كيف قبل مجلس النواب المصري شهادة "سيدة المخابرات" ولماذا خرجت باكيةً بسبب تيران وصنافير؟

تم النشر: تم التحديث:

قلبت المستشارة هايدي فاروق خبيرة ترسيم الحدود مستشارة التحكيم الدولي الطاولة رأساً على عقب في جلسة اللجنة التشريعية لمجلس النواب أمس الإثنين التي نظرت اتفاقية نقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير من مصر للسعودية بعد أن أعلنتها مدوية أن الجزر مصرية الأمر الذي أثار غضب رئيس البرلمان علي عبد العال والأعضاء الموالين للسلطة.

لم يشفع لمستشارة التحكيم الدولي عملها في مكان حساس مع رئيس المخابرات المصرية عمر سليمان الذي يحظى بشعبية كبيرة في أوساط مؤيدي النظام في مصر، ورغم تاريخها في هذا الجهاز فإنها تعرضت لهجمة شعواء من النواب الموالين للسلطة بسبب قولها إن الجزيرتين مصريتان لتنتهي الجلسة بشكل مؤسف.

وصدمت شهادة المستشارة هايدي فاروق الإثنين 12 يونيو/حزيران 2017 النواب وأثارت تساؤلات حول كيفية وصولها لهذا المكان في ظل اتهامات النواب المعارضين للاتفاقية للنظام بأنه يحرص على أن يستمع البرلمان لشهادات الخبراء المؤيدين له فقط.

ورغم شهادتها الصادمة والتي قالت إنها تستند إلى وثائق أميركية وبريطانية ودراسات مصرية فإن مصدراً برلمانياً رفض ذكر اسمه، قال لـ"هاف بوست عربي" إن "النية محسومة لإنهاء التصويت في الجلسة العامة خلال أيام تعد على أصابع اليد الواحدة".


كيف وصلت سيدةُ المخابرات لهذا المكان؟


وأوضح المصدر أن الجلسات الساخنة ومشادات النواب أثارت تعاطفاً شعبياً وغضباً رسمياً، كما كان هناك أثرٌ كبيرٌ لشهادة المستشارة "هايدي فاروق" عضو مكتب اللواء عمر سليمان مدير المخابرات العامة الراحل، التي قالت فيها إن لديها ما يزيد عن 7 آلاف وثيقة أميركية أعدتها بطلب من عمر سليمان ووزير الدفاع السابق المشير طنطاوي، والتي أكدت مصرية الجزر.

نواب حضروا الجلسات أبلغوا "هاف بوست عربي" أنها كانت مفاجأة كبيرة لهم أن يقبل رئيس مجلس النواب سماع شهادة المستشارة هايدي فاروق، بعدما أقنعه النائب والمخرج السينمائي خالد يوسف بذلك.

وجاء موقف رئيس البرلمان بعد أن احتد خالد يوسف بشدة عليه وطالبه بالاعتذار بسبب تلميحه بتلقي تكتل "25 -30" المعارض لسعودية الجزر، تمويلاً من الخارج.

كما كان مفاجئاً بالنسبة للنواب تراجع عبد العال عن تهديده برفض حضور النواب من غير أعضاء اللجنة التشريعية الاجتماع، وكذلك الصحفيين.

وفسروا قبوله لشهادة المستشارة هايدي كخبيرة محايدة بأنه جاء كذلك استجابة لانتقاد النائب ضياء الدين داوود لاقتصار الشهادات التي تعرض ‏على البرلمان على الخبراء المؤيدين لموقف الحكومة، قائلاً "كل الخبراء الموجودين يستميتون في إقناعنا بسعودية الجزيرتين، أين الخبراء الرافضون لاتفاقية ترسيم الحدود؟.

ويشرح "ضياء الدين داوود" لـ"هاف بوست عربي" ما جرى قائلاً إنه أغضبه عدم استدعاء البرلمان سوى نوعية واحدة من الخبراء، ما دعانا للمطالبة بعدها بضرورة استدعاء وسماع شهادة خبراء يعبرون عن وجهات نظر مختلفة.

ويقول النائب "أحمد طنطاوي" أنه قال لرئيس البرلمان: "حضرتك مش قاضي لتثني على من يتحدث عن سعودية تيران وصنافير وتفند كلام من يتحدث عن مصريتها"، وأنه رغم تحفظ رئيس المجلس على حديثه اضطر للقبول بشهادة واحدة هي لهايدي فاروق.

وقال النواب أنهم قدموا طلبات باستدعاء العديد من الخبراء القانونيين مثل نور فرحات وصبري العدل ولكن رئيس مجلس النواب رفض، ثم وافق "عبد العال" على طلب النائب خالد يوسف بحضور الخبيرة هايدي لسماع شهادتها كنوع من التوازن.


