ما التالي بالنسبة للسياسة البريطانية في الشرق الأوسط بعد الانتخابات؟

تم النشر: تم التحديث:
BRITISH ELECTION
AFP

نتائج الانتخابات المبكرة التي أُجريت قبل يومين في بريطانيا، ألقت بظلالِها على مستقبل السياسة الخارجية للمملكة المتحدة، التي لا يُعرف إلى أين تسير في ظلِّ فوز باهت للمحافظين في الاقتراع الأخير.

وقال موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، إن بريطانيا بينما تستفيق من صدمة مناورة ديمقراطية أخرى، يمكن التماس العُذر للمراقبين الأجانب في نظرتهم التي ملأتها الحيرة للنظام السياسي البريطاني الآن.

وأضاف الموقع البريطاني، بينما كنّا معتادين جميعاً في العقود التي سبقت عام 2010 على حصول أحد الحزبين على أغلبيةٍ صريحة بالانتخابات، اكتسب الناخبون البريطانيون ميلاً للتخلّي عن كُتيب القواعد المعتاد، وجعل مُحلِّلي الاستفتاءات وغيرهم من المتخصصين السياسيين يبدون كأغبياء بعد فشل توقعاتهم. فلم تعد الانتخابات البريطانية شأناً مملاً كما في الماضي، حتى لو كان مستوى النقاش السياسي مُضجراً بالتأكيد.

وكانت النتائج النهائية للانتخابات البريطانية أن حزب المحافظين بقي في الطليعة، لكنه خسر الأغلبية المطلقة، بينما فاز حزب العمال المعارض بنحو 30 مقعداً إضافياً.

وبعد إعلان نتيجة 647 مقعداً من أصل 650، حصد المحافظون 316 مقعداً، فيما حصد حزب العمال المعارض 261 مقعداً.

وبهذه النتيجة، خسر المحافظون الغالبية المطلقة في البرلمان، ولم يعد بإمكانهم تشكيل حكومة وحدهم.

وتشكِّل النتيجة فشلاً لرئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، التي كانت قد دعت إلى الانتخابات المبكرة، أملاً بتعزيز غالبيتها في البرلمان، وإطلاق يدها في مفاوضات بريكست.


العلاقة مع الاتحاد الأوروبي

واعتبر الموقع البريطاني، أن ما يتعلَّق بالسياسة الخارجية البريطانية، هل تغيَّر أي شيءٍ حقاً؟ كان الموضوع، والنقاش، والتركيز المُهيمنين على السياسة البريطانية، وسيظل، هي العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، ومفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والتي ستبدأ في غضون أقل من أسبوعين، هذا في حال كان الجدول الزمني لا يزال قائماً، ولا تزال مغادرة الاتحاد الأوروبي هي المسار الذي تختاره بريطانيا.

ثم تأتي توابع خروج بريطانيا من الاتحاد. وأياً كان من سيشغل منصب رئيس الوزراء في بريطانيا، فسيتوجَّب عليه أن يُكرِّس نفسه للإشراف على اتجاه ومحتوى هذه المحادثات التي تؤثر على كل جانبٍ من جوانب الحياة البريطانية، بدءاً من الاقتصاد، والدفاع، والأمن، وحتى الهجرة وغيرها من القضايا.

فالطلاق بعد أربعة عقودٍ من عضوية الاتحاد الأوروبي هو تجربةٌ ضخمة. وستشعر الحكومة البريطانية أنَّها غارقةٌ بسبب عِظَم مستوى التغيير الذي ينتظرها، وهو ما كان سيصبح عليه الحال كذلك حتى لو كانت الانتخابات قد أسفرت عن حكومةٍ قوية ومستقرة برئاسة حزب المحافظين.

بريطانيا ضد نفسها

علاوةً على ذلك، قد تضطر رئيسة الوزراء البريطانية إلى التخفيف من دعمها لما يُسمَّى بخروج بريطانيا "القوي" من الاتحاد الأوروبي، واتخاذ موقفٍ أكثر توافقية للفوز بدعم الأحزاب الأخرى، وبالتأكيد الفوز بدعم مجلس اللوردات، الذي سيجادل بأنَّ تيريزا ماي فشلت في الحصول على تفويضٍ لخروجٍ كهذا، بحسب ميديل إيست آي.

ومع الكشف عن ذلك، فإنَّ المُحافظين المُتشدِّدين المُناهضين للاتحاد الأوروبي سيسعون إلى منع ذلك التوافق، الأمر الذي يُظهِر مدى استحالة حكم البلاد بفاعلية.

أمَّا المفاوضات التي ستدور بين فريق رئيسة الوزراء تيريزا ماي، والأجنحة المتعارضة داخل حزبها، فضلاً عن السياسيين الآخرين، فقد تكون محرجة وصعبة بنفس درجة الحرج والصعوبة التي ستلاقيها ماي في مفاوضتها والصعوبة التي ستلاقيها مع كبير المفاوضين الأوروبيين مايكل بارنييه.

ولم ينتظر غاي فيرهوفشتات، كبير مفاوضي البرلمان الأوروبي في عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الأمور حتى تهدأ، إذ قال: "هدف عكسي جديد، فبعد كاميرون جاء الدور الآن على تيريزا، الأمر الذي سيجعل المفاوضات المُعقَّدة بالفعل أكثر تعقيداً".

ويُعَد عامل الإلهاء الوحيد الذي طُرِح جانباً بسبب نتيجة الانتخابات هذه هو إمكانية إجراء استفتاء ثانٍ لاستقلال اسكتلندا. وستبرز السياسة في أيرلندا الشمالية كذلك لأسبابٍ عديدة، ليس أقلَّها أنَّ الحزب الديمقراطي الوحدوي سيُصبِح موازِناً للقوة. (الحزب الديمقراطي الوحدوي هو حزب من أيرلندا الشمالية ستتحالف معه ماي لتكوين حكومةٍ ائتلافية في بريطانيا).

