العقد الذي كلَّف ماري أنطوانيت حياتها.. المرأة الجميلة المهووسة بالموضة اقتيدت للإعدام، وكانت أحد أسباب ثورة فرنسا

تم النشر: تم التحديث:
S
s

يمكن أن نتخيل بسهولة سخط ماري أنطوانيت، ملكة فرنسا وزوجة الملك لويس السادس عشر، حين اكتشفت آخر تهمة وُجِّهت لها عام 1785.

نعم، لقد عاشت هي والملك في ترفٍ شديد. ونعم، أقرَّت بأنَّها كانت مهووسةً بالموضة، وكانت تطلب فستاناً لكل يومٍ تقريباً في السنة، وتضع معايير تسريحات الشعر البف الصعبة، وهي تسريحة شعر مرتفعة غالباً ما كانت تجتذب التعليقات الاجتماعية أو السياسية. وبالطبع كانت تنفق المال بسرعةٍ وببذخ، الأمر الذي يمكن أن نقول إنَّه تسبَّب في ركودٍ ومصاعب اقتصادية خطيرة تسببت فيما بعد بقلب فرنسا كلها على النبلاء، وفق The Daily Beast. وينسب لماري أنطوانيت مقولة مشهورة "إذا لم يكن هناك خبز.. لماذا لا تعطوهم بسكويتاً".

كان لماري أنطوانيت وفق ويكيبيديا دور هام في عصرها باعتبارها رمزاً للجمال والأناقة والرقي وممثلة للحضارة النمساوية الراقية. كما كانت محل إعجاب معاصريها وتعتبر من أجمل نساء القرن الثامن عشر. كان ذوقها في الملابس وتسريحة الشعر له أصداؤه في جميع أنحاء أوروبا، وعندما كانت تتبع أي موضة جديدة كانت تقلدها جميع النساء الأخريات.


علاقتها بالماسة



لكنَّها لم تكن لها علاقة بالقلادة الماسية الضخمة، التي كانت تحوي 647 ماسة أخاذة ووزنها 28 ألف قيراط، والتي اختفت واتُّهمت ماري بشرائها والامتناع عن دفع ثمنها.

وكان هذا الأمر المُروع (وزن الماسات وعددها لا يعني دائماً جودة التصميم) هو أساس آخر الفضائح التي ابتُليَ بها البلاط الفرنسي، وكان الأمر على وشك أن يُكلِّف ماري رأسها حرفياً.

فقد جرى إعداد الساحة لـ"قضية القلادة" بعد شيوع خبر الفضيحة، وقبل اعتلاء ماري للعرش بوقت كافٍ عام 1774، حينما كانت في عمر الثامنة عشرة كزوجةٍ للملك لويس السادس عشر. وبدأ الأمر كله في أثناء فترة حكم الملك لويس الخامس عشر، عندما قرَّر الملك أن ينخرط في التقليد العريق الذي يقضي بشراء هدية ثمينة لعشيقته.

وكانت جان بيكو، كونتيسة دو باري، هي آخر عشيقة في سلسلة العشيقات اللاتي دخلن مخدع الملك لويس الخامس عشر الملكي.

وكانت النزوات أمراً شائعاً في جميع العائلات الملكية الحاكمة، أمَّا لويس السادس عشر فكان استثناءً، كما كان مألوفاً أن تشغل العشيقة الرسمية منصباً شرفياً، وأن يكون لها بعض الحقوق القانونية.

وقد تمتعت دو باري بهذه المزايا، فضلاً عن حضور زفاف ماري أنطوانيت والملك لويس السادس عشر كضيفة للملك، لكنَّها لم تكن محبوبةً كأسلافها.

فقد كانت دو باري امرأة عصامية من نساء القرن الثامن عشر، وُلِدت كابنة غير شرعية لزوجين من طبقة متدنية، وارتقت السلم الاجتماعي خطوة بخطوة بعد أن أدركت أنَّ العمل في متجر للملابس لن يسمح لها بالانضمام إلى مجتمع الثروة المرموق الذي كانت تتوق دوماً لدخوله.

