الأيام الأخيرة تحت العَلَم المصري.. دليلك لمعرفة إجراءات القاهرة قبل إسقاط جنسية تيران وصنافير وتسليمهما للسعودية

تم النشر: تم التحديث:
EGYPTIAN HOUSE OF REPRESENTATIVES
Anadolu Agency via Getty Images

بدأت الأحد 11 يونيو/حزيران 2017 لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بالبرلمان المصري إجراءات إقرار اتفاقية ترسيم حدودها البحرية مع السعودية، في 8 أبريل/نيسان عام 2016، كخطوة أخيرة تسبق تصديق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عليها، إيذاناً بسريان بنود الاتفاقية، ورفع العلم السعودي بدلاً من المصري على جزيرتي تيران وصنافير، الواقعتين في مدخل خليج العقبة.

تجاهلت الحكومة المصرية المسارات القضائية، التي بدأت في 21 يونيو/حزيران، من العام الماضي، بحكم من محكمة القضاء الإداري ببطلان توقيع رئيس الوزراء على الاتفاقية، لتضمُّنها تخلياً من الحكومة المصرية عن السيادة المصرية على جزيرتي تيران وصنافير لصالح المملكة.

وتلاها 5 أحكام قضائية متضاربة، اثنان منها يؤكدان على مصرية الجزيرتين وحظر التخلي عنهما، في مقابل ثلاثة أحكام من محكمة الأمور المستعجلة بسريان الاتفاقية وعدم اختصاص القضاء بنظر مدى صحتها، في الوقت الذي ما زالت المحكمة الدستورية العليا تنظر في دعويين من الحكومة ضد حكم مصرية الجزيرتين منذ شهر أغسطس/آب الماضي. ويثور التساؤل عن أسباب تجاهل البرلمان لأحكام القضاء، وعدم انتظاره لأحكام المحكمة الدستورية العليا، خاصة أن الحكومة سبقت إعلان "تشريعية البرلمان" عن بدء مناقشة الاتفاقية، بإقامة دعوى قضائية ثالثة تطالب فيها المحكمة الدستورية العليا بالمفاضلة بين محكمتي القضاء الإداري والأمور المستعجلة، وتحديد أحكام أي منهما الأولى بالنفاذ، المؤيدة لمصرية الجزيرتين، وحظر التخلي عنهما للسعودية، أم لسريان الاتفاقية وتسليم الجزيرتين للسعودية.


ما دور اللجنة التشريعية بالبرلمان في تحديد مصير الاتفاقية؟


تبدأ لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، صباح الأحد، تحديد طريقة إقرار اتفاقية التخلي عن جزيرتي تيران وصنافير، التي قضت المحكمة الإدارية العليا، في 16 يناير/كانون الثاني الماضي ببطلانها.

وفقاً للنائب عفيفي كامل عضو اللجنة، مهمة اللجنة التشريعية تقوم على ترجمة المادة 151 من الدستور، وتحديد إلى أي نوع تنتمي الاتفاقية من الأنواع التي حددتها تلك المادة، محدداً لـ"هاف بوست عربي"، ثلاثة إجراءات لن يخرج عنها قرار اللجنة بشأن الاتفاقية:

الأول: إذا رأت اللجنة أن الاتفاقية لا تخص عملاً من أعمال السيادة، وتتفق نصوصها مع نصوص الدستور، فتعد اللجنة تقريراً بعدم مخالفة الاتفاقية لمواد الدستور، وترسله إلى رئيس البرلمان، والذي يقوم بدوره بعرض نتيجة التقرير على الجلسة العامة للنواب، ثم يحيله إلى اللجنة المختصة بمضمون الاتفاقية لتدرسه، وتعد تقريراً بالرأي النهائي في الاتفاقية، يعرضه رئيس اللجنة على النواب ليصوتوا عليه.

الثاني: إذا كانت الاتفاقية تتعلق بحقوق السيادة التي ألزم الدستور باستفتاء الشعب عليها، تعد اللجنة تقريراً ترفعه إلى رئيس مجلس النواب، توصي فيه بطلب دعوة الناخبين للاستفتاء على نصوص الاتفاقية، وفي هذه الحالة لا يوافق البرلمان على الاتفاقية إلا بعد أن تكون نتيجة الاستفتاء بالموافقة.

الثالث: إذا رأت اللجنة أن الاتفاقية تخالف أحكام الدستور أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة، وتعد اللجنة تقريراً برفض إقرار الاتفاقية، وترسله إلى رئيس مجلس النواب ليعرضه على الجلسة العامة.

