سر مقابر الأطفال الغامضة بمدينة إخناتون.. عاصمة التوحيد عند الفراعنة اعتبرها العلماء نعمة ونقمة في الوقت نفسه

تم النشر: تم التحديث:
B
ب

مقابر عملاقة غامضة بمدينة تل العمارة طريقة الدفن بها تختلف عن الطرق المعتادة عند المصريين القدماء، لكن الأغرب أنها تحوي رفات أطفال ومراهقين وشبان تتراوح أعمارهم بين 7 سنوات و25 عاماً.

ماري شيبرسون، عالمة الآثار البريطانية المتخصصة في العصر البرونزي لبلاد الرافدين تروي في مقالٍ بصحيفة الغارديان البريطانية تجربتها الفريدة بالمشاركة في التنقيب في تل العمارنة، المدينة التي أسسها إخناتون فرعون مصر الذي دعا لعبادة إله واحد وهي التجربة التي أفضت لاكتشاف مثير لم يتم تفسيره بشكل نهائي بعد.

تقول ماري: "هناك لمسة من السحر تتعلَّق بموقع مدينة تل العمارنة تجعل القشعريرة تسري في جسدي تنبع هذه اللمسة من الظلال الطويلة التي يلقيها مؤسسها الفرعون "المهرطق" إخناتون، حسب تعبيرها، وزوجته نفرتيتي.

وتضيف: "جاءت مدينة تل العمارنة، ورحلت في لحظةٍ أثرية، فقد نهضت وانهارت مع إخناتون وحركة التصحيح الديني التي جاء بها، والتي ترتب عليه إزاحة مجمع الآلهة الفرعونية عن عرش العبادة، وتربُّع معبود أوحد هو آتون، إله الشمس.

r

فعلى الضفة الشرقية لنهر النيل نشأت مدينة تل العمارنة، ثم تُهجَر في أقل من 50 عاماً، فعندما مات إخناتون عام 1332 قبل الميلاد استُعِيدَت الديانة المصرية القديمة مرة أخرى على يد وريثه الملك توت عنخ آمون، وسُويَت مدينة تل العمارنة الآثمة (من وجهة نظر الكهنة) بالأرض وطواها النسيان.

وبعد إخناتون، تم تفكيك معابد المدينة لصالح مشاريع بناء جديدة؛ ومن المعروف أن رمسيس الثاني قد أعاد استخدام العديد من كتل الحجر من معابد آتون لعمله في هيرموبوليس القريبة، حسب ما ورد في موسوعة بريتانكا.

وتركِّز دراسةٌ حديثة عن الموقع على مقابر المدينة، لا المقابر ذات الصخور المبهرجة للعائلة المالكة وخدمها، وإنما المقابر الصحراوية المتواضعة للمصريين العاديين الذين عاشوا وعملوا في مدينة إخناتون، ولم تتسن لهم مغادرتها.

تقول ماري بين عامي 2006 و2013، كنت محظوظة بما فيه الكفاية لأعمل في مشروع العمارنة على التنقيب في مقبرةٍ، بغرض الكشف عن رفات 400 فرد، من مقابر ضخمة تقع خلف تل المقابر الجنوبي، والمُقدَّر أنها تحوي 6000 لحد منهوب تماماً، وقد فتحت دراسة تلك اللحود نوافذ جديدة على حياة وممات الأفراد في المستويات الدنيا من المجتمع المصري، ورسمت صورةً من الفقر، والكد، وسوء التغذية، والمرض، والإصابات المُتكرِّرة، والموت المبكر نسبياً، حسب قولها.

وتضيف: "بينما كانت الرفات من أضرحة المقابر الجنوبية (رفات الحاشية) موافقة للتوقعات تماماً، إذ كانت هناك فروقٌ طفيفة في كلفة وبهرجة الضريح، علاوة على نسبٍ متقاربة بين أضرحة الرجال والنساء، وتوزيع الأعمار عند الوفاة مطابق للمُعدَّل المعتاد بين المصريين القدماء، حيث النسبة الكبيرة من حديثي الولادة، والنسبة القليلة بين الأطفال الذي يعيشون حتى سن البلوغ، ثم تعود نسب الوفيات للارتفاع مرة أخرى عندما يتعرض البالغون للمرض والإصابات والتقدم في السن.