وبعدما فازت دو باري بالهدية الكبرى، الرجل والعرش، تزوَّجت من شقيق أحد عشَّاقها السابقين وأصبحت كونتيسة، وبالتالي جعلها ذلك مؤهَّلة للحصول على لقب العشيقة الملكية الرسمية، (نعم، يجب أن تكون نبيلاً لتحصل على هذا اللقب).

ورغم فوزها بثقة الملك، لم تستطع مدام دو باري كسب ود العديد من النبلاء في البلاد. ومن بين هؤلاء الذين كانوا يحتقرونها بسبب أصولها المتدنية كانت ماري أنطوانيت، زوجة ولي عهد فرنسا الشابة.

لكن من سيهتم بعداء ذوي النفوذ الأقل إذا كان يمتلك تأثيراً خفياً على الملك، الذي بدوره كان على أتم استعدادٍ لإنفاق أمواله من أجل إثبات حبه.

ومن بين الهدايا الوفيرة، ناهيكَ عن الدعم المالي الضخم، التي قدَّمها الملك لويس الخامس عشر لمدام دو باري كان قصرٌ ضخم أعيد تجديده وتزيينه ليلائم آخر الصيحات العالمية في ذلك الوقت.

وبعد ذلك، أهداها القلادة الماسية.

ففي عام 1772، وفق The Daily Beast طلب الملك لويس الخامس عشر الجوهرة الباهظة الثمن من متجر مجوهرات بومر وباسنج، الذي كان واحداً من أفضل متاجر المجوهرات في ذلك الوقت، وكانت القطعة مصنوعة بالكامل من الماس، وتتكون من جزءٍ علوي يلتف حول الرقبة من ثلاث حلقات من الماس. أما الجزء السفلي منها، فكان يضم 4 أحجار بارزة تتدلى من الياقة المكشوفة بصدر الثوب ومُزينة بعُقد صغيرة مزركشة.

وماري أنطوانيت التي ولدت في النمسا في 1755 ارتبطت بلويس في 1770 وصارت خلال أعوام مثالاً لاستهتار الملكيّة الفرنسية وإفراطها، شكلت أحد أسباب اندلاع الاضطرابات التي قادت إلى الثورة الفرنسيّة، وإلى إنهاء الملكيّة بعد ذلك، وفق تقرير نشرته جريدة النهار


مرحلة البحث عن مشتر للقلادة


وبعد عامين، وقبل أن ينتهي صنع القلادة، حلَّ أجل الملك لويس الخامس عشر، ومات وعمره 64 عاماً بعد إصابته بمرض الجدري، وكان قد تمتَّع بثاني أطول فترة حكم في تاريخ الحكم الملكي الفرنسي. وحين مات الملك، ماتت معه أحلام بومر وباسنج في بيع القلادة.

وباعتلاء الملك لويس السادس عشر عرشه مع ماري أنطوانيت، نُفِيَت مدام دو باري إلى ديرٍ للراهبات، أمَّا صانعا العقد فتُرِكا يبحثان عمن يعوضهما عن عملهما الشاق الذي قاما بإنهائه أخيراً، وباختصار، كان عليهما البحث عن مشترٍ لقلادتهما باهظة الثمن، وفي أسرع وقت.

لم يكن هناك العديد من الأشخاص القادرين على شراء قطعتهما اللامعة، لذلك فكر صانعا الجواهر في الاحتمال الوحيد الممكن والواضح، أي الملكة الجديدة.

وفي الوقت الذي اعتلى فيه لويس السادس عشر العرش، كانت صناعة الموضة هي تجارة فرنسا ورصيدها، لكنَّ ماري أنطوانيت شذَّت عن الموضة التقليدية بصناعة موضتها الخاصة.

