"أحلك الأيام".. الأزمة الاقتصادية في مصر تضرب فرحة رمضان في مقتل

تم النشر: تم التحديث:
AFP
AFP

مع دخول شهر رمضان في مصر يعاني أصحاب الدخول المتوسطة والضعيفة من ارتفاع أسعار المستلزمات الرمضانية، نظراً لحالة الإقبال الكبير عليها، لكن هذا العام وصلت الأزمة إلى مستوى قياسي، ولاحقت أصحاب الدخول الكبيرة أيضاً، بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار بسبب بعد إقدام الحكومة على تعويم العملة المحلية.

ورصد موقع "ميدل إيست آي" البريطاني الأجواء في العاصمة القاهرة قائلاً "يزخر سوق عابدين في وسط مدينة القاهرة بالإثارة، تظهر الفوانيس في كل مكان، وتزدهر في نفس الوقت الأزهار في أعلى الأشجار، أما حال الأكشاك فمماثل تماماً لحال مَعدات الناس؛ فارغة".

وحلَّ الشهر الفضيل على البلاد كلها: 30 يوماً من الصيام والاحتفال والتدبر، ومن طاولات الطعام الضخمة للعائلة وللأصدقاء أيضاً.

وتقف حميدة حسين -ربة منزل وأم لثلاثة- أمام محل جزارة أحمد صفوت، ولا تدري كيف تقدم أطباق الطعام على الطاولة كل مساء لتغذية عائلتها بعد يوم طويل من الصيام.

ونقل الموقع البريطاني عن السيدة المصرية: "يزداد الأمر صعوبة بالنسبة لنا"، ثم تتابع "نحاول أن نعيش بما لدينا. قبل ذلك، كنت أشتري 2 كيلوغرام من الطماطم، أما الآن فلا أستطيع تحمل تكلفتها أكثر من هذا، بسبب ارتفاع جميع النفقات".

وأضاف الموقع "أشتري (كيلو) واحد فقط. وصار الأمر حتى أسوأ خلال هذا الشهر، لأن الأسعار قد ارتفعت أكثر". قد يكون الجو الاحتفالي يعم الشوارع، ولكن في السوق، المتسوقون المصريون ليسوا في حالة تسمح بإنفاق المال بحرية، بحسب الموقع البريطاني.


الأزمة التي أكلت نفسها


وفي أبريل/نيسان الماضي، ارتفع معدل التضخم السنوي في مصر بنسبة 33%، وتجاوز 44% للسلع الغذائية.

شهدت مصر زيادات غير مسبوقة في الأسعار، منذ أن أصدرت السلطات قراراً بتعويم الجنيه المصري، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وكان هذا جزءاً من خطة إصلاح مرتبطة بقرضٍ من صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار.

وقرَّر البنك المركزي المصري تحرير سعر صرف الجنيه المصري، حيث سيحدد سعر العملة وفقاً لآليات العرض والطلب، وهو ما يعرف أيضاً بتعويم العملة، في نوفمبر/تشرين الثاني العام الماضي.

وهكذا، يواجه المصريون واحدةً من أخطر الأزمات الاقتصادية في تاريخ بلدهم.

"الأزمة الحالية سيئة للغاية" حسبما يقول عمرو عدلي، خبير اقتصادي وباحث زائر في مركز كارنيغي للشرق الأوسط. وتابع: "معدلات التضخم، بما فيها المعدلات الرسمية، هي الأعلى منذ أواخر الثمانينات، وقد امتد الركود لمدة 5 أو 6 سنوات حتى الآن، هذه أسوأ أزمة اقتصادية تواجه هذا الجيل من المصريين".

وضعفت قيمة الجنيه المصري الذي كان يُتداول بسعر رسمي قدره 8.8 جنيه لكل دولار. الآن يتم تداول الدولار الأميركي بأكثر من 18 جنيهاً مصرياً.

كانت الصدمة شديدة. هذه حلقة مفرغة- أو ربما أوروبوروس، وهو رمز مصري قديم يمثل تنيناً يأكل ذيله.

خلال الشهر الفضيل، يرتفع الإنفاق الاستهلاكي مع تحمس الجميع لشهر رمضان. ويزيد البائعون الأسعار، حتى على المنتجات المحلية لأنه -كما يصيغون السبب- هذه تجارة. ولكن ارتفاع الأسعار الآن أصبح مسألة نجاة للتجار، مع تحميل التكلفة على المتسوقين.

ووفقاً لأرقام البنك المركزي المصري، ارتفعت أسعار الخضراوات والفواكه الطازجة بنسبة 7.5% و5.5% على التوالي خلال الشهر الماضي. وزادت اللحوم الحمراء بنسبة 4% تقريباً، والأسماك والمأكولات البحرية بنسبة 8%، إلى جانب اللبن والجبن وغيرها من السلع.