ماذا قالت مستشارة مكتب عمر سليمان؟


فور إعطائها الكلمة، قالت المستشارة هايدي إن اللواء عمر سليمان مدير المخابرات العامة الراحل، والمشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع الأسبق، "كلفاني والسفير مدحت كمال، من وزارة الخارجية، بالبحث في ملكية تيران وصنافير، وتوصلت إلى سبعة صناديق من المستندات في الأرشيف البريطاني والأميركي تؤكد جميعها على مصرية تيران وصنافير".

هكذا يروي نواب لـ"هاف بوست عربي" ما حدث فور إعطاء رئيس المجلس الكلمة للمستشارة هايدي فاروق.

وقالت إنه "بناء على الأرشيف الأميركي والبريطاني، الذي تضمن 75 وثيقة عبارة عن مراسلات بين الملك فيصل والإدارة الأميركية وبناء على بحث أعدته الهيئة العامة المصرية للمساحة عام 1918، وآخر عام 1967 فإن كل هذا يثبت مصرية الجزيرتين.

وأردفت قائلة "مستعدة لعرض المستندات على النواب الآن إذا تم إخراج الصحفيين من الاجتماع لأنها وثائق سرية".

كلام المستشارة هايدي أصاب رئيس المجلس ونواب "ائتلاف مصر" الرافضين لمصرية الجزر بالذهول إذ يبدو أنهم، توقعوا أنها ستتحدث عن "سعودية الجزر" مثل باقي الشهود الذين جرت الاستعانة بهم باعتبار أنها مسؤولة سابقة في مكتب رئيس المخابرات الراحل.

ومع بدء تململ نواب "ائتلاف مصر"، رفضاً لما قالته، واصلت حديثها قائلة: "تيران وصنافير تتبع سيناء ولم تكن تتبع الحجاز"، مشيرة إلى أنها اطلعت على الأرشيف البريطاني، ومنها وثيقة بتاريخ 4 أكتوبر 1934، متضمنة مصرية الجزيرتين.

ولم تكتف هايدي فاروق، بذلك بل تحدثت عن 3 وثائق مصرية لجهات رسمية تؤكد مصرية الجزر بخلاف الأرشيف الأميركي، هي:

1. وثيقة عبارة عن خريطة لسيناء إدارياً، بعنوان "المدخل الشرقي لمصر"، أعدها الجغرافي محمد محيي الدين الحفني، ويظهر فيها تيران وصنافير بنفس لون شبه جزيرة سيناء.

2. بحث لـ"الهيئة العامة المصرية للمساحة" أُعد في 1918 بشأن مصرية تيران وصنافير.

3. مذكرة لـ"الجمعية المصرية للقانون الدولي" تحدثت فيها أيضاً عن مصرية تيران وصنافير.


كيف تحتفظين بهذه المستندات؟


رد وزير شؤون البرلمان "عمر مروان" عليها قائلاً: "كلام هايدي فاروق يحتاج تدقيقاً، والحكومة تمتلك وثائق تثبت خلاف ما قالته".

وانفعل رئيس المجلس علي عبد العال عليها قائلاً: "المعلومات ليست سداح مداح، وهناك معلومات لا يجوز الإفصاح عنها، والبرلمان لن يروج لمستندات سرية، ولا يجوز لك أن تحتفظي بتلك المستندات".

وأضاف: "مثلما تم في قضية طابا، لن يعتد بأي مستندات بشأن وثائق الملكية لم يتم العثور عليها من خلال تركيا وبريطانيا باعتبارهما الدولتين المحتلتين".

وتابع رئيس البرلمان: "جميع خرائط جزيرتي تيران وصنافير المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي مزورة من جهات معينة، ولن نعتد إلا بخرائط القوات المسلحة"، وكرر قوله: "للمرة الألف، حكم القضاء بشأن الاتفاقية هو والعدم سواء، وأي سلطة تتدخل في اختصاصات البرلمان لا يعتد بأحكامها".


لماذا خرجت باكية؟


هاجم النائب مرتضى منصور المشهور بهجماته الكلامية "هايدي فاروق" فور انتهاء شهادتها حول مصرية تيران وصنافير، وتهجم عليها قائلاً: "عايزين نشوف خطاب تكليفك من المخابرات العامة بالبحث عن ملكية تيران وصنافير ونعرف إنتي من أي بلد؟".

وهو ما اعترضت عليه "فاروق" معتبرة أنه تهديد موجه لها، قائلة: "أنا عندي طفل أربيه، وزوجي دبلوماسي مصري، وأنا مصرية بنت مصرية"، قبل أن تنسحب من الاجتماع وسط نوبة بكاء لتشكيكه في خبرتها وتهجمه عليها، وأعقب ذلك مشادات بين نواب 25-30 وبين مرتضى منصور.

