بضعة قراصنة وحفنة من الأموال تكفي لتخريب علاقات الدول.. الأزمة الخليجية تسلط الضوء على تجارة التجسس والاختراق مقابل أجر

تم النشر: تم التحديث:
QATAR
Naseem Mohammed Bny Huthil / Reuters

تشير الأزمة الخليجية بين السعودية والإمارات والبحرين من جهة، وقطر من جهة ثانية، إلى أن الهجمات الإلكترونية المقترنة بحملات تضليلٍ لم تعد مجالاً حصرياً للقوى المتقدمة، وبحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية الخميس 8 يونيو/حزيران 2017 فإن أي بلدٍ يُمكنه أن يدخل هذه اللعبة بسعرٍ منخفضٍ نسبياً مع القليل من المخترقين الذين يعملون لحسابهم الخاص.

ويعود التوتر الكبير الحاصل في الخليج إلى يوم 23 مايو/أيار الماضي حيث نُشرت تصريحات منسوبة لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني على موقع وكالة الأنباء القطرية، التي تؤكد الدوحة تعرضها لاختراق إلكتروني.

ويدعم مسؤولون في مكتب التحقيقات الفيدرالية الأميركية، ومسؤولو إنفاذ القانون البريطانيين تأكيد قطر تعرض وكالة أنبائها للاختراق.

وبعد بضعة أيام، بدأت رسائل البريد الإلكتروني المسربة من حساب السفير الإمارات لدى واشنطن يوسف العتيبة في الظهور على وسائل الإعلام الغربية ثُمَّ في شبكة الجزيرة القطرية.


تجسس دولي


واعتبرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن ما حصل يعكس تحولاً أوسع في نطاق التجسس الدولي، وقالت إن الخلاف الخليجي أصبح الآن علامة على أن الهجمات الإلكترونية المقترنة بحملات تضليلٍ لم تعد مجالاً حصرياً للقوى المتقدمة مثل روسيا فحسب.

وانتهى مكتب التحقيقات الفيدرالي والخبراء الآخرون إلى أنَّ اختراق وكالة الأنباء القطرية كان نتيجة لاختراقٍ حاسوبي، وذكر تقرير لشبكة "سي.إن.إن" الإخبارية، نقلاً عن مسؤولين أميركيين اطلعوا على التحقيق، أن محققين أميركيين يعتقدون أن قراصنة روساً اخترقوا وكالة الأنباء القطرية الرسمية، وبثوا أخباراً مفبركة أسهمت في إثارة أزمة قطر، وفقاً لوكالة رويترز.

ونقلت الصحيفة الأميركية عن مسؤولين في مكتب التحقيقات الفيدرالي، قولهم إنَّ "المخترقين الروس المرتزقة كثيراً ما يظهرون في تحقيقاتٍ حول هجماتٍ إلكترونية ترعاها الدول".

ورجحت الصحيفة أن تستمر حرب القرصنة في منطقة الخليج لسنواتٍ، رغم أنَّها لم تُستخدم بشكلٍ علني كهذا على الإطلاق. وأضافت: "في عام 2015، على سبيل المثال، قدَّم وسيطٌ عربي له علاقات مع دولة قطر لصحيفة نيويورك تايمز رسائل إلكترونية سرية من وزارة الخارجية الإماراتية، جاء فيها أنَّ دولة الأمارات العربية المتحدة كانت تنتهك عمداً قراراً للأمم المتحدة عن طريق شحن الأسلحة إلى الميليشيات الليبية".

ومن بين تلك الرسائل كتب أحمد القاسمي، وهو دبلوماسي إماراتي رفيع المستوى، رسالة إلكترونية داخلية بتاريخ 4 أغسطس/آب 2015، وقُدمت إلى صحيفة "التايمز": "في حقيقة الأمر، الإمارات انتهكت قرار مجلس الأمن بشأن ليبيا، ومازالت تفعل ذلك"، وظهرت رسائل إلكترونية إماراتية أخرى عن صفقاتٍ ليبية وصفقات أسلحة كورية شمالية على المواقع الإلكترونية المرتبطة بقطر وكذلك في صحيفة "الغارديان" البريطانية.


