصالات في اتحاد الخريجين العاطلين في تونس: "لقد قامت الثورة التونسية تحت شعار "العمل، والحرية، والكرامة والوطنية"".

وأضاف أحمد، الحاصل على درجة الماجستير في الفلسفة السياسية، أنَّ الناس لم يشاركوا في الثورة من أجل الحرية السياسية فقط، بل كانوا يريدون الحصول على حقوق اجتماعية واقتصادية أخرى، بالإضافة إلى الوظائف، "ولكنَّ مطالبهم وجدت آذاناً صمَّاء من الدولة، ومن صُناع القرار في هذا البلد".

ويرى أحمد هذا الواقع مباشرةً كل يوم، إذ يقضي معظم أيام الأسبوع في متجر عائلته، الذي يقع على الجانب الآخر مباشرةً من خط الترام في حي الكبارية، وهو أحد الأحياء التونسية الفقيرة. ويُعَد المتجر الصغير، الذي يبيع كل شيء بدءاً من الدقيق، والكرواسون، والعصائر، والعلك، إلى الحفاضات، والشامبو، وشفرات حلاقة شركة جيليت، بمثابة مكانٍ تُعقَد فيه اجتماعات الشباب في منطقته أيضاً. وغالباً ما يقصده الجيران لمناقشة مظالمهم وأحلامهم.

وفي ظل سماعه تفاصيل حياة جيرانه اليومية، صار أحمد متفهماً لأكثر المشكلات اليومية التي تواجه التونسيين على وجه التحديد. وتتمثل إحدى هذه المشكلات في العدد الكبير من الشباب الذين "يجدون أنفسهم عديمي الفائدة في مجتمعهم، مع امتلاكهم لقدر هائلٍ جداً من الطاقة، وأحلام كثيرة، ويرون أنَّ علمهم وذكاءهم" غير مُستغلِّين. وأضاف أنَّ هؤلاء الشباب لديهم كل الأسباب التي تجعلهم متطرفين، ويحدث ذلك مراراً وتكراراً مع فشل الكثيرين في معرفة السبب.


محاربة البطالة أولاً


وقال أحمد: "إنَّ محاربة الإرهاب في تونس تعني محاربة البطالة، والجهل، والفقر، والفساد، والإهانة، والظُلم". إنَّها ليست مجرد معركة واحدة.

ومع ذلك، ينشغل عددٌ من التونسيين في الوقت الحالي بقضية تدفُّق المتطرفين العائدين إلى البلاد أكثر من انشغالهم بمنع التطرُّف. ويخشى البعض من أن تتسبب عودة المقاتلين التونسيين من سوريا، والعراق، وليبيا في عرقلة التقدم الذي أحرزته تونس، أو جلب المزيد من الاضطرابات إلى الوطن. وقد خرج الناس إلى الشوارع مُنادين بمطالب على غرار "لا عفو عن الإرهابيين"، وتبحث الحكومة عن سبل معالجة مسألة العودة للوطن المثيرة للجدل.

وتقول السُلطات إنَّ حوالي 800 شخصٍ من التونسيين الذين ذهبوا إلى مناطق النزاع للانضمام لجماعاتٍ إرهابية قد عادوا إلى الوطن في العقد الماضي، وفقاً لما ذكرته وكالة أنباء أسوشيتد برس الأميركية. وقيل إنَّ بعضهم عاد إلى الوطن دون المرور بالجمارك، ولكنَّ رئيس الوزراء التونسي يوسف الشاهد حذَّر من أنَّ المقاتلين العائدين إلى تونس سيُقبَض عليهم فوراً بمجرد هبوطهم على الأراضي التونسية.

ولا يتفق البعض مع اتخاذ رد فعلٍ قانوني قاسٍ كهذا، ويرون أنَّه قد يسفر عن نتائج عكسية.

ويعتقد أسلم سولي، رئيس المبادرة الوطنية الشبابية ضد الإرهاب، أنَّ تونس ينبغي عليها اتخاذ رد فعلٍ أشمل، أي رد فعلٍ يساعد في إعادة تأهيل هؤلاء الأشخاص، بدلاً من مجرد وضعهم وراء القضبان.

وكان أسلَم، البالغ من العمر 23 عاماً، قد أسس المبادرة، وهي مُنظَّمةٌ صغيرة تعمل على مكافحة التطرف العنيف داخل البلاد، مع مجموعةٍ من أصدقائه. وتهدف المُنظَّمة إلى دراسة عوامل الدفع والجذب الخاصة بالتطرف في تونس.

ويعتقد أسلَم أنَّ مبادرته أساسية "لأنَّ هؤلاء الناس لا يمكن أن يعودوا إلى بلدهم بهذه السهولة وحسب، لقد شاركوا في ارتكاب أعمالٍ عنيفة، بل ينبغي أن تضع تونس برامج خاصة لإعادة تأهيل هؤلاء الأشخاص، وإعادة دمجهم في المجتمع. ولكن لا توجد أي برامج"، وأضاف أنَّ جهود الحكومة الرئيسية تنصَب على كبح جماح الإرهاب، فتُلقي بالمقاتلين العائدين في السجون، وتتجاهل المشكلات الجذرية.