وهدد مرتضى منصور الخبيرة، قائلاً: "التقيل جاي ورا ياهايدي وسط اعتراضات المعارضة"، حسب موقع مصراوي.

وحاول عدد من النواب منعها من الانسحاب إلا أنها أصرت على موقفها، بقولها: "أنا عندي طفل عايزه أربيه، وزوجي دبلوماسي وأنا مصرية بنت مصرية"، وسط حالة من البكاء. وعقب ذلك حدثت حالة من المشادات بين نواب "25-30"، مع مرتضى منصور، بسبب ما اعتبروه إهانة للخبيرة هايدي فاروق، وهو الأمر الذي دفع رئيس المجلس للتدخل لإعادة الهدوء.

ويصف النائب ضياء الدين داوود هجوم النائب مرتضي منصور على الخبيرة هايدي فاروق قائلاً إنه "كان يحاول الاستخفاف بها حتى يحاول أن يضعف حجتها أمام اللجنة".
ويؤكد داوود لـ"هاف بوست عربي" أن النائب منصور "هددها -خارج اللجنة -أنه سيرسل لها بلطجية".

وسبق لهايدي فاروق أن ذكرت في لقاء تلفزيوني أنها سلمت الدولة 7300 وثيقة جميعها توثق مصرية الجزر وكل ما عليهم البحث عنه، وأردفت قائلة "معي صور لكل الوثائق".

وأضافت خبيرة ترسيم الحدود أن "لدينا مستندات ووثائق تخص الملك فيصل مع الأميركيين، عندما طالبوه بإثبات سعودية الجزيرتين، فقال إنها مصرية".


هل لشهادتها قيمة؟


ولكن بعد أن أقرت اللجنة التشريعية الاتفاقية ومررتها للجنة الدفاع والأمن القومي، تمهيداً للتصويت عليها في الجلسة العامة بشكل نهائي، هل أصبحت شهادة "هايدي فاروق" كأنها لم تكن؟
نفى النائب ضياء الدين داوود ذلك مؤكداً أن "شهادة فاروق باتت الآن إحدى وثائق اللجنة التشريعية التي تؤكد على مصرية الجزيرتين".

وحسب داوود فإنه ليس هناك مشروعية لمناقشة مجلس النواب بلجانه للاتفاقية لصدور حكم بات من القضاء الإداري يجب أن تلتزم الدولة به والامتناع عن تنفيذه يشكل جريمة.

واعتبر النائب ضياء الدين داوود أن "رئيس مجلس النواب أسقط بمناقشة وتمرير الاتفاقية في اللجنة التشريعية كل النصوص الدستورية والوثائق وتمسك بوجهة نظر خالية من الصواب بهدف تمرير الاتفاقية رغم تقدمنا في المناقشات بطلب يحمل عشرات الوثائق موجودة في وزارة الخارجية ولكن المجلس لم يستجب ولم ينفذ".

وأشار إلى أن هذا السبب وراء إصرار رئيس البرلمان على رفض الاعتداد بأي خرائط سوى الخرائط العسكرية معتبراً أن ما سواها "مزور"، وتهديده للشاهدة بدعوى أنها تحتفظ بهذه الوثائق السرية رغم رفضه الاطلاع عليها.

اللافت أن العديد من النواب قد هاجموا المعارضين لسعودية تيران وصنافير، وانتقدوا هتافهم "مصرية.. مصرية".

ووصفت النائب "ابتسام أبو حاب" عضو ائتلاف دعم مصر" ما فعله النواب المعارضون بالهتاف بأنه "مزايدة".

وقالت أبو حاب لـ"هاف بوست عربي" أن "وثائق الجيش التي قدمها لهم قادة عسكريون أثناء المناقشات أثبتت أن مصر احتلتها برضا السعودية لحمايتها من أن تحتلها إسرائيل وما قدموه وثائق مزورة لا يعتد بها كما قال رئيس المجلس".


من هي هايدي فاروق؟


وهايدي فاروق هي زوجة السفير بالخارجية المصرية مدحت كمال القاضي، الذي يُعد معها من أهم الباحثين المهتمين بالخرائط وجمع التراث الجغرافي حول العالم، وهما خبيران في عالم الوثائق ومجالات ترسيم الحدود البرية والبحرية والخلافات الدولية، وفقاً لما ورد في تقرير لصحيفة المصري الْيَوْمَ.