هذه كانت معلوماتٍ مهمةً ومثيرةً للغاية، لكن لا يمكن القول إنها غير عادية.

r


المقابر الشمالية


تقول الباحثة البريطانية: "في عام 2015، بدأنا استكشاف مقابر أخرى لعامة الناس، في وادٍ يقع خلف مقبرة سابقة للخدم الملكيين عند الطرف الشمالي للمدينة. وهنا تأخذ الحكاية منحى أغرب، فبينما كنَّا نستخرج أول جمجمة، كان واضحاً لنا أن الأضرحة أبسط كثيراً من تلك التي في المقبرة الجنوبية، إذ لم يكن هناك أي أمتعة في القبور، ولم تستخدم سوى حصائر خشنة للفّ الموتى.

وتضيف: "مع تقدم العمل، بدأت حقيقةٌ أخرى غريبة تتكشَّف أمام المُنقِّبين، مفادها أن أغلب الجماجم التي استخرناها كانت لقُصَّر (أطفالٍ، ومراهقين، وشبابٍ صغار)، لكننا لم نجد أي حديثي ولادة ولا بالغين كبار".

وقالت: "يُستَكمَل حالياً التحليل المبدئي لهياكل الأفراد الـ 105 المُستخرَجة من المقبرة الشمالية عام 2015 على يد الدكتور غريتشن دابس، من جامعة جنوب إلينوي لتدريس الطب في الولايات المتحدة، ويبدو أن انطباعنا الأوَّلي كان سليماً تماماً، فأكثر من 90% من الهياكل قُدِّرت أعمار أصحابها عند الوفاة بما يتراوح بين 7 و25 عاماً، بينما كانت الغالبية منهم تحت عمر 15 عاماً، لذا، تأكد إن هذه مقبرة أطفال بشكل أساسي".

ولفتت إلى غرابة الأمر نظراً لانحصار الفئة العمرية بالمقابر بين السابعة والخامسة والعشرين، وهي الأعمار التي يُفتَرَض أن تكون الصحة فيها في أوجها في أي تركيبة سكانية سليمة، بينما حديثو الولادة الذين يكثرون عادة في المقابر القديمة كانوا غير موجودين بشكل واضح في هذه الحالة، إذ بلغ عددهم 3 فقط ممن قُدِّرَت أعمارهم وقت الوفاة بأقل من 7 سنوات، من أصل 105، لذا فإن المقبرة الشمالية تقلِب إحصائيات التركيبة العمرية للمقابر القديمة رأساً على عقب.

وأشارت إلى أنه كان لأمراض الهيكل العظمي في المقبرة الشمالية بعض الملامح الغريبة أيضاً، فقد كانت الإصابات الأليمة، وظروف الانتكاسات المَرضيَّة شائعة أكثر مما يُفترض بين أعمار كتلك. كان أغلبهم وهم الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و25 عاماً مُصابين بإصاباتٍ أليمة من نوعٍ ما، و10% منهم كانوا مُصابين بالغضروف.

حتى بين أولئك الذين هم دون الخامسة عشرة كانت نسبة 16% منهم لديهم كسور بالعمود الفقري، بالإضافة إلى العديد من الأمور غير المألوفة، التي تظهر عادةً مُصاحِبةً للتعرُّض لعملٍ مُرهِق.

وتعلق الباحثة قائلة لا يُعد أكثر التفاسير بداهةً تفسيراً لطيفاً على الإطلاق، إذ يبدو أن هؤلاء الناس كانوا يمثِّلون قوى عاملة من الأطفال والمراهقين، الذين تَعيَّن عليهم ممارسة أعمالٍ شاقة بشكل دوري. ويبدو أن سن السبع سنوات هي أصغر سن يستطيع فيها الطفل أن يحمل شيئاً ويتبع التعليمات، إذ لا توجد تقريباً هياكل لأطفال أصغر سناً.

