"يا تُرى هنبعت مين ينزل العلم المصري".. شاهد دموع ولكمات في تصويت البرلمان على اتفاقية تيران وصنافير مع السعودية

تم النشر: تم التحديث:
TIRAN
NurPhoto via Getty Images

مع إسدال البرلمان المصري الستار على اتفاقية تيران وصنافير، وتصويته الأربعاء 14 يونيو/حزيران 2017، بشكل نهائي، على تبعية الجزر للسعودية- شهدت اجتماعات اللجان البرلمانية التي أُحيلت إليها الاتفاقية العديد من الكواليس والوقائع التي تحتاج يوميات لسردها، حسبما يقول نواب.

جاء مشهد التصويت خاطفاً وسريعاً، كما حدث في مناقشات لجان المجلس وفي 3 أيام فقط (من الأحد للأربعاء)، وجاء التصويت بالوقوف لا بذكر الاسم كما طالب المعارضون، ثم أعلن الدكتور علي عبد العال "موافقة"، وخرج مغادراً القاعة وسط هتافات البعض "مصرية.. مصرية".

وكان من اللافت توافق المؤيدين والمعارضين على تحميل الحكومة مسؤولية أزمة مناقشة الاتفاقية؛ إذ انتقد ائتلاف دعم مصر (315 نائباً)، في بيان، رسمي الحكومة؛ بسبب ما قال إنه تقصيرها في عرض الوثائق على الشعب وترك المعارضين يستحوذون على آراء المصريين، بينما انتقدها المعارضون لمناقشة الاتفاقية في البرلمان رغم الحكم القضائي ببطلانها.


صراخ وملابس حداد واعتصام


ما إن أعلن رئيس المجلس موافقة أغلبية الأعضاء على الاتفاقية حتى شهدت قاعة مجلس النواب مشادات بين النواب المؤيدين والمعارضين الذين هتفوا "مصرية.. مصرية"، رافعين لافتات مكتوباً عليها "مصرية".

النائبة الصحفية نشوى الديب، التي حضرت مرتدية ملابس سوداء استعداداً للحداد على التنازل عن الأرض، كما تقول، بكت وهي تمسك بيدها ورقة مكتوباً عليها "مصرية"، ومعها النائبة مني جاب الله، فيما صرخت زميلتها نادية هنري: "حرام عليكم".

نشوى الديب قالت لـ"هاف بوست عربي"، إن "دم الشهيد ضاع، وعَلم مصر سقط من على أرض تيران وصنافير"، مضيفةً: "يا تُرى هنبعت مين ينزل العلم المصري؟ يا فرحة الصهاينة وأعوانهم بتنازل مصر عن جزء من أرضها".

وقررت نشوى الديب و4 أعضاء من النواب بدء اعتصام داخل المجلس، وهدد أعضاء تكتل "25 -30"، بالدخول كلهم في اعتصامٍ مفتوح بمقر رئيس مجلس النواب، الدكتور علي عبد العال، اعتراضاً على تمرير عملية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية.

فيما قدم النائب البرلماني ماجد طوبيا استقالته من ائتلاف دعم مصر، احتجاجاً على تمرير الاتفاقية، وقال في بيان استقالته إنه لم يعد في قدرته الالتزام بمواقف الائتلاف، ليسجل أول حالة استقالة من المجلس، فيما لا يزال نواب تكتل "25 -30" يناقشون فكرة تقديم استقالاتهم.


علمنا بالنتيجة مسبقاً


عضو المكتب السياسي لائتلاف "دعم مصر"، صاحب الأغلبية النيابية، جمال عبد العال، فاجأ الصحفيين قبل بدء التصويت بساعة، حين تحدث عن أن "النتيجة معروفة مسبقاً"، مؤكداً أن "الموضوع محسوم نهائياً، والجزر سعودية، والأغلبية سيوافقون على تسليمها للمملكة العربية السعودية، وسيتم التصويت على هذا بعد ساعة من الآن".

النائب المؤيد للحكومة اعتبر أن "هذا حق للسعودية، ومصر دولة تحترم حقوق الآخرين".