وقال إنَّه في حقيقة الأمر، يزيد وضع المقاتلين في سجونٍ عادية مع مجرمين عاديين من خطر نجاح هؤلاء المقاتلين في تجنيد أشخاصٍ آخرين، ثم أضاف: "وهذا ما يحدث في تونس".

وقال أسلم إنَّه سيكون من المثالي أن تسير تونس على خُطى المغرب، التي وجدت حلاً بديلاً في اللجوء إلى مساعدة الأئمة المعتدلين من أجل منع الشباب من مغادرة البلاد، وإعادة تأهيل أولئك الذين وقعوا ضحايا لبراثن الدعاية المتطرفة، ولكنَّه اعترف أنَّ الأمر ليس بهذه البساطة.

وواصل أسلم حديثه قائلاً: "هذه عمليةٌ صعبة جداً، ولها تكاليف باهظة لا يمكن لتونس تحمُّلها"، مشيراً إلى أنَّ الوضع الاقتصادي في المغرب أفضل حالياً من الوضع الاقتصادي في تونس، في ظل رؤية المستثمرين الأجانب أنَّ المغرب أكثر أماناً واستقراراً.

وأضاف: "لذلك، أفهم أسلوب الحكومة في إلقائهم بشكلٍ مُمنهج في السجون، ولكنَّني أعتقد أنَّ ذلك ما هو إلا تأخير في حل القضية، فيوماً ما، سيخرجون من السجون، وعليك أن تواجه هذه الحقيقة، فماذا سنفعل حينئذٍ؟".


التقدير الكبير الذي منحه الإسلام للأمهات


لا تنبُع إحدى الإجابات على سؤال كيفية تصرف تونس حيال الإرهاب على المدى القصير من الإجراءات السياسية، أو القانونية، بل من الأسرة. وتنبع إحدى أكثر الطرق الفعالة لمكافحة الإرهاب من جهود الأمهات لجذب أبنائهن بعيداً عن أذرُع التطرف، على غرار أم مهدي التي أرسلت إلى ابنها رسائل لإقناعه بالعودة.

ومع أنَّ تونس لم تكن صارمةً دينياً في الأعوام الأخيرة، فإنَّ بعض قيم الإسلام مترسخة بقوةٍ في الثقافة التونسية وأسلوب المعيشة في تونس، ويُعَد التقدير الكبير الذي منحه الإسلام للأمهات إحدى هذه القيم. فهناك آياتٌ قرآنية عديدة تؤكد مدى الأعباء التي تتحملها الأم، والاحترام الذي ينبغي أن تحصل عليه، وتُظهر الأحاديث تذكير النبي محمد أتباعه في أغلب الأحيان بمنزلة الأم.

وعلى سبيل المثال وليس الحصر، حديث معاوية بن جاهمة السلمي: "أنَّ جاهمة جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله أردت أن أغزو، وجئت أستشيرك؟" فقال: "هل لك من أم؟"، قال: "نعم"، قال: "فالزمها؛ فإنَّ الجنة تحت رجليها".

ويرى أسلم قيم الاحترام والإخلاص نفسها في العائدين الذين يعمل معهم، وقال إنَّ أكثر ما يندمون عليه ندماً واضحاً أنَّهم حين غادروا، فعلوا ذلك دون عِلم أمهاتهم، وبدون إذنهم، ولكن حين يتحدث أسلم مع مقاتلين سابقين عن قتل الناس، لا يرى درجة الندم نفسها في عيونهم، ولا يسمعها في أصواتهم.

وأضاف أسلم: "لا يمثل قتلهم الناس مشكلةً بالنسبة لهم، ولكن هناك شيئاً واحداً يُصيبهم بالتوتر، إنَّها نقطة ضعفهم، وذلك حين تقول لأحدهم: "لقد كذبت على أمك، وجعلتها تشعر بالألم"".

ولا توافق معظم أمهات المقاتلين على قرار أبنائهن بالذهاب للقتال، وربما الموت، في سوريا أو ليبيا. ويحاولن منعهم، ولذلك ينتهي المطاف بالمقاتلين إلى الرحيل دون توديع أمهاتهم. ثم تبدأ الأمهات في الاتصال بهم، والتوسُّل إليهم عبر الهاتف. ووفقاً لما ذكره أسلَم، يكون لذلك تأثير قوي على المُجنَّدين.

وحين لا يُجدي الاتصال والبكاء نفعاً، تتجه الأمهات إلى أشخاصٍ مثل محمد إقبال بن رجب، مؤسس برنامج إعادة الدمج والإنقاذ، أشخاصٌ يقودون مبادراتٍ لا يقتصر هدفها على مساعدة المقاتلين العائدين، بل يشمل مساعدة أسرهم في الشعور مجدداً بالحياة الطبيعية كذلك.