سياسة الشرق الأوسط كعرضٍ جانبي

ولذلك، وفي أفضل الأحوال، فإنَّ الشرق الأوسط لن يظهر إلا في مرآة رئيسة الوزراء الجانبية، وبصورةٍ أكثر من ذلك بقليل بالنسبة لأي شخص يشغل منصب وزير الخارجية. وستكون النزعة هي الاتجاه نحو أي توافقٍ دولي موجود في الآراء، وهو الأمر الذي قد يكون أصعب نظراً للأزمات المتزايدة بين رئاسة ترامب والدول الرئيسية في الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا وألمانيا.

ولذلك، فإنَّ وزارة الخارجية ستكون حريصة على لعبِ دورٍ في تهدئة أزمة دول مجلس التعاون الخليجي بشأن قطر، الخاضِعة الآن للحصار من جانب جيرانها، والمُورِّد الرئيسي للغاز إلى المملكة المتحدة. وآخر شيء تحتاجه بريطانيا الآن هو أن تضطر إلى الانحياز لأحد الطرفين، ولذا، كلما خفَّت حدة الصراع أسرع، كان ذلك أفضل.

والأمر الأكيد هو أنَّ هذا البرلمان لا يبدو كبرلمانٍ من الممكن أن يؤيد تدخُّلاً عسكرياً بريطانياً في الخارج. وبهذا الصدد، يظهر في الأفق اقتراح تيريزا ماي بإجراء تصويتٍ للحصول على تفويضٍ باستخدام القوة في سوريا ضد قوات النظام لدعم أي ضربات أميركية في المستقبل. والكثيرون من أعضاء المعارضة في البرلمان هم معارضون منذ زمنٍ طويلٍ لمثل هذه التدخُّلات، في حين أنَّ الأحزاب الأخرى عادةً ما تكون معاديةً لمثل هذه التدخُّلات، ناهيكم عمَّا إذا تضمَّنت الذهاب تحت عباءة دونالد ترامب.

وفي هذا التيار القوي الذي يُخلِّفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ستكون التجارة هي الشاغل الرئيس. ويُعَد التمهيد للصفقات الجديدة في مرحلة ما بعد الاتحاد الأوروبي أولويةً بالفعل، ولذلك سترغب الحكومة، إذا استطاعت، تجنُّب أي نقاشٍ حول قضايا حقوق الإنسان التي يمكنها أن تمنع مثل هذه الصفقات.

لكن في ظل غياب أغلبية، قد لا يكون ذلك ممكناً. إذ كان معظم النواب غير المحافظين قد عبَّروا عن مخاوفهم بشأن الحرب التى تقودها السعودية على اليمن، الأمر الذى سيخضع للاختبار بصورةٍ أكبر مع ازدياد سوء الوضع الإنساني في أفقر دول العالم العربي.

كما سَاورت بعض المحافظين مشاعر قلق مُشابهة. وسيتزايد الضغط على الحكومة للحدِّ من مبيعات الأسلحة إلى السعودية. وعلى الأقل، سيستخدم المعارضون هذه القضية لإضعاف تيريزا ماي أكثر.

الأمن وحقوق الإنسان

تعطَّلت الحملات الانتخابية على نحوٍ قاسٍ نتيجة حادثتين إرهابيتين مُروِّعتين، والكيفية التي ستعالج بها الحكومة هذا التهديد الأمني ستخضع هي الأخرى للتدقيق، كما ستصبح قضيةً مُثيرة للانقسام بين الأحزاب.

إذ سيُطالب حزب العُمّال البريطاني، أكبر أحزاب المعارضة، بزيادة أعداد الشرطة. وسيرفض آخرون أي محاولةٍ من قِبل رئيسة الوزراء لإلغاء تشريعاتٍ مُتعلِّقة بحقوق الإنسان، وهو تعهُّدٌ قطعته ماي عشية الانتخابات. وأثارت ماي تحدياً حول هذه القضية عن طريق تقديم وعودٍ بالمُضي قُدُماً في هذه التغييرات، مُتحديةً حزب العمال وغيره.

أمّا بالنسبةِ للقضية الفلسطينية، فإنَّ هذا البرلمان يبدو أقل عدوانيةٍ إلى حدٍّ كبير تجاه التطلُّعات الفلسطينية. وستتمكن الحكومة، على الأرجح، من مقاومة المطلب بالاعتراف بدولة فلسطين، لكنَّها لن تكون مهمةً سهلة للغاية.

ويظل الرأي العام متعاطفاً مع حقوق الفلسطينيين، ولذا تبدو رئيسة الوزراء هذه المؤيدة لإسرائيل ناشِزةً عن صفِّ المشاعر الشعبية. وقد ترغب تيريزا ماي في إعادة النظر في رغبتها في الاحتفاء بفخر بوعد بلفور إلى وقتٍ لاحق من هذا العام مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بجانبها. وقد يجد النواب المناهضون للفلسطينيين في ذلك أمراً صعباً.

وقبل أن تجري زيارة دونالد ترامب المُقرَّرة إلى المملكة المتحدة في وقتٍ لاحق من هذا العام، ربما تشعر تيريزا ماي بالندم الآن على أنَّها وافقت على توجيه مثل تلك الدعوة.

وقد حاولت رئيسة الوزراء البريطانية استعادة نهج العمل المعتاد، والعودة إلى العمل في أسرع وقت، وذلك لإضفاء القليل من اليقين على الموقف الحالي المليء بالشكوك، غير أنَّ تلك الشكوك لن تختفي قبل مرور بعض الوقت.