دنماركية اعتنقت الإسلام تُغيِّر تصورات مواطنيها عن المحجبات بطريقة غريبة.. فلماذا يعتبرونها بليدة؟!

تم النشر: تم التحديث:
S
s

تتذكر أنيت بيلاوي تلك اللحظة جيداً. كانت تقابل حينها أحد السياسيين البارزين في حزب الشعب الدنماركي المعروف بخطابه المعادي للمسلمين. ظلَّ يحدِّق بها و"يتأملها بجدية" بطريقة تبدو وكأنَّه يسأل نفسه "هل تحمل هذه المرأة قنابل يدوية في جيبها"؟

تتذكر أنيت قائلةً: "لقد كان يبدو على وجهه الخوف، والغضب، وكل شيء. وماذا فعلت بعدها؟ لقد ابتسمتُ في وجهه بأفضل طريقة ممكنة". ثم أرسلتُ له قبلةً عبر الهواء.

تضحك أنيت، الدنماركية البالغة من العمر 58 عاماً، التي اعتنقت الإسلام منذ عقدين تقريباً، عندما تروي هذه القصة. وتدرك جيداً أنَّ ردة فعلها تجاه حادثةٍ لم تكن تقليدية، وخاصةً بالنسبة لامرأة ترتدي الحجاب وتسمي نفسها فاطمة الزهراء.
لكنَّها فعلت في إطار أساليبها غير التقليدية للتصدي للإسلاموفوبيا ، حسب تقرير للنسخة البريطانية لهاف بوست.


خائنة


حسبما تتذكر أنيت، لم تنسجم يوماً مع محيطها. ففي طفولتها، كانت عائلتها غير متدينة لدرجة أزعجتها. وعندما أصبحت مسلمة، لم يتفهموا جيداً أسباب إقدامها على فعلٍ كهذا. ولم يتمكن كثير من الدنماركيين أيضاً من تفهم هذا. وبالنسبة لبعضهم، كانت أنيت "خائنة"، تخلت عن حريات الثقافة الدنماركية لتصبح كياناً خاضعاً فاقد العقل والرأي. وافترض آخرون، ربما مثل هذا السياسي، على نحوٍ غير دقيق أنَّ أي امرأة ترتدي الحجاب أو أي مسلم، هو إرهابي بالضرورة.
واعتبر المسلمون أيضاً أنَّها ليست مسلمة حقيقية بما فيه الكفاية، وكأن عدم ولادتها كمسلمة أو عدم ارتباطها بجذورٍ عرقية إسلامية يعني أنها "مسلمة مُدَّعية".

لكن لا تسمح أنيت لردود الفعل هذه أن تزعجها، بل تفعل النقيض من هذا. وتحبُّ مواجهة الوضع الراهن، ولا تخشى مواجهة الأمور الجدلية بندّية. وتقول عن نفسها: "تربيتُ على عدم المواربة في الحديث، وعلى قول ما تريده بشكل مباشر".

ويكمن هدفها في تغيير الخطاب السائد عن المسلمين عن طريق حس الدعابة والعاطفة، بدلاً من العداء والخوف. إنها توجِّه السلبية التي تواجهها والهوية الدخيلة التي تعيش بها يومياً في محاولة لدفع الآخرين إلى إعادة تقييم آرائهم بشأن المسلمين، وخاصةً النساء المسلمات، عن طريق التركيز على القواسم المشتركة بيننا كبشر.

تحارب أنيت المفاهيم المغلوطة عن النساء المسلمات عن طريق الموسيقى، وتستغل ميزة كونها دنماركية الأصل للوصول إلى الدنماركيين غير المسلمين، وتثقيفهم بشأن الدين الذي يُسيئون فهمه غالباً، لأنهم يخشون أن يطرحوا الأسئلة.

اعتنقت الإسلام بطريقة غريبة!
ولكي تفهم مقاربتها غير المتوقعة فيما تفعله، ينبغي أن تنظر إلى رحلتها إلى الإسلام، والتجارب التي شكلت رؤيتها عن العالم.

تصف أنيت عائلتها التي نشأت معها بـ"الملحدين المتشددين"، وتقول إنِّهم "نسخة ملحدة من تنظيم طالبان".

وتضيف: "غالباً ما كنتُ أقارن هذا الأمر بالأحذية. كأن يكون لديك حذاء مقاسه صغير للغاية، يمكنك ارتداؤه والتجول به، لكن يظل هناك أمرٌ ما يزعجك باستمرار".