عرفتها جريدة الأهرام في حوار معها عام 2013 بـ«مستشار شؤون الوثائق وقضايا الحدود برئاسة الجمهورية سابقًا»، قالت إن لديها وثائق ومستندات وخرائط مهمة تتعلق بأخطر الملفات المصرية، وأبرزها ملفات الذهب الأزرق الخاص بالمياه في الغرب المصري، وملف الذهب الأسود الخاص بالبترول في الشرق المصري، والذهب الأصفر في صحراء مصر الشرقية، وملف الغاز بالبحر المتوسط.

في يوليو 2013، احتفت الصحف المصرية بهايدي فاروق وزوجها السفير مدحت كمال، بعدما قاما بإهداء مكتبة الخرائط بمكتبة الإسكندرية خريطة «صورة الأرض» للشريف الإدريسي؛ وهي نسخة نادرة مجمعة لخرائط رسمها العالِم العربي «الشريف الإدريسي»، أحد كبار الجغرافيين ومؤسسي علم الجغرافيا في التاريخ، بناء على طلب الملك الصقلي روجر الثاني عام 1154، وإلى جانب خريطة «صورة الأرض» للشريف الإدريسي، قاما بإهداء مجموعة من الخرائط والكتب الجغرافية الفريدة إلى مكتبة الخرائط بمكتبة الإسكندرية، ويشمل الإهداء العديد من الخرائط الهامة والأصلية التي يصل عددها إلى 131 خريطة، بالإضافة إلى عدد من الأطالس والكتب الجغرافية الهامة التي تتناول مناطق جغرافية عديدة في مصر، مثل: قناة السويس وسيناء ومطروح وأسوان ومنطقة أهرامات الجيزة، وكذلك مناطق خارج مصر، مثل: قبرص والبلقان وشبه القارة الهندية والصحراء المغربية.

كما تضمن الإهداء خريطة سياحية نادرة لمدينة باريس بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، وتكمن أهميتها في أنها تعد بمثابة توثيق دقيق ونادر لمدينة باريس بعد احتراق خرائطها وأرشيفها إبان الاجتياح النازي لها.


أصل تسمية تيران


وعقب توقيع اتفاقية تعيين الحدود بين مصر والسعودية، قالت الدكتورة هايدي، لقناة «أون تي في» المصرية، إنها عملت على ترسيم الحدود السعودية اليمنية عام 1999، مؤكدة أن الحديث بالوثائق والتاريخ يشير إلى أن الجزيرتين مصريتان 100 %.

وأوضحت أن جزيرتي «تيران وصنافير» لم تكونا بهذا الاسم منذ البداية ولكن كان اسمهما جزر «التيران»، وكانتا ضمن باب الحج المصري القديم وبهما جنود مصريون متمركزون فيهما لرعاية الحجاج المصريين وبهما مربط للماشية المصرية، حتى لا تتعرض لغارات القبائل التي تغير على المؤن والعتاد لقافلة الحج المصرية القديمة، فكانت توضع التيران حماية لهما من عرب الترابين، ولذلك سميت بهذا الاسم.


موقف الجيش


وكان الجيش المصري قد استعان بشخصيتين عسكريتين بالمقابل، لإقناع النواب بأن الجزيرتين سعوديتان وليستا مصريتين، حيث ذهب العميد بحري "أشرف العسال" رئيس شعبة المساحة البحرية إلى البرلمان ممثلاً عن الجيش ليقدم إحداثيات عن حدود مصر ويقنع النواب أن تيران وصنافير ليستا مصريتين.

وخلال جلسة الاستماع باللجنة التشريعية الأحد 11 يونيو/حزيران 2017، أكد "العسال" أن "الارتباط الجيولوجي لجزيرتي تيران وصنافير مرتبط بالساحل السعودي"، وأنه "إذا تم عمل فيلم تخيلي بتقنية «الجرافيك» وتم خلاله تفريغ المياه من حول الجزيرتين داخل خليج العقبة سنجد أن الامتداد الجيولوجي للجزيرتين مرتبط بالحد السعودي".

وأكد أن قرب الجزيرتين من مصر لا علاقة له بالسيادة وإنما الأمر مرتبط بأشياء أخرى مثل التاريخ والاتفاقيات الدولية وليس المسافات".

وتضمنت الشهادة الثانية لممثل القوات المسلحة اللواء "مجد الدين بركات" خلال الاجتماع الثالث للجنة التشريعية بمجلس النواب الإثنين 13 يونيو/حزيران 2017، تصريحين هامين.

فقد نفى اللواء "بركات" مقتل أي جندي مصري في تيران وصنافير، لينفي بذلك حجة نواب المعارضة فيما اسموه "حق الدم" في الجزر، ولكن اللافت أكد أن القوات المسلحة "لم تتدخل في هذه الاتفاقية من قريب أو من بعيد، سوى في الأوضاع الفنية"، و"أن القوات المسلحة لن تفرط في ذرة تراب من الأراضي المصرية".