وطبقاً للمؤرخ كيمبرلي كريسمان كامبل، والذي يحكي عن فترة الحكم قبل ماري أنطوانيت: "كانت خليلات الملوك هن زعيمات الموضة، إذ كان يتوفر لديهن المال والمكانة بلا مساءلة"، أما الملكات، فكان يُتوقَّع منهن أن يتألقن في ملابسهن، لكن وفق طريقةٍ تقليدية، ومُحترمة، كما أنَّهن كن مسؤولات تقنياً عن الخزانة الملكية، ويُتوقَّع منهن على الأقل أن يُنفقن المال بانضباط.

لكنَّ ماري أنطوانيت لم يكن ينطبق عليها أيٌّ من هذا، فمنذ أيامها الأولى في قصرها الملكي كانت شغوفةً وفق The Daily Beast بمواكبة أحدث صيحات الموضة، بالإضافة إلى وضع تصميمات جديدة قد تكتسح صناعة الموضة، وأثارت ماري حفيظة والدتها كثيراً بهذه الأمور.

إذ كتبت ماريا تيريزا لابنتها: "كما تعرفين، تبنيتُ دائماً الرأي الذي يقول إنَّ الموضة يجب أن تواكب الحداثة لكن بدون مغالاة، فالمرأة الجميلة الشابة، والملكة الرشيقة، لا تحتاج لجنونٍ مماثل"، وأضافت متشككةً: "أنتِ تعيشين حياةً منغمسة في الملذات، أتمنى أن أموت قبل أن أرى الكوارث التي ستترتب على فعلتك".

لكنَّ ماري أنطوانيت لم تعبأ برسائل أمها، إذ كانت عازمةً على المشاركة في صناعة الموضة الفرنسية العظيمة، وعلى فعل ذلك وفقاً لقواعدها المُسرفة، لكنَّ هذا لم يكن يعني أنَّها ستسعى لامتلاك كل قطعة مجوهرات ثمينة تُلقى في طريقها.

وسواء أبت ماري أنطوانيت أن تشتري مخلفات غريمتها، أو أبدت بوضوح عدم اهتمامها بالقلادة، على الرغم من زعمها أنَّها لم تر القلادة أبداً، كانت إجابتها المدوية على عرض صانعي المجوهرات اللذين حاولا دفعها لشراء قطعتهما اللامعة قاطعةً بالرفض.

وفي حين غرق الصانعان الذين رُفِضَ عرضهما في الكآبة، وفق The Daily Beast رأت امرأةٌ عصامية من نوعٍ مختلف فرصةً سانحة، وهي جين، كونتيسة لاموت، من مدينة سان ريمي، والتي كانت امرأةً واثقةً بنفسها، وُلِدَت لأبٍ فقيرٍ كان يدَّعي أنَّه وريثٌ شرعي للملك هنري الثاني، ونشأت جين في الشوارع تتسول قوت يومها. لكنَّها طورت حساً بالحياة الراقية، وحيلاً ستتيح لها عيش تلك الحياة حين تكبر.

وكان هدفها في خطتها المحددة تلك هو الكاردينال لويس دي روهان، الرجل الذي ساقه سوء طالعه للتورط في خلافٍ مع ماريا تيريزا، ومع ابنتها بالتبعية، حين ألقى تعليقاتٍ غير مدروسة بشكلٍ جيد أثناء خدمته كسفيرٍ في النمسا. لم يكن الكاردينال المنفي من فرنسا يرغب في أكثر من سبيلٍ يعيده إلى حاشية الثنائي الملكي.

وقد وفَّرت له جين طريقاً للعودة إلى الداخل، فقدمت له نفسها على أنَّها صديقةٌ مقربة من ماري أنطوانيت، وشجعته على أن يكتب رسائل للملكة توصلها لها بنفسها، فانصاع روهان، وكان مبتهجاً حين بدأت تصله الردود (التي كانت في حقيقتها رسائل يكتبها حبيب جين)، فقد كان يعتقد أنَّه في طريقه للعودة إلى اللعبة من جديد.

ولذا، كانت استجابته سريعةً حين أرسلت له "ماري أنطوانيت" خطاباً تطلب فيه منه أن يسديها معروفاً.

