لماذا تخشى ألمانيا أزمة الخليج؟ لهذه الأسباب تتابع باهتمام بنوك وشركات في برلين تطورات المقاطعة مع قطر

تم النشر: تم التحديث:
B
ب

في الوقت الراهن لم تتجاوز آثار الخلاف الحاد بين قطر وجيرانها الخليجيين منطقة الشرق الأوسط، لكن لدى الشركات الألمانية على غرار فولكسفاغن ودويتشه بنك أسباب وجيهة لمحاولة الحد من تبعات هذا الخلاف.

فقبل عدة أيام قامت السعودية ومصر والإمارات والبحرين واليمن وليبيا وغيرها بقطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، واتهمتها بـ"دعم الإرهاب" في أسوأ صدع تشهده المنطقة منذ سنوات، بينما لم تقطع الكويت وسلطنة عُمان علاقاتهما مع الدوحة، وفق ما ذكر تقرير سابق لهاف بوست عربي.

ونفت قطر الاتهامات، وقالت إنها تواجه حملة افتراءات وصلت حد الفبركة الكاملة بهدف فرض الوصاية عليها. وأكدت وزارة الخارجية القطرية أن هذه الإجراءات لن تؤثر على المواطنين والمقيمين القطريين. وأعلنت الغرفة التجارية القطرية استعدادها لمثل هذه الظروف، حيث تمتلك خططاً بديلة تتمثل في امتلاكها مخزوناً غذائياً استراتيجياً يكفي لمدة سنة، وفق ما ذكرت صحيفة Suddeutsche Zeitung الألمانية.

والجدير بالذكر أن المئات من الشاحنات كانت تعبر الحدود السعودية القطرية كل يوم لإيصال المواد الغذائية إلى الدوحة، حيث تمر 40% من الواردات القطرية عبر الحدود البرية الوحيدة التي تملكها الدولة مع السعودية. وتشمل هذه الواردات، منتجات الألبان، ومواد البناء اللازمة لمواصلة إنجاز مشاريع البنية التحتية العملاقة على غرار ملاعب كرة القدم، استعداداً لاحتضان كأس العالم 2022.

وتعد هيئة قطر للاستثمار إحدى أكبر الصناديق الحكومية الاستثمارية في العالم، برأس مال يقدر بنحو 300 مليار دولار. وتمتلك هذه الهيئة أسهماً في أكبر البنوك السويسرية "كريدي سويس"، وبورصة لندن للمعاملات المالية، فضلاً عن شركة التجارة السويسرية العملاقة "جلينكور".

علاوة على ذلك، تملك هيئة قطر للاستثمار أسهماً في شركة فولكسفاغن الألمانية لتصنيع السيارات تعادل 17%. أما بالنسبة للبنك الألماني دويتشه بنك فتحظى قطر بنسبة 8% من الأسهم وذلك من خلال شركتين للاستثمار، وفق ما ذكرت الصحيفة الألمانية.


قطر تدخل دويتشه بنك كمستثمر في 2014


على ضوء هذه المعطيات، يمكن تفسير سبب اهتمام ومتابعة قطاع الاقتصاد في ألمانيا للأزمة التي يشهدها الخليج. من المرجح أنه، وعلى المدى القصير، لن يؤثر الوضع الذي ساد بين دول الخليج بشكل كبير على الشركات الألمانية، لكن قد يكون لهذا الأمر تبعات عميقة بالنسبة لها على المدى المتوسط. فعلى سبيل المثال، سيصبح الأمر أكثر تعقيداً بالنسبة للبنك الأكبر والأهم في ألمانيا، دويتشه بنك، في حال رغبت قطر في زيادة حصتها من أسهم البنك.

في عام 2014 تمكّن المدير التنفيذي للبنك، أنشو جاين، من إقناع المستثمرين القطريين بشراء أسهم في هذا البنك الذي لا يزال يحقق نجاحاً كبيراً. وقد لقي هذا النجاح ترحيباً كبيراً في ألمانيا. وفي 2016 ارتفعت نسبة الأسهم التي تملكها قطر لتصل إلى 8%، علماً بأن القيمة الحالية لهذه الحصة من الأسهم تبلغ 1.3 مليار يورو.