ويضيف عضو لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بالبرلمان، أن اللجنة التشريعية لا تدرس موضوع الاتفاقية، وإنما تحدد فقط طريقة إقرارها، ولنواب البرلمان خلال الجلسة العامة وقت التصويت على الاتفاقية حق الموافقة أو رفض أو تأجيل نظر الاتفاقية، لمدة لا تزيد عن 60 يوماً، بشرط أن يخطر البرلمان رئيس الجمهورية ببنود الاتفاقية التي رفضها، أو الأسباب التي أجّل الموافقة بسببها.


كيف سيختار البرلمان أحد هذه الخيارات الثلاثة؟


في الأحكام الثلاثة الصادرة عن القضاء الإداري في مصر، وضع القضاة الاتفاقية، في الخانة الثالثة، المتضمنة التخلي عن جزء من أقليم الدولة. وفي الأحكام الثلاثة الصادرة عن محكمة الأمور المستعجلة، وضع القضاة الاتفاقية في خانة الاتفاقيات المتعلقة بحقوق السيادة التي تتطلب استفتاء الشعب قبل الموافقة عليها.

البرلمان على الجانب الآخر، نحَّى تلك الخيارات جانباً، وعلى الرغم من أن الدستور ولائحته الداخلية يكفلان له المفاضلة بين 3 خيارات، عند التعامل مع الاتفاقية، إلا أن البرلمان يبدأ مناقشة الاتفاقية في ظل تأكيد من رئيسه وغالبية نوابه، على تصنيف الاتفاقية "خارج" أعمال السيادة، مقراً بتطابق الاتفاقية مع مواد الدستور وعدم تضمنها التخلي عن أي جزء من أراضي الدولة من جانب، وعدم تعلقها بحقوق السيادة من ناحية أخرى.

وهو ما عبر عنه اللواء كمال عامر رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي، في أكثر من حديث صحفي منذ إبرام الاتفاقية، وحتى الآن فقال رئيس اللجنة التي ستعرض عليها الاتفاقية بعد انتهاء اللجنة التشريعية من دراستها، "جزيرتا تيران وصنافير سعوديتان، كانتا أمانة عند مصر، ولا مانع من إعادتهما مرة أخرى للدولة المالكة لهما".

وعند سؤاله عن طريقة إقرار الاتفاقية والمطالبات بطرحها للاستفتاء الشعبي، اعتبر عامر أن "الدستور المصري قال إن الاستفتاء يخص التنازل عن الأراضي المصرية، وليس من حق أي أحد ولو رئيس الجمهورية أن يقدم على هذه الخطوة، ومصر لم تتنازل، وبالتالي فلا داعي للاستفتاء، والرئيس الذي ضحَّى بنفسه وحياته في سبيل بلده لا يمكن أن يفرط في أرضه، وموقفه واضح من أراضٍ مصرية في حلايب وشلاتين، ولا بد أن نثق كلنا في هذا الرئيس الذي أكرمنا به الله؛ ولا أقول هذا مجاملة له، ولكنه كلام يدركه الشعب، وربنا يبارك لنا فيه لكي يكمل عبور مصر إلى بر الأمان".


"للأسف ليس أمام البرلمان غير تمرير الاتفاقية"


هكذا يتحدث النائب أحمد الشرقاوي عضو تكتل 25/30 المعارض داخل البرلمان، موضحاً لـ"هاف بوست عربي"، أن المحكمة الإدارية العليا أصدرت حكماً نهائياً باتاً ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، ورغم ذلك البرلمان ارتكب جريمة الامتناع عن تنفيذ حكم قضائي، المنصوص عليها في المادة 100 من الدستور، بتسلم الاتفاقية من الحكومة، ثم بتحديد موعد لمناقشتها رغم إعدام القضاء لكافة إجراءات إبرامها، لافتاً إلى وجود اجتماعات تعقدها بعض مؤسسات الدولة مع عدد من النواب للاتفاق على الطريقة التي سيمرر بها البرلمان الاتفاقية، قبل نهاية يونيو/حزيران.


هل هناك أية إمكانية لعمل استفتاء بشأن الاتفاقية؟


كان المستشار أحمد الشاذلي قاضي المحكمة الإدارية العليا قد اعتبر في حكمه بمصرية الجزيرتين، أن "سيادة مصر على تيران وصنافير مقطوع بها بأدلة دامغة، استقتها المحكمة من مصادر عدة وممارسات داخلية ودولية شتى، قطعت الشك باليقين بأنهما خاضعتان لسيادتها -وحدها دون غيرها- على مدار حقبٍ من التاريخ طالت، وأن دخول الجزيرتين ضمن الإقليم المصري ما انفك راجحاً يسمو لليقين".

في مقابل الـ"يقين" الذي تحدثت به المحكمة الإدارية العليا عن سيادة مصر على جزيرتي تيران وصنافير، اتفقت الحكومة والبرلمان على عدم اللجوء إلى استفتاء الشعب على تمرير اتفاقية التخلي عنهما للسعودية، فسبق وأكد وزير الشؤون القانونية ومجلس النواب المستشار مجدي العجاتي، على عدم لجوء البرلمان لاستفتاء الشعب على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، في شهر مايو/أيار، من عام 2016.