لذا، بدأت تبحث عن معنى جديد للانتماء، وهو ما وجدته أخيراً في الإسلام. كانت بداية معرفتها بالإسلام جزئياً بسبب توافد عدد متزايد من اللاجئين إلى الدنمارك حينها، إذ كانت تعمل كطاهية مع عدد من المسلمين. لكنَّها لم تدرك فعلياً رغبتها في التحول إلى الإسلام، إلا عندما كانت في المغرب.

كانت أنيت حينها معتادة على الاستيقاظ مبكراً للذهاب إلى العمل، واستيقظت ذلك اليوم بينما كان ضوء الفجر يشق أول صباح لها في المغرب.

وتقول عن تلك اللحظات: "ما زلتُ قادرة على تذكر التجربة. لقد كانت الرائحة أشبه برائحة المعجنات الطازجة. كانت الأرض وكأنها تستعد ليومٍ جديد، وشاهدتُ الأشعة الفضية لشروق الشمس".

وتردد صوت الأذان من مسجدٍ على بعد 100 متر. لقد كانت المرة الأولى التي تسمع فيها شيئاً كهذا.

وتقول أنيت: "أصف الأمر دائماً كشخصية كرتونية، تعرف ما تفعله الشخصيات الكرتونية عندما يُسقِط أحدهم مطرقة حديدية على رؤوسها؟ لقد تسمّرت مكاني وكأنَّ لسان حالي يتساءل "ماذا حدث الآن؟" في تلك اللحظة، قلتُ لنفسي "يوماً ما، سأُصبح مسلمة". وتضيف: "لقد استغرق الأمر ثلاث سنوات، لكنَّ القرار كان قد اتُّخذ هناك وحينها. ولآخر يوم في عمري، سأظل أقسم أنَّني سمعت الله يناديني".

أسرتها ما زالت تضايقها وهذا ما تفعله معهم
بعد تحولها إلى الإسلام، تقبَّلت عائلتها هويتها الجديدة بامتعاض، لأنَّه مثلما تقول والدتها: "منذ ولادتها، عرفت أنيت دائماً ماذا تريد ولم يستطع أحد إثناءها عنه". لكن حتى الآن، وبعد مرور 20 عاماً تقريباً على تحولها إلى الإسلام، ما زالوا يسببون لها المشكلات. تسألها أمها: "لماذا تغطين شعرك الجميل؟"، ويضايقها أخوها بسبب ارتداء الحجاب أيضاً.

وتعبِّر عن تقبلها لردود أفعالهم قائلةً: "إنَّهم فقط يعتقدون أنَّني غريبة الأطوار قليلاً، لكنَّ هذا أمرٌ يمكن تقبله"، وتحاول مازحةً تذكير أخيها بشخصيتها قائلةً: "عندما كان عمري عاماً ونصف العام، لم تستطع أمي أن تملي علي ما أرتديه. هل تعتقد حقاً أن أي شخص قادر على إخباري، ما الذي يتعين عليَّ ارتداؤه الآن؟".

يمثل الحجاب أهمية كبيرة لهويتها الجديدة. ولا تنوي أنيت التخلي عن علاقتها مع العقيدة، حتى وإن كان هذا يعني ضرورة تعلمها كيفية التأقلم مع المواقف غير المريحة التي تواجهها.

وتقول: "غالباً ما يسألني الناس عن بلدي الأم بسبب شكلي. وعندما أُجيب بأنَّني دنماركية، غالباً ما يقول المسلمون: "إذاً لِمَ ترتدين الحجاب؟ فأردُّ: لأنَّني مسلمة. فيتساءلون في ذهول: لكنكِ قلتِ للتو إنَّك دنماركية! فأردُّ: عذراً، أليس ممكناً أن أكون دنماركية ومسلمة أيضاً؟".

هذه الفكرة التي تزعم بوجود تناقض ما بين قرار أنيت بالتحول إلى الإسلام وجذورها الدنماركية تُسبِّب لها الإحباط. وعلى الرغم من هذا تقول: "تجعلني هويتي الدنماركية أؤمن بقوة أنَّني أستطيع فعل ما أريده إذا عقدتُ العزم على فعله".

وجذورها الدنماركية أيضاً تجعلها أقرب إلى أولئك الذين ربما لا يسعون إلى تثقيف أنفسهم عن المسلمين.

