مدينة أسترالية يحيا سكانها تحت سطح الأرض بسبب الحرارة المرتفعة.. هكذا يعيشون

تم النشر: تم التحديث:
WHITE CLIFFS AUSTRALIA UNDERGROUND
WHITE CLIFFS, AUSTRALIA - OCTOBER 23: Local resident Ross Jones cleans a painting in his dugout home near the outback town of White Cliffs on October 23, 2002 in New South Wales, Australia. In 1894 miners began converting their unused mine shafts into underground homes that maintain a constant temperature of 22 degrees celsius and escape the summer heat. The small opal mining town was the first commercial opal field in Australia and today boasts approximately 200 underground homes. (Photo by Ch | Chris McGrath via Getty Images

على بُعد مسافة تبلغ نحو 11 ساعة بالسيارة من العاصمة سيدني، يعيش سكان منطقة "وايت كليف" -تلك المدينة المعزولة والغنية بمنجم أحجار الأوبال الكريمة- نمط حياة مختلفاً عن غيرهم من ساكني المنطقة الساحلية. ويعتبر من الصعب العثور على أحد السكان المحليين لوايت كليف البالغ عددهم قرابة 100 شخص.

وعكس مجموعة من المباني فوق سطح الأرض، يقطن أغلب الساكنين تحت سطح الأرض. ومن ثم، في حال أردت مقابلة سكان مدينة وايت كليف، يجب عليك التوجه إلى باطن الأرض، بحسب تقرير نشرته صحيفة The Independent البريطانية.

في الحقيقة، أسهم عاملان اثنان يتمثلان بالحرارة وحجر الأوبال في تشكيل نمط حياة ساكني وايت كليف. وفي هذا السياق، تم تسجيل أعلى درجة حرارة في البلدة لتصل إلى 48.6% سنة 1973. في المقابل، اعتادت هذه البلدة مواجهة درجات حرارة تفوق 40 درجة مئوية بصفة يومية.

وعلى الرغم من أن الأستراليين اعتادوا تحمُّل الأيام الحارقة، فإنهم شهدوا خلال السنوات الأخيرة درجات حرارة قياسية وامتداد لموجات الحر فترات طويلة على نحو متواتر أكثر من ذي قبل. أما بلدة وايت كليف، فقد سجلت مؤخراً رقماً قياسياً وطنياً جديداً لدرجة الحرارة في أثناء الليل خلال شهر فبراير/شباط، حيث بلغت أدنى مستوياتها لتصل إلى 34.2 درجة مئوية.

وفي السياق نفسه، يؤكد العلماء أن الإجهاد الحراري يعد أكبر عامل طبيعي قاتل في أستراليا، حيث إنه يتسبب في إزهاق الأرواح أكثر من حرائق الغابات، والعواصف، والفيضانات مجتمعة. لذلك، يعتبر الحفاظ على البرودة مسألة حياة أو موت.

ومع ظهور المنازل الجوفية، والشركات، والفنادق، منذ طفرة التعدين خلال القرن الثامن عشر، كان لسكان وايت كليف السبق من نواحٍ عديدة عندما يتعلق الأمر بمواجهة تأثير تغير المناخ. وفي هذا السياق، تبنى سكان وايت كليف نمط الحياة المستدامة في مجموعات متفرقة من المخابئ السكنية. وقد دأبوا على هذا النمط قبل أن يبدأ العالم بالحديث عن المساكن المقتصدة للطاقة والعيش الإيكولوجي.

من جانب آخر، قامت هذه البلدة المعزولة بإنشاء أول محطة للطاقة الشمسية، قبل فترة طويلة من رواج الطاقة المستدامة. وعلى الرغم من أن هذه المحطة، التي أُنشئت سنة 1981، توقفت عن العمل فإنه تم استغلال باحتها الخلفية للتمرن على رياضة الغولف. والغريب في الأمر أن أغلب مساحة ملعب الغولف يشمل أرضاً محروقة.

في الحقيقة، يعيش في هذه البلدة كل من كري مارشال (فنانة محلية) وزوجها لندسي وايت، حيث إنهما يعتبران خبيرَين في العيش تحت سطح الأرض. وقد انتقلت مارشال، أصلها نيوزيلندا، بين سيدني وأديلايد، وبيرث، لكنها استقرت أخيراً في وايت كليف.

وفي هذا السياق، أفادت الفنانة المحلية قائلة: "قدمتُ إلى بلدة وايت كليف منذ 25 سنة لقضاء سنة فقط. عندما أتيت هنا لم يخالجني شعور بالكره أو المحبة تجاه هذه البلدة. أما بعد 25 سنة، يمكنك تخمين الشعور الذي يراودني".

وتعيش مارشال في منزلها القابع تحت سطح الأرض والذي يمثل تعبيراً عن شخصيتها، مستمتعة بدرجات حرارة تتراوح بين 22 و24 درجة مئوية على مدار العام. وفي هذا السياق، تقول مارشال: "لا أنوي أن أعيش حياة صعبة في هذا المنزل. فعلى الرغم من أنني أعيش في كهف، فإنه يعتبر كهفاً فاخراً".



white cliffs australia underground


المخبأ مزين بتحف فنية


في المقابل، لا تزال الأشغال مستمرة في المخبأ، المزين بتحف فنية يدوية وبلاط من الفسيفساء، رغم مرور 10 سنوات على بنائه. كما بينت الفنانة المحلية أنه يجب التركيز على تهوية المكان، حيث إنه من الضروري تصميم مكان مجهز بفتحات للتّهوية؛ حتى لا يحدث تعفن ما.