وهو ما أكده بعد ذلك رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بالبرلمان.

النائب مصطفى بكري، صاحب القسم الشهير "أقسم بالله لو البرلمان قال إن الجزيرتين مصرية هاستقيل"، قال عقب إحالة رئيس البرلمان الاتفاقية إلى اللجنة التشريعية، في 10 أبريل/نيسان الماضي، إنه سيوافق على نقل الجزيرتين للسعودية، ولا حاجة للاستفتاء عليهما. "مصر تولت حماية تلك الجزيرتين، والرئيس الراحل محمد أنور السادات أقرَّ في الأمم المتحدة بخط يده أثناء مفاوضات كامب ديفيد بأن الجزيرتين ليستا مصريتين، والأستاذ محمد حسنين هيكل قال ذلك في كتابه، وكل الوقائع تقول إن الجزيرتين ليستا مصريتين، والاتفاقية تعيدهما لأصحابهما".


كيف تحصّن الحكومة برلمانها من تهمة "الخيانة العظمى"؟


فاجأت هيئة قضايا الدولة الجميع، في 4 يونيو/حزيران الجاري، بالكشف عن تقدمها بدعوى قضائية، نيابة عن رئاسة الجمهورية ومجلسي الوزراء والنواب، أمام المحكمة الدستورية العليا، تسأل فيها عن الجهة القضائية المختصة بحسم النزاع على الاتفاقية.

الدعوة تطالب بالمقارنة بين حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر، في 16 يناير/كانون الثاني الماضي، بتأييد ببطلان توقيع رئيس الوزراء على الاتفاقية واعتبارها هي والعدم سواء، وحكم محكمة الأمور المستعجلة الصادر، في 2 أبريل/نيسان الماضي، بإسقاط حيثيات حكم الإدارية العليا، وسريان الاتفاقية، وتسأل: أي منهما يجب على الحكومة تنفيذه؟

قبل البت في الدعوى بدأ البرلمان إجراءات مناقشة الاتفاقية، وهو ما اعتبره مصدر بالمحكمة الدستورية العليا ضرورة. "لا تعارض بين الدعاوى المتداولة أمام المحكمة الدستورية العليا بشأن اتفاقية تيران وصنافير وبين قرار البرلمان ببدء مناقشة الاتفاقية"، هكذا قال نائب رئيس المحكمة لـ"هاف بوست عربي"، طالباً عدم ذكر اسمه. "الحكومة تقدمت بدعواها الأخيرة أمام المحكمة الدستورية العليا، قبل شهر من الآن، إلا أنها لم تعلن عن تلك الدعوى سوى قبل أيام، ولا يوجد ما يلزم المحكمة بإصدار حكمها في تلك الدعوى قبل إصدار قرار البرلمان تجاه الاتفاقية".

يضيف المصدر القضائي الكبير، أن المحكمة الدستورية العليا تنظر الآن في 3 دعاوى تتعلق باتفاقية تيران وصنافير، الحكم في أي منها لن يخرج عن احتمال واحد من ثلاثة:

السيناريو الأول: رفض طلب وقف تنفيذ حكمي القضاء الإداري والإدارية العليا ببطلان الاتفاقية، والاعتداد بهما لصدورهما من المحكمة المختصة بتنفيذ الفقرة الأخيرة من المادة 151 من الدستور. حكم مثل هذا سوف يثبت جريمة الخيانة العظمى في حق كل المساهمين في إجراءات إقرار الاتفاقية، سواء داخل الحكومة أو البرلمان.

السيناريو الثاني وهو الأقرب للتطبيق: أن تقضي المحكمة الدستورية العليا بعدم الاعتداد بالحكمين المعروضين عليها، فيما يتعلق بالاتفاقية؛ ما يضفي غطاء من المشروعية على قرار مجلس النواب إذا قرر تمرير الاتفاقية، خاصة أن المحكمة وقتها ستضمن حكمها، بالتأكيد على اختصاص مجلس النواب وحده بتطبيق المادة 151 من الدستور وتحديد موقف الاتفاقية. حكم مثل هذا سيترك للبرلمان سلطة تقدير ما إذا كان إقرارها يتطلب استفتاء الشعب من عدمه، أو حتى إذا كانت تتضمن التنازل عن جزء من إقليم الدولة ويحظر إقرارها.

السيناريو الأخير: أن تقضي المحكمة الدستورية العليا بوقف تنفيذ حكمي مجلس الدولة ببطلان الاتفاقية، وقبول دعاوى الحكومة الثالثة، وتأييد أحكام محكمة الأمور المستعجلة. هذا السيناريو كفيل بالتأكيد على اختصاص البرلمان "وحده" بحسم مصير الاتفاقية.