طرق جديدة تطغى على عادات المجتمع بغزة.. مواقع بالإنترنت للراغبين في الزواج من الأرامل وزوجات ضحايا الحروب

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

لم تخجل نرمين أبو طعيمة، (27 عاماً)، وهي زوجة "شهيد سابق" في عام 2012 وتسكن في منطقة نائية شرق خانيونس، من الطلب من أحد العاملين في جمعية التيسير للزواج والتنمية، أن يجد لها عريساً.

وقام هذا الأخير بإخبار صديقه هاشم شيخة، الذي أسس بدوره صفحة "وصال للخطوبة والزواج" في أكتوبر/تشرين الأول 2015 لتيسير الزواج عبر فيسبوك، ومعها صفحة "وصال-غزة/زواج سترة بمهر 500–1000 دينار" أردني والتي نشأت في أكتوبر/تشرين الأول 2016؛ نتيجة الإقبال الشديد على الصفحة الأولى، وصفحة "وصال غزة/ لمن تقبل التعدد" في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، حيث يصل عدد مشتركي هذه الصفحات الثلاث إلى 26 ألف مشترك.

يقول هاشم شيخة لـ"هاف بوست عربي" إنه أرسل لنرمين زوجاً بعد عرض مواصفاتها ومواصفاته عبر الصفحة، "هي الآن أم لطفلة من زوجها الثاني، فهي في منطقة نائية ولا يصل لها أحد".

استطاع شيخة، عبر صفحته بالفعل، تحقيق 162 حالة زواج ناجحة لعوانس ومطلقات ومطلقين وأرامل كانوا يعانون عقبة الزواج، "من كثرة الطلبات التي تصل إلينا يومياً علقنا قبول الطلبات وبدأنا التفكير في إنشاء موقع إلكتروني"، حسب وصفه.

وأوضح شيخة أن جميع هذه الصفحات لتزويج العوانس ونساء الشهداء والأرامل جاءت كعمل تطوعي دون مقابل بهدف تقليل نسبة العنوسة في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية صعبة يعيشها قطاع غزة دفعت الشباب للعزوف عن الزواج.

أما وسام السوافيري (38 عاماً)، من حي الثلاثيني في مدينة غزة، فقد تزوج للمرة الثانية دعاء التي قُتل زوجها في حرب غزة 2014.

وقال السوافيري لـ"هاف بوست عربي" إن زوجته الأولى هي التي طلبت منه أن يتزوج دعاء من مبدأ السترة والأجر، وحتى لا يضيع أولادها، "أدعو كل الراغبين في الزواج أو التعدد للتوجه إلى زوجات الشهداء؛ لتوفير مأوى لهن ولأولادهن؛ لأن كافل اليتيم رفيق للنبي في الجنة".

"دعاء" زوجة وسام، توضح الإيجابيات المتحققة من زواجها مرة ثانية، فتقول: "أهم شي أن أجد رجلاً يهتم بالأولاد وبي وألا يتخلى عنهم، ثم التخلص من نظرات الناس وكلامهم، والذين يكثر تساؤلاتهم بأن خرجت زوجة الشهيد ودخلت زوجة الشهيد، فالزواج هنا ستر من الله".


بين نارَي الابتزاز قبل الزواج وعند الزواج


هالة عبدو، منسقة مشروع تشغيل "زوجات الشهداء" في حرب 2014 والتابع لمؤسسة عائشة، قالت لـ"هاف بوست عربي" إن هناك 600 زوجة شهيد يرعاهن المشروع بكفالات أو بأعمال مؤقتة، ومبالغ بسيطة.

وأضافت: "كثير من هؤلاء النسوة يرغبن في الزواج مرة أخرى، وقد تمثل الشبكات الاجتماعية المختصة بالزواج فرصة جيدة لهن للوصول إلى عريس، وأدعو المؤسسات المهتمة بالأرامل وزوجات الشهداء للبدء بمشاريع تزويج تتضمن رعاية للفرح ومتطلباته".

وأكدت هالة من خلال مقابلاتها مع زوجات الشهداء، أنهن يرغبن في الزواج لتغيير نظرة المجتمع عنهن، حيث "يتعرضن للتحرش من خلال بعض الأشخاص الذين يعملون في المؤسسات الراعية لهن، أو سرقة راتب أولادهن أو راتبهن الصغير الذي يأخذنه عن طريق الجمعيات الخيرية بعد الزواج".

الأوضاع السياسية والاقتصادية الصعبة التي يعانيها القطاع زادت من نسبة العنوسة، والحروب التي شنتها إسرائيل على غزة زادت من أعداد زوجات الشهداء، حيث بلغت حالات الزواج خلال عام 2015 في قطاع غزة، بحسب إحصائية نُشرت في يناير/كانون الثاني 2016 للمجلس الأعلى للقضاء الشرعي، 20778 عقد زواج.

في حين بلغ عدد حالات الطلاق في العام نفسه 3281 حالة بنسبة 15.8% من الزواج، وخلفت الحرب الأخيرة في يوليو/تموز 2014 أكثر من 600 زوجة شهيد.

لكن الفكرة الجديدة للزواج عبر مواقع التواصل الاجتماعي حظيت بقبول الناس، حيث بدأت هذه المواقع تلعب دور "الخطَّابة" في قطاع غزة، يقبل عليها الباحثون عن زوجة ثانية.