أما غياب هياكل البالغين، فيمكن تفسيره بأحد احتمالين - حسب ماري - فهو: إما أن العمال كانوا ينالون حرياتهم، أو حتى يُنقَلون لمواقعٍ أخرى عند اكتمال بلوغهم، أو أن طبيعة العمل وظروف المعيشة لم تسمح لأيٍ منهم بالعيش أكثر من 25 عاماً. في الواقع يبدو أنهم كانوا محظوظين ليصلوا إلى سن الخامسة عشرة.

r


أمر مخالف لطبيعة المصريين القدماء


تقول ماري شيبرسون: "يعطي عزل هؤلاء الشبان وهم موتى انطباعاً عن حياتهم، ولقد كانت العائلة جزءاً مهماً في حياة المصريين القدماء. فقد كانت مسؤولية تقديم الميت إلى الحياة الأخرى بشكل لائق تقع على عاتق الأقرباء، وحقيقة أن موتى المقبرة الشمالية كانوا مدفونين بغير عناية، وبلا أي أغراض بالقبور تطرح بقوة أنهم كانوا لا يعودون إلى عائلاتهم ليُدفَنوا، وإنما عاشوا وماتوا بعيداً عن رعاية عائلاتهم".

وتضيف: "دليلٌ آخر على كآبة حياة هؤلاء الشباب يأتي من المقابر الجماعية، إذ إن 43% من المقابر احتوت على أكثر من فرد، وهي نسبةٌ أعلى بكثير من نسبة القبور الجماعية في المقابر الأخرى في تل العمارنة".

وتحتوي المقابر الجماعية الشمالية، والتي قد تتضمَّن 5 أو 6 هياكل، على أطفالٍ في تلك الأعمار، الذين لا يُحتَمَل أن تكون لهم أي صلات بعائلاتهم. بينما في المقبرة الجنوبية، كانت المقابر الجماعية تحتوي على عائلات، ويرقد الموتى جنباً إلى جنب في أضرحة يبلغ عرضها ضعف أو ضعفيّ عرض الأضرحة الفردية، في حين يُكدَّس الموتى فوق بعضهم بعضاً في المقابر الجماعية في الشمال في ضريحٍ فردي.

من وجهة نظرها فقد يكون التفسير في حالة المقبرة الشمالية أن القبور كانت تُحفَر في انتظارِ الموتى، لكن لم يكن معلوماً كم سيكون عددهم. لذا فإن مات واحدٌ، دُفِنَ في القبر، وإن مات أكثر فسيُكدّسون جميعاً فيه. وسواءً كان هذا الروتين يومياً أو أسبوعياً أو شهرياً، ، مشيرة إلى أن المقبرة كبيرة بحيث يمكن أن تضم ألفي فرد.


من هم المدفونون في المقبرة الشمالية؟


تجيب ماري قائلة: "هذا سؤالٌ صعبٌ في هذه المرحلة المبكرة من المشروع، وكل نظرياتنا لها عيوبها. لكن المقبرة الشمالية تقع تجاه المحاجر الرئيسية، ويبدو على الأغلب أن هؤلاء الشباب كانوا قد عُيِّنوا في مكانٍ ما في عمليات استخراج الحجارة كعمالةٍ غير ماهرة، أثناء الإنشاء المحموم للمدينة".

وتضيف أن هناك "احتمالاً آخر هو أن يكون هؤلاء أطفالاً مصريين قد أُخِذوا من عائلاتهم كمساهمةٍ في بناء المدينة الجديدة، أو بأية طريقة أخرى. فلطالما استُخدِمَ العمل بالسخرة في مصر القديمة لإنشاء مشاريعٍ ضخمة.

وأردفت أن هناك احتمالاً أيضاً بأن يكون هؤلاء أبناءً لعبيد، لذلك عومِلوا على أنهم أشياء في المُتناول ويمكن التخلص منها. وأياً ما كان التفسير يبدو أن الأطفال كانوا قد أُخِذوا من عائلاتهم بغير نيةٍ لإرجاعهم.

ويفترض طرحٌ إضافي أن المقبرة الشمالية تمثل السكان الذين أُسِروا أو أُرسلوا إلى تل العمارنة للعمل. ويتوافق هذا بشدة مع الفصل عن العائلات، والإهمال الذي عوملوا به. لكن في المقابل لم يُعثر على أي دليلٍ من طريقة الدفن والمشغولات الفخارية، والأشياء المكتشفة معهم، قد يدل على أنهم غير مصريين.

وقالت: "نأمل أن تُحدِّد تحاليل الحمض النووي المستقبلية الأصل الجغرافي لهياكل المقبرة الشمالية. وعلى أية حال، يجبرنا اكتشاف المقبرة على مواجهة حقيقة أن إخناتون قد بنى مدينته معتمداً وعلى الأقل لو بشكلٍ جزئي على الأطفال.