من ناحية أخرى، أضافت مارشال أن نمط عيشها يعتبر مكلفاً. كما أشارت إلى أن هذا النمط يفرض عليها الانعزال عن الطبيعة. ومن ثم، تعتمد مارشال على الكتل الزجاجية والكوة للحصول على الضوء الطبيعي.

بالإضافة إلى ذلك، قامت كري وزوجها بإعادة حفر نفق منجم قديم معبأ وتصميمه وتأثيثه باستخدام مواد أعيد تدويرها أو استصلاحها أو تم التبرع بها. وقالت كري إنها لم تتمكن من الحصول على قرض من البنك لبناء أو شراء مخبأ، حيث إن النفق الذي أعادت بناءه يقع ضمن اتفاقية التملك الحر؛ ومن ثم لا يعتبره البنك ملكية.

وعوضاً عن ذلك، حاول الزوجان جاهدَين توفير المال لشراء مواد البناء والأثاث في المزادات ومبيعات المآرب. وقد يبدو هذا الأمر شاقاً، إلا أنهما لم يتمكنا من التوصل إلى حل آخر. وفي هذا الصدد، قالت مارشال: "نحن على صلة قوية بمنزلنا. لا يمكنك استئجار عامل بناء ليحفر لك مخبأ ثم ينصرف، فهنا عليك الاعتماد على نفسك للقيام بكل شيء".

وقد يبدو العيش تحت الأرض في منزل مصنوع من مواد وقع استصلاحها أمراً ملائماً أكثر لمناصري البيئة، غير أن كري أكدت أن الأمور تسير بهذا الشكل في وايت كليف. كما أضافت كري قائلة: "تقتصر علاقتنا بتغير المناخ على رؤيته في الأخبار كل حين، لكنه لا يعد بمثابة معاناة بالنسبة لنا في هذه البلدة".


فنادق تحت الأرض




white cliffs australia underground

في الواقع، لا تكون الحياة تحت سطح الأرض حكراً على الساكنين، حيث يتوافر فندق رخيص تحت سطح الأرض. ويعتبر هذا الفندق مقراً لجذب أنظار السياح الذين يحرصون على اختبار قضاء الليلة تحت سطح الأرض.

لا يختلف مدخل الفندق، الذي بُني في جانب تلة، عن بقية الفنادق الموجودة في المناطق النائية. ولقضاء الليلة هناك، يمكن تسجيل وصولك عند مشرب الفندق، حيث يتوافر الطعام. علاوةً على ذلك، لا تحتوي الغرف البسيطة، ذات الجدران البيضاء المحبوكة والمفروشات التي تعود إلى عهد التسعينات، على جهاز تلفزيون أو خدمة واي فاي أو حمامات.

لذلك، يتوجب على الضيوف المقيمين بهذا الفندق التنقل في سلسلة من الممرات للعثور على المرافق المشتركة.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد تشعر بأن قضاء الليلة تحت سطح الأرض أمر غير طبيعي في البداية؛ إذ يشوب الغرفة ظلام دامس تصحبه القليل من البرودة والرطوبة. كما أنه من الصعب ألا تفكر في أفلام الرعب أو فيما قد يحدث في حال حدث زلزال. وعلى الرغم من أن الغرفة تشبه القبر، فإنها تؤمّن لك نوماً هنيئاً.

في الواقع، الأمر الذي بدا غريباً وفريداً من نوعه للزوار هو الحياة الطبيعية لساكني ،المنطقة خاصة أن الخروج من الحرارة العالية إلى ملاذ آخر يعد بمثابة نعمة خاصة خلال منتصف النهار عندما تصل الشمس ذروتها. عند الظهيرة، لا نجد إلا الزواحف الأصلية التي تقف على قارعة الطريقة تحت أشعة الشمس الحارقة، أي شخص آخر إما في الخندق وإما في أسفل المنجم يبحث عن الأحجار الكريمة.

كان من بين هؤلاء الناس عامل المناجم غرايم دوتون وهو رجل أبيض البشرة تقريباً. وقد عاش غرايم في المدينة نحو 26 سنة وبدأ مؤخراً يذهب إلى الساحل ليقضي فصل الصيف رفقة زوجته وأطفاله الذين يعيشون على مقربة من المدينة؛ حتى يتمكنوا من مزاولة دراستهم.

وأفاد غريم بأنه عندما لا يكون بصدد التنقيب عن الأحجار الكريمة يقود جولات للسياح في المناجم، كما أنه يدير متجر ومقهى "الأحجار الكريمة الحمراء". والجدير بالذكر أن غرايم يسكن في مخبأ يتكون من 5 غرف نوم ويقول إنها ليست فقط مجرد وسيلة لتوفير الطاقة، ولكنها شكل من أشكال التعبير الفني. وفي هذا السياق، قال غرايم: "أجد الجدران المربعة المسطحة للمنزل مملة جداً مقارنة بالجُدران المنحنية للمخبأ. أنا في سلام هنا".

أما بالنسبة لكري مارشال، فعندما سألناها هل بمقدورها العيش فوق الأرض مرة أخرى؟ قالت: "لقد اعتدت العيش في المخبأ المنحني ولا أستطيع أن أتخيل أنني أعيش في مربع من الزوايا الحادة فوق الأرض بعد الآن. وما دمت على قيد الحياة فسأتجنب ذلك قدر المستطاع".