رامي الشطلي، (37 عاماً)، من مخيم المغازي وسط قطاع غزة، وهو مطلق، ولديه 4 بنات، ويعمل بمصنع للبسكويت، ويعاني ظروفاً مادية صعبة، توجه إلى صفحة "وصال للخطوبة والزواج".

وفي هذا الإطار، قال الشطلي لـ"هاف بوست عربي"، إنه أرسل طلباً للزواج إلى الصفحة يتضمن كل مواصفاته، "أخذت رقم الطلب، وعرضت إدارة الصفحة مواصفاتي الكاملة، وتواصلت معي لرؤية عروس (23 عاماً)، هي الأخرى تقدمت بطلب وتبحث عن عريس، ولا يهمها أكان متزوجاً أم مطلقاً أم عازباً، فتواصلت مع أهلها، وعقدت قراني بمهر 1000 دينار أردني فقط".

وأضاف الشطلي قائلاً: "على المجتمع تقبُّل فكرة تعدد الزوجات، أو الزواج بمطلقة أو أرملة، هذا يساعد في تماسك النسيج المجتمعي، لذلك يجب أن يتجدد نشاط المؤسسات الداعمة لدمج المرأة المطلقة والأرملة في المجتمع من جديد، فالشرع أتاح للرجل أن يتزوج 4".

وفاء عبد الهادي، إحدى المتابعات لصفحات الزواج عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قالت لـ"هاف بوست عربي: "إن هذه المواقع فرصة مهمة لتعريف الفتيات بأنفسهن والبحث عن أزواج مناسبين، وفي هذا كسر للتقليد والعرف السائد في قطاع غزة خاصة وفلسطين عامة، واليوم أصبح متاحاً للشاب أو الفتاة أن يخطبوا بأنفسهم لأنفسهم، "هذا سيساعد في تقليل نسبة العنوسة، حيث تذهب الخطَّابة أو الوالدة تخطب للشاب، اليوم أصبح متاحاً للشاب أن يخطب بنفسه، وللفتاة أيضاً، وقد يقلص من حدة العنوسة".


تحديات الفكرة الجديدة للزواج.. من يعرف نفسه جيداً ينجح


تخشى الفتيات من التعارف على شباب راغبين في الزواج عبر صفحات الفيسبوك؛ خوفاً من الابتزاز العاطفي أو اللقاء بهم في الخارج والجلوس معهم، وخوفاً أيضاً من العادات والتقاليد المجتمعية التي لا تسمح لهن بذلك. ولذا، يتجهن إلى صفحات الزواج عبر الإنترنت كوسيط لهن للتخلص من شبح العنوسة.

روان محمد، وهي واحدة من بين 6 فتيات يعملن مشرفات في صفحة "وصال للخطوبة والزواج"، قالت لـ"هاف بوست عربي" إنهن يستقبلن طلبات من الأمهات الراغبات في تزويج بناتهن، ومن البنات أنفسهن، خصوصاً زوجات الضحايا أو الأرامل والمطلقات، "نتواصل مع الصفحة في عرض الطلبات واستقبال الردود عليها، ثم إعطاء عناوين بيت أهل العروس للعرسان الراغبين في الزواج".

وعن سبب الإقبال على فكرة الزواج عن طريق فيسبوك وورود مئات الطلبات، قالت روان محمد: "العريس دائماً معارفه ومعارف والدته تكون محدودة، وهو يريد مواصفات محددة، فيختار من بين الطلبات المواصفات التي تناسبه، ويذهب إلى بيت الفتاة، وكذلك الفتاة يقتلها الانتظار وكلمة (لم يأت النصيب بعد)، خصوصاً زوجات الشهداء؛ لذلك هذه فكرة جديدة وسهلة".

أستاذ الخدمة الاجتماعية في جامعة القدس المفتوحة والمختص في الإرشاد الأسري عاطف العسولي، رأى أن وسائل التواصل الإجتماعي أصبحت من ضمن العادات والتقاليد والأعراف، لكل من الغني والفقير والصغير والكبير في أنحاء قطاع غزة كافة، واعتبرها خطوة مهمة للقضاء على العنوسة.

وتعليقاً على انتشار صفحات الزواج عبر فيسبوك، قال لـ"هاف بوست عربي" إن هذه الصفحات تمثل فكرة "الخطَّابة"، وهي المرأة التي تبحث عن عروس للراغبين في الزواج داخل المجتمعات الشرقية المحافظة.

وأوضح: "بل تجاوز الفيسبوك هذا الدور؛ إذ أصبح بالإمكان بكبسة زر عبر لوحة المفاتيح، التعبير عن الرغبة في الارتباط، ومن دون خجل. وبدلاً من الصعوبة التي كانت تواجه الأم في اصطحاب ابنتها إلى كل المناسبات إعلاماً للنساء بأنوثتها، هي اليوم ترسل طلب الزواج عن ابنتها بمواصفاتها، وتنتظر الرد من الصفحة، وأصبح بالإمكان للأرامل وزوجات الشهداء والعوانس أن يخطبن بأنفسهن".

ولعل رواج الفكرة كسرَ التقاليد والعادات السائدة، وسعى إلى تحقيق أحلام مئات الفتيات اللاتي يطاردهن شبح العنوسة في مجتمع ينظر إلى العانس والمطلقة والأرملة نظرة سلبية.