وتقول أنيت: "يقول لي الناس كثيراً إنَّه من الجيد جداً مقابلة شخصٍ مثلي، بسبب حقيقة أنِّي دنماركية من الناحية العرقية. فلا يخشون توجيه الأسئلة إليَّ، ويُمكنهم طرح كل المسائل الصعبة عليَّ. على سبيل المثال، الأشياء التي لم يجرؤ أحدهم على طرحِها من قبل... ما يدور في أذهانهم مثلاً عن المرأة العربية المُحجبة. ولنقُل على سبيل المثال إنَّه إذا جلست والدتي بجوار امرأة عربية ترتدي الحجاب في الحافلة، فإنَّها لن تجرؤ على الحديث معها، حتى لو أرادت ذلك، لأنَّها تخشى أن تقول شيئاً يُسيء إليها. وهذا شيء في غاية الأهمية في الشخصية الدنماركية؛ فنحن عادةً لا نريد أن نُسيء لأحد إلا إذا كنَّا مخمورين وغير واعين".

وتضيف: "ذلك الفارق البسيط ينطبق أيضاً على كيفية تقبل هويتها المسلمة الدنماركية في المُجمل. وفي بعض الأحيان يكون الأمر "مفيداً" للطرفين.


مكانة كبيرة ولكن هذا هو الثمن


وتقول عن نفسها: "كمسلمة مُتحولة إلى الإسلام، أحظى بمكانة كبيرة في المجتمع المسلم، وفي المجتمع الدنماركي، بسبب الأشياء التي أقوم بها، وبسبب أنِّي أتحدث بصراحة عن كل شيء. وأحظى أيضاً بمكانة كبيرة وشهرة كخبيرةٍ في الكثير من الأمور".

وفي بعض الأحيان، يسود التعصب، ويراها كلا الجانبين أنَّها "خائنة".

وعندما يحدث ذلك في الجانب الدنماركي، تقول أنيت إنَّ الأفعال السلبية وتصريحات المتطرفين العنيفين في معظم الأحيان تهيمن على النقاش، فالناس يتوقعون الأسوأ دائماً.

وتقول: "نحن سمحنا لأقليةٍ صغيرةٍ بتصدر المشهد، والحديث نيابةً عنا جميعاً. وقد أثاروا الرعب في نفوس الجميع، أنتم تعرفون، إنَّهم هؤلاء الرجال ذوو اللحى الطويلة الذين يحبون قطع الرؤوس. لقد جعلوا الجميع خائفين... الكثير من الناس يخافون من المسلمين لأنَّهم يعتقدون أننا نريد قتل الجميع سوانا".

وتقول أنيت إنَّ الشيء الوحيد الذى يمكنها القيام به رداً على هؤلاء المسلمين الوحوش المتبنين للعنف هو "الاختلاف مع كل شيء يقولونه على الطريقة الأوروبية"، وأن تقول على طريقة الاقتباس الشهير الذي يُعتقد أنَّه يعود لفولتير: "قد لا أتفق معك فيما تقول، ولكنَّني على استعداد لأن أضحي بحياتي دفاعاً عن حقك في أن تقوله".

ولكن حتى هذه المحادثات ليست كافية إلى حدٍّ كبير لتحويل مجريات الأمور.


بليدة


وكامرأة ترتدي الحجاب، تشعر غالباً بأنَّ الناس يتحدثون عنها بطريقةٍ سيئة، ولا ينظرون إليها دائماً بعين الاحترام.

وتضيف: "بعض الدنماركيين لا يأخذونني بجدية. إنَّهم يعتقدون أنِّي، كامرأة مسلمة، لا أستطيع أن أكون مثقفة أو ذكية أو أي شيء من هذا القبيل. وفي بعض الأحيان أجدُ أناساً يبحثون عن معلوماتٍ بطريقتهم لكي يكونوا أكثر لطفاً في التعامل معي، وكثيراً ما يبدون وكأنهم يشفقون علي قليلاً، لأنِّي امرأةٌ مسلمة، فأنا أرتدي الحجاب، لذلك يجب أن أكون "بليدةً" قليلاً".

وحتى الآن، دفعها ذلك نحو محاربة الصور النمطية أكثر من ذي قبل.