قراصنة مأجورين


وقال باحثان مستقلان في مجال الأمن الإلكتروني أنَّه "يمكن التوصُّل إلى أنَّ مجموعةً واحدة على الأقل من المخترقين يعملون كمخترقين مستقلين لحساب عددٍ من دول الخليج، وأنَّ أساليبهم تحمل تشابهاً واضحاً مع الطرق المُستخدمة في اختراق البريد الإلكتروني للسفير الإماراتي".

وقال كولين أندرسون، وهو أحد الباحثين: "يبدو أنَّهم قراصنةٌ مُستأجرون، يعملون مستقلين لحساب جميع أنواع العملاء المختلفين، ويكيفون مهاراتهم حسب الحاجة".

ويشير الباحثان -بحسب نيويورك تايمز- إلى أن مجموعة القراصنة يستخدمون بانتظام هجمات التصيد الاحتيالي الموجهة، وهي رسائل بريد إلكترونية مصممة لتبدو رسائل عادية لكنَّها تحتوي تطبيقات برمجياتٍ خبيثة.

وأفادت مؤسسات إخبارية بتلقّيها رسائل البريد الإلكتروني الإماراتي المسربة من مجموعةٍ تطلق على نفسها اسم "غلوبال ليكس" باستخدام عنوان بريد إلكتروني ينتهي بـ"ru"، مما يُشير إلى أنَّ المخترقين المرتزقة قد يكونون روساً أو أنَّهم يرغبون في الظهور كما لو كان الاختراق روسياً.

ويُعرف السفير الإماراتي يوسف العتيبة بجهوده الدؤوبة لإقناع مراكز الأبحاث الأميركية والمسؤولين الحكوميين بأنَّ قطر "هددت استقرار المنطقة" عبر تشجيعها للانتفاضات العربية عام 2011، والقول أنها "تدعم الإخوان المسلمين".

ويبدو أنَّ العديد من رسائل البريد الإلكتروني التي سُربت حديثاً تتضمن نماذج للسفير العتيبة وهو يُقدِّم الحجج المناهضة لقطر مع المسؤولين الأميركيين الذين يمزحون معه كأصدقاء مقربين.


تدهور العلاقات


وفي 10 فبراير/شباط 2015، بدا في تبادلٍ للرسائل بين العتيبة وإليوت أبرامز، وهو مسؤول جمهوري سابق في البيت الأبيض، أنَّ إبرامز كان يمزح حول دعم الإمارات للانقلاب العسكري الذي عزل الرئيس المصري السابق وحليف قطر في مصر محمد مرسي عام 2013، وكان تقريباً يقترح أنًّ شيئاً مماثلاً ينبغي أن يحدث في قطر.

وجاء في الرسالة: "من السيئ للغاية أنَّ القوات المسلحة القطرية لا تستطيع.. حسناً، لا ينبغي أن أقول مثل هذه الأشياء. إذ سيكون ذلك غير ديمقراطي".

وفي رسالةٍ أخرى مسربة، بعث جون هانا، وهو مسؤول جمهوري سابق في البيت الأبيض، يعمل الآن في "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" المؤيدة لإسرائيل، برسالةٍ إلكترونية إلى العتيبة يشكو فيها من أنَّ فندقاً مملوكاً للإماراتيين في الدوحة قد وفَّر مكاناً لعقد مؤتمرٍ صحفي لحركة حماس.

ورد السفير العتيبة: "كيف هذا. انقلوا القاعدة ونحن سننقل الفندق" (وكان يُشير بشكلٍ غير مباشر إلى قاعدة "العديد" الأميركية في قطر، التي تُعد مقراً للعمليات ضد داعش).

وكان الرئيس الأميركي ترامب قد وصل إلى المنطقة في 20 مايو/أيار الماضي بعد أسابيع من بدء وابل الانتقادات، من أجل عقد قمةٍ عربيةٍ في السعودية. وقال وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، يوم الخميس 8 يونيو/حزيران، إنَّ الرئيس الأميركي قال لنا تحديداً: "علينا أن نعمل معاً لوقف تمويل الجماعات المتطرفة في المنطقة، فكلما قرأتُ تقارير عن هذه المنطقة قرأتُ عن قطر والسعودية".