وعن أسباب التصويت بـ"نعم"، قال النائبان زكي السويدي رئيس ائتلاف مصر، وعلاء عابد، العبارة نفسها: "أدوا الأمانات إلى اَهلها"، في إشارة إلى أن السعودية تركت الجزر لمصر أمانة خلال الحرب مع إسرائيل، وحُق لها استردادها الآن، حسبما قالا.


النواب الذين غابوا


المفارقة الأولى هي غياب نواب عن مناقشة الاتفاقية في لجان البرلمان والجلسة الختامية، لأسباب غير مفهومة.

فمن بين عدد أعضاء مجلس النواب الـ596 (منهم 448 منتخبون)، عارض منهم الاتفاقية 97 نائباً، وغاب عدد كبير من النواب لم يُعرف عددهم، منهم 22 نائباً، غالبيتهم من المعارضين لسعودية الجزر، سافروا إلى أميركا في مهمة لمطالبة الكونغرس باعتبار الإخوان المسلمين "جماعة إرهابية".

قبل هذا، حضر من أعضاء لجنة الشؤون التشريعية والدستورية الـ49 نائباً في اللجنة 43 نائباً فقط، وافق 35 عضواً منهم على الاتفاقية مقابل 8 عارضوها.

وكشف النائب محمد عقل، عضو لجنة الدفاع والأمن القومي، أن 15 نائباً فقط من إجمالي 37 من أعضاء لجنة الدفاع، هم الذين صوتوا على تمرير اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية.

النائب "عقل" -الذي يرفض الاتفاقية- قال لـ"هاف بوست عربي" إن لجنة الدفاع عقدت اجتماعها في نصف ساعة فقط ووافق 12 عضواً فقط على الاتفاقية، وتغيب 22 نائباً، أي أكثر من عدد الموافقين، ولم يتم مناقشة أي خبراء، أو ذكر مبررات الموافقة التي تتعلق بالأمن القومي رغم خطورتها على الأمن الملاحي".

وتساءل اللواء محمد عقل: "ما سر الاستعجال والتسرع بعرض الاتفاقية الآن؟ لماذا الموافقة عليها خلال 48 ساعة، رغم أنها لم تنفذ عام 1990 في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك الذي وقع وثائق ترسيم الحدود؟".


زمن قياسي للمناقشات


استغرقت مناقشة كل الاتفاقية 3 أيام فقط، منهم يومان في اللجنة التشريعية، ثم جرى تمرير الاتفاقية بلجنة الأمن القومي في 30 دقيقة، وبالجلسة العامة قرابة ساعة.

وأشار النائب أحمد البرديسي، عضو لجنة الدفاع والأمن القومي، وأحد 3 نواب عارضوا الاتفاقية، إلى أنه يفكر في تقديم استقالته من البرلمان، بسبب ذلك، بعد موافقة اللجنة، في 30 دقيقة، على الاتفاقية دون مناقشة كافية أو استدعاء خبراء!

وقال لـ"هاف بوست عربي" إنه اعترض عليها مع عضوين اخرين في اللجنة فقط؛ لأنها لم تنل حظها من المناقشة في أهم جلسة بالبرلمان، وهي الدفاع والأمن القومي رغم خطورة الاتفاقية على الملاحة المصرية في هذه المنطقة.


أمين سر اللجنة ابنه هارب


والمفارقة الثانية أن من أعضاء لجنة الدفاع والأمن القومي التي وافقت بالإجماع على الاتفاقية، باستثناء نائبين فقط، أمين سر اللجنة اللواء أحمد عبد التواب، الذي وُجهت اتهامات لنجله بالمسؤولية عن قتل أحد الأطفال بالخطأ، وهو الطفل يوسف، وهارب من طلب النيابة ضبطه واحضاره.

ومن كواليس المناقشات أيضاً، أن النائب اللواء أركان حرب "أحمد إبراهيم محمد العوضي"، عضو لجنة الدفاع والأمن القومي عن حزب "حماة وطن"، الذي انتقد في تصريح خاص لـ"هاف بوست عربي"، "تصدير كل شيء لمجلس النواب"، وأكد أن "الشارع رافض للاتفاقية ولم يتم تأهيله بعد"، لم يرد اسمه ضمن 3 نواب معارضين في اللجنة؛ وهم: أحمد البرديسي وأسامة أبو المجد وفايزة محمود.

