ما سرُّ الاستعجال؟ لكل هذه الأسباب تسعى الحكومة المصرية لتمرير اتفاقية تيران وصنافير الآن

تم النشر: تم التحديث:
SANAFIR
Anadolu Agency via Getty Images

لماذا تتعجل الحكومة المصرية في تمرير اتفاقية نقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، و"هل إقرار الاتفاقية داخل مجلس النواب المصري يُغلق الملف من الناحية القانونية؟".. سؤالان يشغلان قطاعات كثيرة من الرأى العام بعد موافقة اللجنة التشريعية على اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والمملكة العربية السعودية، وما سيترتب عليها من تسليم جزيرتي تيران وصنافير.

وذكر عدد من المحللين السياسيين، أن اختيار هذا التوقيت لإقرار الاتفاقية ومحاولة الحصول على موافقة نهائية من مجلس النواب المصري بشكل عاجل أمر لم يكن وليد الصدفة، وأن هناك ترتيبات وظروفاً محددة دفعت لإنهاء هذا الملف بهذا التوقيت.


المحيط الإقليمي وترتيبات داخل البيت السعودي


الدكتور حازم حسني، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، يقول إنه بالنظر إلى التوقيت الحالي لإقرار الاتفاقية، نجد أن هناك العديد من علامات الاستفهام، خصوصا أن إصرار الحكومة على تمرير الاتفاقية يأتي في وضع سياسي وإقليمي غير ملائم لاتخاذ هذا القرار وفقاً لمصالح النظام المصرى، وبعيداً عن الغموض الذي لا يمتلك تفسيراً له سوى الحكومة، فإن الحقيقية المؤكدة أن هذا النظام يتصرف بشكل غير ملائم سياسياً ودستورياً، حسب قوله.

وذكر حسني، لـ"هاف بوست عربي"، أن هناك عدة احتمالات من الممكن أن يكون أحدهما أو بعضها هو الدافع لاختيار هذا التوقيت لإقرار الاتفاقية.

وقال إنه من الممكن أن يكون هناك مخطط دولي للمنطقة، تشرف عليه الولايات المتحدة الأميركية بمشاركة مصر، يتطلب سرعة إنجاز الاتفاقية بهذا التوقيت، أو من الممكن أن هناك التزامات تتعلق بمسألة تمويل المساعدات لمصر، أو هناك ترتيب أوضاع داخل نظام الحكم السعودي يتطلب سرعة إقرار الاتفاقية بهذا الشكل.


شهر رمضان والحر


بينما يرى عمرو هاشم ربيع، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن هناك عدة ظروف جعلت النظام المصري يعتقد أن هذا التوقيت هو الأنسب لاتخاذ هذا القرار، منها ظروف شهر رمضان الكريم وانشغال المجتمع المصري بأجواء الصيام والأعباء المالية الباهظة على المصريين في هذه الأيام، مع ارتفاع تكاليف المعيشة، في ظل حالة الغلاء بمصر.

وقال ربيع لـ"هاف بوست عربي"، إنه بجانب شهر رمضان فإن هناك الارتفاع في درجة الحرارة، وهي ظروف دفعت الحكومة للاعتقاد بأنها لن تساعد على استجابة الشعب لدعوات التظاهر إذا ما أطلقها رافضو تلك الاتفاقية من القوى السياسية والأحزاب والشخصيات العامة.

وأشار نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إلى وجود مؤشر في طبيعة العلاقات مع السعودية، قد يترتب عليه أحداث جلل بالمنطقة، موضحاً أن التباعد الشديد مع المملكة له آثاره التي تظهر سريعاً، وكذلك التقارب الشديد الذي ينتظر منه وجود ثمن سوف يدفع من كلا البلدين، بالطبع شكله المالي من الجانب السعودي يظهر في شكل قروض ومنح، مقابل الجوانب السياسية من الطرف المصري، وهذا ما يفسر محاولة الإرضاء المريبة التي تقوم بها السلطات المصرية لصالح المملكة، بإقرار الاتفاقية بهذا الشكل السريع، حسب تعبيره.

وحذر ربيع من وجود ترتيبات خفيَّة أكثر ألماً، من المنتظر أن تظهر خلال الفترة المقبلة، معتبراً أنه ليس من السهل إقدام النظام المصرى على إقرار الاتفاقية بهذا الشكل والتوقيت، لأنه يعلم بالتأكيد أنها سوف توحد الشارع ضده بكل تناقضاته، إذ إنه لأول مرة يحدث اتفاق بين اليسار والإسلاميين والليبراليين، وتتخندق جميع القوى السياسية ضده بهذا الشكل.


ضغوط من أجل صفقة القرن


الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، يؤكد أن اختيار هذا التوقيت ليس وليد الصدفة، مشيراً إلى أن الإصرار على مناقشة الاتفاقية رغم عدم قانونيتها بهذا التوقيت يعكس أن هناك ضغوطاً على مصر بسبب أمر ما.