صار محمد بن إقبال نفسه مهتماً بمكافحة التطرف حين جُنِّد شقيقه الأكبر، البالغ من العمر 23 عاماً آنذاك، والذي يعاني ضموراً عضلياً، وهو حالةٌ وراثية أجبرته على الجلوس في كرسي متحرك، وسافر إلى سوريا.

وبالنسبة لمحمد بن إقبال، لا يقتصر الأمر على مكافحة التطرف، بل يشمل مكافحة المفهوم الخاطئ الذي يصاحبه كذلك، وهو مفهومٌ خاطئ يُعَدُّ بن إقبال على درايةٍ تامة به.

وقال بن إقبال: "حين يغادر شاب وطنه وينضم لإحدى الجماعات الإرهابية، لا يجعل ذلك جميع أفراد أسرته إرهابيين". ولكنَّ الكثير من الناس لا ينظرون إلى الأمر من هذا المنظور، ويُدرَج أقارب الشاب في القائمة السوداء.

وذلك شيءٌ يضطر بن إقبال لمواجهته كل يوم.


العودة؟ بالطبع لا


وأوضح أسلم أنَّه، للأسف، لا يساعد واقع اضطرار أُسَر المتطرفين للتحفُّظ عند محاولة تأمين عودة أحد أفرادها في تخفيف الوصمة التي تواجهها هذه الأُسَر. وتقع هذه المهمة في الغالب على عاتق الأم، ولا سيما بسبب القيمة التي تمنحها الثقافة للأم، والرابطة القوية التي تجمع الأم وابنها نتيجةً لذلك.

وبدلاً من إدانة تصرفات ابنها علانيةً، في الغالب تركز الأم على الحفاظ على بقاء وسائل الاتصال معه، وإرسال رسائل نصية له على سبيل المثال. وقال أسلم إنَّ هذا الأسلوب سعيٌ لتجنُّب تعريض العلاقة بين الأم وابنها الذي يثق بها للخطر.

وتقع الأم حينئذٍ بين المطرقة والسندان، فلا هي تستطيع إعلان رفضها لما صار ابنها عليه لمنع الآخرين من اتباع المسار نفسه إذا كان فعل ذلك يعني فقدان ذاك الرابط الحيوي بينها وبين ابنها، وفي الوقت نفسه، لا تستطيع المجاهرة بجهودها لإعادة ابنها إلى الوطن، حتى لا يظن البعض خطأً أنَّها على صلةٍ بشخصٍ إرهابي. ولذلك، غالباً ما ينتهي المطاف بالأم وهي تحارب في معركةٍ منفردة ومنعزلة.

وبينما قد تبدو المعركة أنَّها لن تنتهي أبداً، فبالنسبة لهؤلاء الأمهات، يستحق الأمر العناء.

لقد مضى أكثر من 13 عاماً على مغادرة ابنها مروان إلى العراق، ولكنَّ أم مهدي لم تستسلم أبداً في محاولاتها العثور عليه. إذ ذهبت إلى السُلطات، وقدَّمت تقريراً لوزارة الشؤون الخارجية، وحين لم يصلها شيءٌ عنه، واصلت محاولاتها. واليوم، لا تزال تشحن رصيد هاتفها وتتصل بالوزارة يومياً لمعرفة ما إذا كان هناك شخصٌ قد تكون لديه أخبارٌ عن مروان، ابنها المفقود.

وفي إحدى المرات، حاولت أم مهدي عرض قضيتها على برنامجٍ تلفزيوني تونسي شهير يهتم بلم شمل المفقودين مع أسرهم، ولكنَّ مُقدِّم البرنامج رفض طلبها.

وقال مهدي: "هذا هو أقوى شيء يمكننا فعله، حاولنا عرض قضيتنا على برنامج تلفزيوني، لقد فعلنا كل ما بوسعنا".

وفي نهاية المطاف، قد تتوقف أم مهدي عن محاولات البحث عن مروان، وتبدأ في التعايش تدريجياً مع الحقيقة التي اضطرت العديد من أمهات الإرهابيين لتقبُّلها في نهاية المطاف، وهي أنَّ ابنها لن يعود إلى المنزل مرةً اخرى، ولن يُجمع شملها به، دون وجود تفسيرٍ لذلك، ودون أن تتمكنَّ حتى من توديعه.

وفي الوقت الراهن، تشعر أم مهدي بالسعادة لأنَّ ابنها مهدي بجوارها، حتى بعد كل المعاناة التي مرَّا بها.

وأكَّد مهدي أنَّه لن يعود إلى هذه الحياة مرةً أخرى، ليس الآن وقد رأى الآلام التي سببها ذلك لأمه.

وقال مهدي عند سؤاله عن إمكانية العودة إلى هذه الحياة مرةً أخرى: "بالطبع لا، كنتُ صغيراً آنذاك. لقد صارت أمي سيدةً كبيرة، وضريرةً تقريباً. لا يمكن أن أتركها وحدها".