وقبل التصويت، انتقد النائب استعجال الحكومة في مناقشة الاتفاقية في المجلس قائلاً: "لماذا الاستعجال ولم يتم تأهيل الشارع الرافض للاتفاقية؟ مش وقتها، لماذا الاستعجال؟".


حزب النور السلفي "موافقون"


على مدار الأيام الماضية، ظل الصحفيون يسألون أعضاء الهيئة البرلمانية لحزب النور السلفي عن موقفهم من اتفاقية تيران وصنافير، وكانت إجابتهم واحدة: "اسألوا المتحدث الرسمي للحزب".

وسألت "هاف بوست عربي" اثنين من نواب الحزب قبل التصويت النهائي، فأكدا أن موقف الحزب هو ضرورة دراسة الاتفاقية جيداً، والأهم عرضها على الاستفتاء الشعبي، رافضين مبدأ التنازل عن الأراضي، بيد أن الهيئة البرلمانية لحزب النور وافقت اليوم على الاتفاقية.

وقبل موافقة نواب حزب النور، شوهدت لقاءات ومناقشات بين بعضهم ونواب في ائتلاف دعم مصر، فسرها صحفيون بأنها محاولات لإقناعهم بالموافقة.

وأعلن النائب محمد صلاح، ممثل الهيئة البرلمانية لحزب النور، في تبريره لموافقة الحزب، أنه "مثلما لا تُبنى الأوطان على تفريط في جزء منها، لا يمكن أن تقوم على اغتصاب حقوق الغير إذا ثبت ذلك، ورد الحقوق لأصحابها فرض إذا ثبت ذلك".

وقال الحزب في بيان موافقته على صفحته بفيسبوك، إنه "طبقاً للوثائق والمستندات الرسمية، نوافق على اتفاقية الحدود البحرية بين مصر والسعودية".


عبد الناصر موافق على التنازل


من كواليس الجلسات أيضاً أن النائب الوفدي "محمد مدينة"، المؤيد للاتفاقية، حاول تفنيد ما قاله النواب المعارضون من أن الرئيس السابق جمال عبد الناصر تحدث عن مصرية الجزر بحسب فيديوهات يجري الترويج لها، وأكد أن نجل عبد الناصر أبلغه أن والده مع "سعودية الجزر وتنازل مصر عنها".

وأكد النائب: "أنا أجريت اتصالاً مع نجل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وقال لي إن الناس لم يفهموا مغزى الأوراق والخطابات المنسوبة إلى عبد الناصر التي تم إعلانها بشأن تيران صنافير، وأنها كانت موجهة لإسرائيل".

وأضاف: " قال لي بملء فيه إنهما سعوديتان، والحقيقة هي أن تيران وصنافير سعودية، وأطالب باستدعاء نجل عبد الناصر ليقول لكم هذا".


احترام الزي العسكري أو الطرد


حين تحدث ممثل الجيش في جلسة الموافقة على الاتفاقية وأكد أن "السيادة للجزر أمر يحسمه التاريخ"، فهِم نواب تكتل "25-30" المعارضون ذلك على أنه تحول في موقف الجيش ورفض للاتفاقية، ودخلوا في موجة تصفيق حادة وهم يبتسمون رضاء بأن هذا اعتراف ضمني من ممثل القوات المسلحة بأن الجزر تتبع مصر.

أيضاً، فهِم نواب "ائتلاف دعم مصر" الذين يدعمون سعودية الجزر، حديث المتحدث العسكري على أنه تكرار لما قاله في جلسة لجنة التشريعية المؤيد لسعودية الجزر، فوقفوا مع النواب المعارضين يصفقون له أيضاً.

لاحقاً، حين تبين للمعارضين أن ممثل الجيش يدعم سعودية الجزر، وقاطعوه، انصب حديث الدكتور علي عبد العال، رئيس مجلس النواب، في جداله مع أعضاء تكتل "25-30" الرافضين الاتفاقية على الربط بين عدم التفريط في الأرض وشرف العسكرية المصرية، وهدد بإخراجهم من المجلس؛ بسبب مقاطعتهم المستمرة لممثلي الجيش.