ولم تشر الباحثة إلى مصير المقابر الأخرى التي كانت تضم - وفقاً لها - رفات آلاف الأشخاص ما يجعل روايتها بشأن بناء المدينة على يد عمالة الأطفال تحتاج لفحص كل مقابر المنطقة أو على الأقل مقابر العمال كلها.

ولفتت إلى أنه بالنسبة لعلماء الآثار، تُعد مدينة تل العمارنة نعمةً ونقمة في الوقت نفسه، فيما يتعلَّق بفهم مصر في عصر الممالك القديمة. فهي من جهةٍ تقدِّم لمحةً لمدينةٍ من تلك الحقبة، صُمِّمت وبُنِيَت من الصفر، ولم تجر عليها أي تعديلات خلال أي حقب لاحقة. ومن جهةٍ أخرى فهي استثنائية بشكلٍ غريب، إذ بُنِيَت بمنتهى السرعة تحت حكم فرعونٍ غريب الأطوار، وفي ظل مذهبه الديني الجديد، لذا فهي تتساءل: أيمكن الاعتماد عليها حقاً في تمثيل تلك الحقبة؟

b

وواصلت تساؤلاتها قائلة: "إذا تضمَّن بناء تل العمارنة توظيف أطفالٍ صغار، أمن الممكن أن يكون ذلك قد شاع أثناء بناء بقية المشاريع في باقي أرجاء مملكة مصر الحديثة وقتها؟ حتى الآن لا توجد بيانات يمكن مقارنتها بهذه البيانات من باقي المواقع المصرية. وتجعل استثنائية تل العمارنة من الصعب تعميم تلك النتائج من تلك المقبرة شديدة الغرابة.

لكنها أشارت إلى أن مصر كانت تعج آنذاك بالمشاريع غير الاعتيادية - بالمقاييس القديمة - من الأهرامات والمعابد، إلى القنوات المائية والبحيرات الصناعية، بتفويضاتٍ من فراعنة مصابون بجنون العظمة، حسب وصفها ، بالقدر الذي كان لدى إخناتون.

وختمت مقالها بالإشارة إلى أن كل الأعمال الجارية في مدينة تل العمارنة تجري بموافقة ومساعدة وزارة الآثار المصرية، والأعمال في المقبرة الشمالية تُمَوَّل من المنحة الوطنية للعلوم الإنسانية، ومشروع تل العمارنة هو مشروعٌ لمعهد ماكدونالد لبحوث الآثار بجامعة كامبريدج البريطانية.

وكان تقرير لموقع ناشيونال جيوغرافيك قد تطرّق إلى مسألة مماثلة، إذ أشار إلى أن المنحوتات على جدران مدينة تل العمارنة المصرية القديمة تصوّر عالماً به الكثير من الرخاء، حيث تسمين الثيران في ساحة الماشية، والمخازن ممتلئة بالحبوب والأسماك، والموسيقيون يعزفون للفرعون وهو يتناول اللحوم في مأدبة.

إلا أن أبحاثاً جديدة، حسب التقرير الذي نشرته ناشيونال جيوغرافيك عام 2013، تشير إلى أن الحياة في تل العمارنة كانت مزيجاً من ضغط الكدح والحاجة على الأقل بالنسبة للناس العاديين.

واكتشف الباحثون الذين يدرسون هياكل عظمية في مقبرة عامة في تل العمارنة أن العديد من أطفال المدينة يعانون من سوء التغذية والتقزم. ويظهر البالغون علامات على العمل المفاجئ، بما في ذلك ارتفاع مستويات الإصابات المرتبطة بالحوادث.

وقال جيروم روز (عضو في لجنة ناشيونال جيوغرافيك للبحوث والاستكشاف): "لدينا أدلة على وجود أشد الأمراض التي تعاني منها مصر والهياكل العظمية القديمة التي تم الإبلاغ عنها حتى الآن".

واستغرب هذا الأمر قائلاً: "تل العمارنة هي عاصمة الإمبراطورية المصرية، يجب أن يكون هناك الكثير من الطعام.. يبدو شيئاً غير مناسب".

وحسب التقرير فإن من بين 20 ألف شخص إلى 30 ألفاً عاشوا في المدينة خلال ذروة عهدها (نحو 15 عاماً) ربما 10% منهم كانت من النخبة الغنية، الذين يعيشون في فيلات واسعة، وزخارف مزخرفة بسخاء بنيت لهم.