وتقول امرأة عجوز تجلس على ناصية الطريق مع بضاعتها للموقع البريطاني: "نواجه أحلك الأيام، لدرجة لم نعهدها قبل"، "لا يمكننا بيع أي شيء، وهذه البطاطس هنا، لقد حاولت التخلص منها لمدة خمسة أيام، ولا أستطيع بيعها ولا أستطيع إطعام أطفالي".

وداخل السوق، يقول محمود حازم، بائع الدجاج، إن أرباحه قد تراجعت كذلك، "لا أبيع ربع ما اعتدت بيعه في الماضي. كنت أبيع 10 دجاجات في اليوم أحياناً. الآن، أبيع ثلاثة بالكاد، لكن ثمنها ارتفع بسبب التضخم، خاصة خلال شهر رمضان".

ويشرح أحمد صلاح (25 عاماً) لميدل إيست آي، كيف اعتادت والدته تخزين الفاكهة خلال الأشهر السابقة لرمضان لاستخدامها في العصائر، وكيف توقفت عن ذلك.

مضيفاً: "اعتدنا أن يكون لدينا براد للتجميد مملوء بالفاكهة فقط، درج للمانجو، وآخر للجوافة وهكذا. أما الآن فشراء أكياس العصائر المصنعة الصغيرة هو أقل تكلفة. بالطبع ليس بجودة العصير الطازج، إلا أن بوسعك استخدام كيس من العصير المركز لتحضير 5 - 6 أكواب من العصير، بينما لا ينتج كيلو المانجو سوى ثلاثة أكواب على الأكثر. وهو ما لا نستطيع تحمل تكلفته الآن".


رفاهية المكسرات


اضطر العديد من المصريين لتغيير عاداتهم الغذائية خلال الأشهر الأخيرة، في مواجهة أسعار الطعام المحبطة.

يقول أحمد صفوت (جزار): "أصبح البالغون على استعداد للتخلي عن أنواع معينة من الطعام، مثل البروتين الحيواني، لأن علينا إطعام أطفالنا أولاً. البروتين مهم لنمو الأطفال، وعدم تناولهم له قد يؤثر على نموهم وصحتهم".

وأضاف أيضاً: "أصبح الدجاج بديلاً للسمك واللحم، إلا أن ثمنه يزداد ارتفاعاً"، كما أوضح كذلك أن سعر كيلو اللحم قد ارتفع من 48 جنيهاً (2.65$) ليصل إلى 68 جنيه (3.67$) بعد تعويم الجنيه المصري، أما الدجاج فقد ارتفع سعره أيضاً من 28 جنيه (1.55$) إلى 36 جنيه (1.99$).

واشتكت إحدى الأمهات من ارتفاع ثمن الدجاج المجمد خلال الشهور الستة الأخيرة ليصل سعر العبوة البالغ وزنها 1.3 كغم إلى 40 جنيهاً بعدما كان 28 جنيهاً.

وأضاف رجل عجوز يتجول في أزقة السوق "لقد أصبح كل شيء باهظ الثمن، لم يعد بإمكاننا الشراء". هذا العام لن يتمكن من شراء المكسرات والفواكه المجففة، إحدى مباهج رمضان الصغيرة.

وتابع: "يُعد الكاجو هو الأسوأ" إذ بلغ سعر الكيلو هذا العام 400 جنيه (22$) تقريباً، وأضاف: "علي أن أكون حريصاً فيما يتعلق بإنفاق كل جنيه".

تحولت المكسرات إلى ترف، لكن جميع السلع قفزت أسعارها إلى مستويات مقلقة. تضاعف سعر الأرز، ما دفع الناس للجوء إلى الخبز، وتظن بعض المخابز أنها تبيع ضعف الكمية المعتادة في الآونة الحالية، بحسب ميدل إيست آي.

إنها ظاهرة تسلط الضوء على الألم الذي يشعر به المصريون جراء الإصلاحات. كما تُظهر أيضاً كيف وفّر برنامج الدعم الحكومي للخبز حماية ضد الجوع ومنع الانفجار المجتمعي.

على سبيل المثال، في نهاية مارس/آذار الماضي، أغلق آلاف المتظاهرين الطرق، وتجمهروا حول المخابز التابعة للدولة في العديد من المدن، احتجاجاً على قرار الحكومة بخفض حصة الخبز المدعم لكل أسرة. وهو ما عُرف بـ"تظاهرات الخبز".


"بعض الهواء النقي"


يشرح عدلي للموقع البريطاني، أن مصر مستورد صاف للغذاء، إذ تمثل المؤونة والوقود ما يزيد على خُمس واردات البلاد.