حوت الرسالة اعترافاً بأنَّها تتلهف لوضع يديها على عقدٍ ماسيٍّ مبهر يملكه الصاغة البارزان بومر وباسنج، لكن، نظراً لغلو ثمنه، فإنَّها محرجةٌ من طلبه بنفسها، فهلا كان الكاردينال لطيفاً وطلبه لها؟


من يدفع الثمن؟


ويبدو أن روهان وفق The Daily Beast كان قد ابتعد عن الثنائي الملكي كثيراً، لأنَّه حين دبرت له جين لقاءً سرياً مع الملكة، لم يلاحظ أن المرأة التي كان يخاطبها لم تكن سوى بائعة هوى تشبهها. وبعد خداعه، تسلَّم روهان الجواهر المعنية سريعاً، وناول العقد لخادم الملكة، وكان هذا كل شيء.

حتى جاء يوم دفع ثمن العقد، إذ أراد بومر وباسنج أن يتقاضيا أجر مجوهراتهما الثمينة والحصول على حقهما، ولكنَّهما حين تحدثا مع الملكة حول سداد الثمن، فوجئ كل طرفٍ بما يقوله الآخر.

زعمت الملكة أنَّها لا تعرف شيئاً عن العقد، أو عن المقايضة التي يشيران إليها، وكيف يجرؤان على اتهامها بشيءٍ كهذا، خصوصاً بعد أن رفضت القطعة أكثرمن مرة؟

وتبعت ذلك فضيحةٌ ذات أبعادٍ ملحمية، أرسلت في النهاية كل الأطراف المذنبة إلى سجن الباستيل للمحاكمة على جرائمهم، وبُرِّئ روهان في النهاية، فيما تضمنت عقوبة جين الجلد والسجن، وحفر حرف V على صدرها كاختصارٍ لكلمة لص بالفرنسية.

أما العقد، فكان قد هُرِّبَ وقتها إلى لندن، حيث تم تفكيكه وبيعه كجواهر صغيرة عبر أحد شركائها.

في منتصف يونيو من العام 1791م، خرجت العائلة الملكية متنكرة في عربة متجهة للحدود الشرقية لفرنسا وفق ما ذكر موقع ويكيبيدا، ولكن أحد الوطنيين المتيقظين تعرف على الملك من صورته المطبوعة على العملة الورقية، وتم إيقاف الملك والملكة في فاران وأعيدا تحت الحراسة إلى باريس. وأدى هروب لويس وماري إلى زيادة فقدان ثقة الشعب بهما، ولكن لويس وعد بأن يقبل دستوراً جديداً أدى إلى الحد من سلطاته.

كانت ماري تعمل للحصول على المساعدة من الخارج، وحينما بدأت الحرب مع النمسا وبروسيا في عام 1792م، اتهمت بإفشاء أسرار عسكرية إلى الأعداء. وارتاب الشعب وأيقن أنها مذنبة بسبب تلك الخيانة. في 10 أغسطس/آب 1792م، أوقف الملك عن تولي أمور مُلكه بعد مظاهرات عنيفة وطالبت بخلعه وساقت به وبالعائلة وبولي العهد ابنه الطفل لويس السابع عشر إلى سجن "المعبد"، وتولت جبهة "الكونفنسيون" محاكمته.

حكمت عليه بقطع الرأس، ونفذ الحكم، في 21 يناير/كانون الثاني 1793، في ساحة الكونكورد بينما أعدمت أنطوانيت، في 16 أكتوبر/تشرين الأول 1793م، بعد أن اقتيدت بعربة مكشوفة دارت بها في شوارع باريس، حيث رماها الغوغائيون بالأوساخ وكل ما يقع تحت يدهم، وقصوا شعرها الطويل، ثم وضعوا رأسها الصغير في المكان المخصص في المقصلة التي أطاحت برأسها. كان عمرها 38 سنة حين أعدمت، وبقي ولي العهد الطفل وحيداً في السجن، ثم مات بعد فترة متأثراً بمرضه. بذلك انتهى عصر الملكية.