وحين اعترض نواب على كلام العميد بحري أشرف العسال، ممثل القوات المسلحة، خلال شرحه أسباب نقل تبعية جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية، وحديثه عن "الفوائد الاقتصادية للاتفاقية"، قال لهم رئيس المجلس: "من لا يحترم الزي العسكري لا مكان له في المجلس".

وكان من اللافت هتاف رئيس مجلس النواب، الدكتور علي عبد العال، بعد التصويت قائلاً: "عاشت مصر.. عاش الجيش الذي لا يفرط في أرض بلده".


خناقات وسباب و"انت مخرج مش متخصص"


من الكواليس الأخيرة، أنه قبل إحالة الاتفاقية إلى لجنة الدفاع والأمن القومي ثم الجلسة العامة الأربعاء، تكررت الملاسنات والاشتباك بالأيدي بين النواب وتبادل اتهامات بـ "قبض أموال" لم يعهده المجلس من قبل.

فحين تحدث رئيس الجمعية الجغرافية السيد الحسيني، مدافعاً عن تبعية الجزيرتين للسعودية، مستعيناً بوثائق وخرائط، قاطعه النائب خالد يوسف حول صحة هذه الخرائط المعروضة مقارنة بأخرى لجمعية المساحة وغيرها تنفي ما يقول، ردّ عليه الحسيني قائلاً: "اجلس انت مخرج، مش متخصص".

وكانت هذه العبارة الفتيل الذي أشعل معركة في المجلس، فقد غضب المخرج خالد يوسف من وصفه بأنه "مخرج"؛ أي لا يفهم في أمور الخرائط، وتوجه ناحية المنصة ومعه النائب أحمد الطنطاوي، الذي قال لرئيس الجمعية الجغرافية: "حديثك كله مغلوط، وترمي علينا الافتراءات، دي أرض وتاريخ بلد"، ثم ألقى الميكروفون على الأرض.

وبدأت بعدها معركة بالألفاظ النابية بين النواب تطورت لاشتباكات بالأيدي كان أبرزها واقعتان:
(الأولى): مهاجمة النائب الوفدي محمد سليم لزميله النائب المعارض للاتفاقية مصطفي كمال الدين حسين، وتوجيه السباب له، ومهاجمة النائب سعيد شبايك أعضاء المجلس رافضي الاتفاقية، وسعيه للاشتباك بالأيدي مع النائب خالد يوسف وقوله له: "إنت قليل الأدب"، و"هاطلع ميتين أهلك".

(الثانية): حين اعترضت النائبة مي محمود من تكتل "ائتلاف دعم مصر"، المؤيد للاتفاقية، على ما رأته وصفاً لنائبة أخرى بألفاظ غير لائقة، من قِبل النائب خالد شعبان، وقالت له: "عيب يا خالد عيب يا خالد!"، وانتقدها النائب ضياء الدين داود قائلاً: "برافو يا مي"، وهو يشير بيديه إلى كتفه، في إشارة إلى علامة الشرطة، في اتهام للنائبة بعلاقتها بالأمن.

وردت النائبة مي محمود عليه: "برافو عليكم الفلوس"، فردّ هيثم الحريري "فلوس إيه يا أم فلوس!"، فردت "إنت بالذات ما تتكلمش، انت مالكش عين تتكلم؛ بتتكلم ليه"، فثار عليها الحريري وخلع جاكيت بدلته.

وكرر خالد يوسف اتهامه لرئيس المجلس بأنه وصفهم بالخونة حين قال مؤكداً وطنية الجيش: "من حارب لا يعرف التفريط ولا البيع، والذين يبيعون معروفين ومرصودين"، وطالب يوسف بالتحقيق فيما قاله رئيس المجلس واعتذاره، فاضطر الدكتور علي عبد العال إلى تلطيف الأجواء بقوله: "جميع من في القاعة وطنيون".

وحين طالب نواب بالاستعجال في التصويت وعدم مقاطعة نواب المعارضة لرئيس المجلس أو ممثلي القوات المسلحة، قال النائب ضياء الدين داود: "اللي عنده منازعة على بيت 50 متر، المحكمة بتسمعه ساعة واثنين"، وقال المخرج السينمائي النائب خالد يوسف: "إن شاء الله نقعد سنتين نتكلم.. ده وطن مستعجلين على إيه؟".