في واقع الأمر، تطرح هذه الحصة من الأسهم تعقيدات قانونية في ألمانيا فيما يتعلق بالصلاحيات الإدارية واتخاذ القرار. فمن جانبها، تحرص الدوحة على إرسال ممثلين لها في مجلس الإدارة، وهو أمر غير مألوف في ألمانيا، خاصة بالنسبة لطرف يمتلك أقل من 10%. وفي الأثناء، عمد الجانب القطري إلى ممارسة النفوذ والمشاركة في اتخاذ القرارات بشكل غير مباشر في صلب مجلس إدارة البنك.


قطر تؤكد عدم ضلوعها في تقديم أي دعم مالي للإرهاب


في حال كانت قطر تنوي زيادة حصتها من أسهم دويتشه بنك لتتجاوز 10%، وهو أمر قد تطرقت له سابقاً، سيتوجب على المستثمرين القطريين المرور عبر جملة من الإجراءات التي تعرف "بإجراءات تقييم المالك". وفي هذه الحالة، لن يقوم المراقبون الماليون الألمان بالتثبت في مدى مصداقية هؤلاء المستثمرين كمالكين للأسهم فقط، بل أيضاً من مصادر الأموال المستخدمة لإتمام عملية الشراء.

وتجدر الإشارة إلى أن الجهات التي تقوم عادة بعملية المراقبة تشمل الهيئة الفيدرالية الألمانية للرقابة المالية (بي آي إف إن)، والبنك المركزي الأوروبي. ويمكن لكلا الطرفين إخضاع أي مستثمر حتى وإن كانت حصته من الأسهم لا تتجاوز 10%، لإجراءات تقييم المالك، ولكن حتى الآن لم تطلب أي جهة التدقيق في وضعية الجانب القطري.

في الوقت الراهن، من المرجح أن تلجأ هيئة الرقابة الألمانية أو البنك المركزي الأوروبي إلى القيام بعملية تدقيق ومراجعة، في ظل الاتهامات الموجهة لقطر، والتي ما فتئت الدوحة تؤكد عدم صحتها.

من ناحية أخرى، وفي قطاع تصنيع السيارات، تعد قطر طرفاً مهماً في صلب التنافس المحتدم بين شركتي فولكسفاغن وبورش الألمانيتين. فقد عمدت هيئة الاستثمار القطرية إلى مساعدة شركة فولكسفاغن عبر ضخ استثمارات هامة. في الوقت نفسه، تملك هذه الهيئة أسهماً في شركة بورش، حيث أكدت العائلة المالكة لهذه الشركة في ولاية ساكسونيا السفلى، أن الهيئة القطرية تعتبر ثالث أهم شريك في بورش، كما تشغل مقعدين في مجلس إدارة الشركة، وتحظى بثقة كبيرة لدى شركائها الألمان.


مجلس إدارة فولكسفاغن يزور باستمرار قطر لتقديم جملة من التقارير


دأب عضو مجلس إدارة فولكسفاغن، هانس ديتر، على زيارة الدوحة بشكل دوري، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين في إدارة الشركة، بهدف اطلاع المستثمرين القطريين على مستجدات الشركة وآخر ما توصلت إليه، على غرار فضيحة تزوير نسب التلوث الناتج عن انبعاثات محركات الديزل، التي أثرت كثيراً على فولكسفاغن وكبدتها خسائر فادحة.

ومن هذا المنطلق، لسائل أن يسأل: ما تداعيات الإجراءات التي اتخذتها كل من السعودية والإمارات والبحرين على الشركاء القطريين؟ وهل ستؤثر هذه الأزمة على مبيعات الشركة الألمانية؟ خاصة أنها تعتبر قطر من العملاء المهمين للغاية، حيث تعد من أكبر مشتري السيارات الفاخرة في العالم العربي.

وإلى الآن، لم تبد الشركات الألمانية أية ردود فعل في ظل هذه الأزمة، في حين أكدت فولكسفاغن أن هذا الوضع لن يؤثر بأي شكل من الأشكال على الشركة خلال الأسابيع المقبلة. وفي حال تواصل هذا الخلاف الخليجي، من المرجح أن تتواصل هذه الشراكة الألمانية القطرية، حيث لا يمكن تغيير مالك أسهم أو قطع العلاقات معه بسهولة.

وبالتالي، ستلتزم إدارة الشركة في مدينة فولفسبورغ الصمت وتكتفي بمراقبة تطورات الأحداث. وقد أعربت الشركة عن ذلك من خلال تصريح رسمي، جاء فيه التالي: "نحن نتابع تطورات الأحداث بكل اهتمام ونأمل أن يتم إيجاد حل لهذا الخلاف بشكل سريع".