وقال وزير الخارجية إنَّه رد عليه: "سيدي الرئيس. هل التقارير تستند إلى تقارير وسائل الإعلام أو تقارير المخابرات؟ فإذا استندت إلى تقارير إعلامية فإنَّ هذا شيءٌ لا يُمكننا الرد عليه". وأضاف: "لقد أكدنا لهم أنَّ لدينا تعاوناً قوياً مع أجهزتنا الأمنية".

وبعد ثلاثة أيام من اجتماع ترامب في الرياض، عقدت مؤسسة "الدفاع عن الديمقراطيات" مؤتمراً في واشنطن مُخصَّصاً لانتقاد قطر، تحت عنوان "قطر والأفرع العالمية التابعة للإخوان المسلمين".

وألقى روبرت غيتس، وزير الدفاع الأميركي السابق، وصديق العتيبة، الكلمة الافتتاحية في المؤتمر. وكان من بين الحضور العديد من مؤلفي المقالات الافتتاحية المنتقدة لقطر وكبار المسؤولين في إدارة أوباما. وشجَّع المنظمون العتيبة على الحضور، وأرسل موظفوه تقريراً مفصلاً إلى العاصمة الإماراتية، أبو ظبي.

ولم يتلق أي ممثلٍ عن قطر دعوةً لحضور المؤتمر. ووقع اختراق وكالة الأنباء القطرية بعد منتصف ليل تلك الليلة.

وقال أندرسون، وهو باحث الأمن الإلكتروني، إنَّ انخفاض التكلفة والسهولة النسبية لتوظيف قراصنة يعني أنَّ المزيد من هذه الهجمات سوف يستمر بالتأكيد". مضيفاً: "هذا هو مستقبل ما يمكن أن تفعله جميع دول العالم. إذا كان لديها المال والموارد".

وكانت شبكة الجزيرة القطرية، أعلنت مساء الخميس 8 يونيو/حزيران الماضي، أن "مواقع الشبكة ‏ومنصاتها الرقمية تتعرض حالياً لمحاولات اختراق ممنهجة ومستمرة"، فيما تعد ثالث محاولة اختراق تتعرض لها مواقع إعلامية قطرية خلال أسبوعين، وفقاً لوكالة الأناضول.

وأعلنت 8 دول قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، وهي السعودية ومصر والإمارات والبحرين واليمن وموريتانيا وجزر القمر والمالديف، واتهمتها بـ"دعم الإرهاب"، في أسوأ صدع تشهده المنطقة منذ سنوات، بينما لم تقطع الكويت وسلطنة عمان علاقاتهما مع الدوحة.

فيما أعلنت الأردن وجيبوتي خفض تمثيلهما الدبلوماسي مع الدوحة، وقررت السنغال وتشاد استدعاء سفيريهما لدى قطر لـ"التشاور".

من جانبها، نفت قطر الاتهامات التي وجهتها لها دول خليجية بـ"دعم الإرهاب"، وقالت أنها تواجه حملة افتراءات وأكاذيب وصلت حد الفبركة الكاملة بهدف فرض الوصاية عليها، والضغط عليها لتتنازل عن قرارها الوطني.

ويأتي قرار قطع العلاقات مع قطر بعد أسبوعين من اندلاع أزمة خليجية بين قطر من جانب والسعودية والإمارات من جانب آخر، بعد اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية، ونشر تصريحات منسوبة لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد، اعتبرتها وسائل إعلام دول خليجية "مناهضة لسياساتها"، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع إيران.

وفي أعقاب الاختراق، انطلقت حملة انتقادات غير مسبوقة من وسائل إعلام سعودية وإماراتية ضد قطر. واعتبرت وسائل إعلام قطرية، مسارعة وسائل إعلام سعودية وإماراتية نشر تلك التصريحات عقب اختراق الوكالة، رغم نفي الدوحة صحتها، "مؤامرة" تم تدبيرها لقطر "للنيل من مواقفها في عدد من القضايا، والضغط عليها لتغيير سياستها الخارجية".