وتقول: "أعتقد أنَّ الأمر يعود إليَّ في أن أثبت لهم خطأ اعتقادهم، وذلك من خلال إظهار أنِّي بارعة بدرجةٍ كبيرة، وإذا قالوا شيئاً غبياً، فأنا قادرةٌ على الرد عليه. وفي بعض الأحيان شعرت بأنِّي أرغب في إحضار جميع شهاداتي... لأُظهر أنِّى مُتعلمة وذكية فحسب. ولكنِّي لم أفعلها بعد. فأنا عادةً أُفضِّل أن أجعل عملي يتحدث عن نفسه".


مؤسستها


ويتحدى عملها الآن كمؤسسة ومديرة لجمعية "ميسينغ فويسز"، وهي جمعيةٌ نسائية تعمل على تمكين الفنانات، وخصوصاً المسلمات، عن طريق الموسيقى، وتغيير تصوُّرات الغرب عن الثقافة الإسلامية، التي غالباً ما تُرَى بأنَّها تُقلِّل من شأن المرأة. وعلى وجه الخصوص، تهدف أنيت إلى مواجهة الفكرة التي روجها الإعلام عن النساء المسلمات، وهي أنَّهن "مخلوقاتٌ جاهلة ضعيفة قابعة في البيت ترتدي اللون الأسود". وأضافت: "نحن واثقاتٌ من أنفسنا، ولكنَّ الصورة السلبية تنتشر بشكلٍ أكبر للأسف". كان الأمر صعباً حتى الآن، ولكنَّ أنيت ترى أنَّ الموسيقى تُغيِّر تلك الصورة. وقد تذكرت عندما دفعت مغنية بريطانية شابة من أصول باكستانية الجمهور للبكاء. وقالت: "لقد كانت تُغنى أغنيةً بوسنية شعبية في مدينةٍ صغيرة. وأنا مستعدةٌ للرهان على أن الجمهور لم يفهم كلمةً واحدة من الأغنية. ولكنَّ القليل منهم فعلاً كان يستمع، وكانوا يذرفون الدموع، وذلك لأنَّ العرض كان جميلاً ومليئاً بالمشاعر".

فلسطينيات ويهوديات


وبالنسبة لأنيت، عزَّز هذا الموقف إيمانها بأنَّ الموسيقى تبنى روابطَ أعمق وذات مغزى، أقوى من الجدران التى تبنيها التصورات الخاطئة في وسائل الإعلام أو ينشرها الإرهابيون. وكانت لديها أيضاً فتياتٌ مسلمات فلسطينيات ويهود يغنين معاً عن السلام عندما كان الوضع مشتعلاً في غزة. وعندما خشيت الفتيات القيام بذلك، شحذت أنيت حماستهم بالقول: "هذا هو الوقت الذي ينبغي فيه عليكن الوقوف معاً وإظهار موهبتكن… خاطبن الجمهور مباشرةً وقلن: إنَّ هذا ما نقوم به، ونقوم به لهذا السبب". وضرب هذا الحفل على وترٍ حساس بالنسبة للمئات.

وقالت: "إذا لامستم مشاعر الناس بهذه الطريقة من خلال الموسيقى، فإنَّ الأمر يكون كيدٍ ممدودةٍ بالصداقة".

وأخيراً، تريد أنيت من المسلمين أن يكونوا قادرين على إيصال رسالة إلى غير المسلمين، مفادها: "إنَّه من المقبول تماماً أن تقتربوا منا وتطرحوا أسئلتكم حول الإسلام علينا، وسنكون سعداء لمشاركتكم بالأفكار عن ديننا، وسنكون سعداء بدعوتكم إلى المسجد، للمشاركة في تناول وجبةٍ معاً أو أي شيء".

وتُعد هذه الأشياء الصغيرة مهمة لها، الأشياء التي تجعل الناس يشعرون بأنَّهم على تواصلٍ أكثر، ويشعرون بإنسانيتهم أكثر. وبالنسبة لشخصٍ كأنيت يشعر دائماً بأنَّه عالقٌ بين عالمين، فإنَّ هذه الأشياء الصغيرة مهمة للغاية.

وتضيف: "علينا فعل ما بوسعنا. أعتقد أنَّه إذا أعطاك الله الفرصة للقيام بشيءٍ جيدٍ، فعليك القيام بأفضل ما لديك، وإذا لم تفعل، ستعود تلك الفرصة وتلاحقك".

- هذا الموضوع مترجم عن النسخة البريطانية لهاف بوست، للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.