وقال نافعة في تصريح خاص لـ"هاف بوست عربي": يبدو أن هذا التوقيت له ارتباط بما يروج عنه بأنه صفقة القرن، ورغبة الولايات المتحدة في إنهاء القضية الفلسطينية، وهو ما يشير إلى أن إسرائيل لها علاقة بالأمر، خصوصاً أن إقرار الاتفاقية يعني أن يكون للمملكة العربية السعودية علاقة سياسية وتبادل التواصل مع إسرائيل، في ظل أن الجزر ضمن المنطقة (ج) المنصوص عليها في اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، وتتطلب ترتيبات أمنية محددة".

وأشار إلى أن الحكومة المصرية حاولت الالتفاف حول الأحكام القضائية النهائية، التي أكدت مصرية الجزر، ولكنها لم تنجح، لذا قررت أن تضرب تلك الأحكام بهذا الشكل العبثي داخل مجلس النواب، في ظل الضغوط الدولية والرغبة الواضحة بإنشاء تحالف إقليمي بمشاركة إسرائيل لمواجهة إيران.

ويتابع قائلاً: "هذه الإجراءات بالتضييق على الحريات وحجب المواقع التي سبقت موعد إقرار الاتفاقية سيناريو معد مسبقاً، لتفادي الرفض الشعبي للتنازل عن تيران وصنافير، وكان الهدف هو حجب أي منصات إعلامية قد يكون لها دور في إثارة الشعب المصري ضد الاتفاقية، أو إسماع صوت الشعب الغاضب من تمرير الاتفاقية"، حسب قوله.


هل يمكن للمعارضة وقف الاتفاقية أمام القضاء؟


"هناك العديد من المسارات القانونية التي يمكن اللجوء إليها داخل مصر إذا ما انتهى البرلمان من إقرار الاتفاقية والموافقة عليها، حيث يمكن الدفع بعدم دستورية هذا القانون وما شابه، مما سيؤكد استمرار النزاع".. هكذا قال خالد علي المحامي الحقوقي، وأحد أصحاب دعوى إلغاء الاتفاقية أمام القضاء المصري.

وأضاف علي لـ"هاف بوست عربي"، أنه رغم توقيع النظام المصري على الاتفاقية، ورغم التصريحات الرسمية فإنه يمكن لمصر أن تحتفظ بالجزر، ولكن موافقة البرلمان "الذي يعد وفقاً للقانون الدولي هو المعبر عن الشعب"، تعني التنازل عن تيران وصنافير، وإضعاف موقف مصر بشأن الاحتفاظ بهما، وإضعاف فرص الأجيال القادمة للحفاظ عليهما أو استردادهما لو تخلى عنهما السيسي، وأردف قائلاً: "أتمنى أن يعي أعضاء المجلس قيمة هذه اللحظة".


هل يتم حل البرلمان؟


من جانبه، اعتبر الدكتور نور فرحات، أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة، أن هناك جرائم عديدة سوف تترتب على إقرار اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، معدومة القيمة القانونية، خاصة بعد حكم الإدارية العليا ببطلان توقيع ممثل الحكومة عليها، وبالتالي يمثل ذلك إضراراً بالوطن، يضع صاحبه تحت طائلة القانون، ويعرضه للمساءلة الجنائية، حسب قوله.

وأضاف في تصريحات صحفية، أن قانون العقوبات المصري يعاقب كل من ارتكب عمداً فعلاً يؤدي إلى المساس باستقلال البلاد أو وحدتها، أو سلامة أراضيها، بالأشغال الشاقة المؤبدة، لكل شخص كلف بالتفاوض مع حكومة أجنبية في شأن من شؤون الدولة، فتعمد إجراءها ضد مصلحتها، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى حلِّ مجلس النواب، حسب قوله.

وأكد فرحات أن هناك أكثر من طريق للتحرك القانوني لوقف هذه المهزلة، بحسب تعبيره، بداية من رفع دعوى أمام القضاء الإداري بطلب عدم الاعتداد بنشر موافقة البرلمان على الاتفاقية معدومة القيمة في الجريدة الرسمية، وأثناء ذلك، يتم الطعن بعدم دستورية موافقة مجلس النواب، ويكون القرار النهائي في يد المحكمة الدستورية العليا.

وهناك مسار قانوني مختلف سوف يتخذه فرحات، حسبما أكد، عبر رفع دعوى عاجلة أمام القضاء الإداري يطلب من خلالها عدم الاعتداد بوجود البرلمان، وما يترتب على ذلك من آثار، وعلى رأسها إلغاء القرار الجمهوري الخاص بانتخاب مجلس نواب جديد، قائلاً: "هؤلاء النواب ستلاحقهم لعنات التاريخ، وتطاردهم المساءلة الجنائية".