ويضيف أن الدعم الغذائي يغطي بعض السلع. كما أن نظام النقاط يعني أن المستهلكين الذين لا يستخدمون نقاطهم من أجل الخبز، بوسعهم استخدام حصتهم لشراء أنواع أخرى من السلع المتنوعة.

إلا أن هذا أسفر عن بعض المشكلات الأخرى وفقاً لعدلي "إنها مشكلات إدارية، لكن اقتصادية في الوقت نفسه، لأن العديد من السلع الغذائية المستوردة لا يمكن دعمها دون تحمل الحكومة تكاليف باهظة في أوقات التقشف".

وطبقت الحكومة ضريبة القيمة المضافة كذلك، وهو ما سرى على دعم الوقود، وهي إحدى الإصلاحات التي تم تأجيلها لعقود، خوفاً من إثارتها لغضب مجتمعي.

وهذا ليس كل شيء. ستشهد البلاد ارتفاعاً آخر في الأسعار مع بداية السنة المالية الجديدة في 1 يوليو/تموز، استجابة لمطالب صندوق النقد الدولي.

وفقاً لشروط الاتفاق، تحتاج مصر لخفض دعم الوقود من 1.75% من الناتج الإجمالي المحلي إلى أقل من 0.5% بحلول 1 يوليو/تموز للحصول على القسط الثاني من قرض الصندوق.

يحيا حوالي 27 مليون مصري تحت خط الفقر من عدد السكان البالغ 93 مليون نسمة.

وفي محاولة لخفض الغضب، تعهَّد الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ تدابير اقتصادية، من ضمنها إعفاءات ضريبية خلال الشهر الفضيل. وفي حوار معه نُشر في جريدة الأهرام الرسمية، قال إن الحكومة ستزيد من دعم السلع الغذائية في الأسابيع القادمة "لدعم الطبقة الوسطى والمجموعات منخفضة الدخل".

وقالت حميدة حسين "نعم، قال إنه سيفعل ذلك. لقد اختنقنا، لذا على الحكومة أن تفتح لنا منفذاً للهواء النقي. إنه رمضان في كل الأحوال، لا يتعلق الأمر بالطعام والشراب فقط، لذا سنحاول الاستمتاع به في كل الأحوال. وسيكون لطيفاً".


كسادٌ يطيل أمد المشكلات


كان طارق عامر، محافظ البنك المركزي المصري، قد قال إن "الأزمة المالية في مصر قد انتهت"، مشيراً إلى "أن الناتج الإجمالي المحلي قد ازداد مقارنة بعام 2016، وأن الأسعار ستنخفض في 2018".

كما وعد بانخفاض الأسعار وعودتها لمعدلاتها الطبيعية قبل التعويم خلال بضعة أسابيع.

إلا أن عمرو عدلي يخالفه الرأي، "حين تبنت الحكومة حزمة صندوق النقد الدولي قبل 7 أشهر، كان الاقتصاد المصري يعاني من نمو متدنٍّ وتضخم مرتفع، أو ما يُعرف بالكساد التضخمي. لم يتغير هذا الوضع".

يقول عدلي للموقع البريطاني، إن الكساد التضخمي زاد تعمقاً مع ارتفاع التضخم بشكل كبير بعد تعويم الجنيه. لكن معدلات النمو لم ترتفع، إذ يعتمد التصنيع والزراعة والصناعات الخدمية على الواردات من المواد الخام، وبالتالي شهدت زيادة في التكاليف. وأضاف: "الأزمة لم تنته بعد".

ويتوقع أن تزداد الظروف سوءاً على المدى القصير، قبل أن تتحسن -إذا تحسنت على الإطلاق- خلال العامين أو الثلاثة القادمة.

ويقول: "تُظهر مؤشرات الاقتصاد الكلي علامات استقرار، مثل سعر الصرف، ولكن التضخم مرتفع والمالية العامة ليست تحت السيطرة".

سيعتمد الأمر على الكثير من العوامل بما فيها الاقتصاد العالمي، والوضع الأمني ​​في مصر والمنطقة حولنا، ومستقبل أسعار النفط، حسبما يوضح عدلي.

لا يطلب الشعب المصري صدقة، حتى خلال شهر رمضان، هم يريدون فقط أن يكونوا قادرين على تحمل ضروريات الحياة الأساسية. إن عدم قدرتهم على القيام بذلك يجعل الشعور بالألم أشد.

تقول حميدة حسين "إذا استطعنا الحصول على بعض المساعدة، سيكون هذا عظيماً". وتتابع "ولكن إذا لم يحدث هذا، سنستطيع تدبر أمورنا على أية حال. آمل فقط أن أكون قادرة على شراء بعض الهدايا لأطفالي من أجل العيد".