"جهاد النكاح" عنوان الحرب على داعش.. لماذا يثير مسلسل "غرابيب سود" غضب علماء الأزهر؟

تم النشر: تم التحديث:
GHRABYBSWD
سوشال ميديا

"من ترغب في الانضمام إلى جهاد النكاح لإحصان الجنود من المنكر، فلتتفضل على الطاولة التي على اليسار؟". هذا ما تقوله منتقبة -تضع على رأسها شارة التنظيم- لمجموعة من النساء، في مسلسل "غرابيب سود" الذي أنتجته قناة MBC السعودية، والذي يزعم أنه يعرض العالم السري لداعش.

وفور سماعهن دورهن في النكاح، تتهلل السيدات الواقفات، وتقول واحدة منهن لزميلتها وهي تدفعها للانضمام إلى صف من يرغبن في النكاح: "هذا هو.. هيا امشي"، وحين تسألها زميلتها: "النكاح شنو؟ من دون زواج"، فترد عليها مؤكدة: "نعم هذا هو"!

وفي مشهد ثانٍ، تقول أحد قيادات داعش النسائية للمجاهدات المفترَضات: "ما نريده هو أن تعرض كل واحدة منكن نفسها علي أحد المجاهدين"، أي إرضاء لرغبات "المجاهدين".

المسلسل الذي لقي انتقادات على المستويات كافة؛ الفنية والدينية والشبكات الاجتماعية، اتفق منتقدوه على أنه لا يحارب الإرهاب ولكنه يقدّم خدمة مجانية لأعداء الإسلام بتشويهه، وخدمة أخرى للتنظيمات المتطرّفة بتصويره المسلمات بمظهر اللاهثات وراء الجنس، وخدمة ثالثة بوصم حفظة القرآن الكريم بأنهم إرهابيون.



كما صنفه موقع السينما.كوم، المتخصص في تقييم الأفلام العربية والأجنبية، بأنه "محاولة لتشويه الإسلام والمتدينين باسم التصدي لداعش"، وأعطاه تقييم 5.9 فقط من 10 درجات.


لماذا اعترض البعض على عنوان المسلسل؟


وركزت الانتقادات التي تتهم المسلسل بتشويه الإسلام على أن اسمه مقتبس من إحدى آيات سورة فاطر، ويشوه القرآن؛ لأن المقصود بلفظة غرابيب سود في الآية ألوان الصخور والتراكيب الجيولوجية البازلتية السوداء أو شجة الزيتون في تفسير أخر، بينما المسلسل يسقط المعنى على المنتقبات المنضمات إلى داعش ويصفهن بأنهن كالغرابيب السود.

عبد الله بن بجاد العتيبي، المشرف على المضمون في مسلسل غرابيب سود ينفي أن يكون النص الدرامي للمسلسل يحوي أي اتهام لنساء السنّة بالبحث عن الجنس.


ما هو رأي علماء الأزهر؟


يشكك الدكتور سالم عبد الجليل، الأستاذ بكلية الدعوة الإسلامية ووكيل وزارة الأوقاف السابق، في وجود ما يسمي جهاد النكاح الذي روج له مسلسل غرابيب سود وأفلام أخرى، منها "المشخصاتي 2".

وقال لـ"هاف بوست عربي" إن "الإنسان الذي يحمل السلاح للجهاد ضد عدو لا أعتقد أن هذا الشخص يهمه مسألة الجنس أو الحياة ككل، أو تشغله مسألة الجنس أصلاً؛ لأنه ينتظر الموت في أي لحظة، ولا أعتقد أن ذلك الشخص يجلس وينتظر دوره في لقاء حميمي يسمى جهاد النكاح"، والمسلسل قائم على زعم وجود جهاد نكاح. "المسلسل يعالج ظواهر ليست موجودة في الفقه أصلاً"، بحسب قوله.

د. عبد الفتاح العواري عميد كلية أصول الدين، يرى أن "هذه المعالجة الدرامية تعود لنوايا من قاموا بها، بمعنى: هل هدفهم تعليم شبابنا وبناتنا حتى لا يقعوا في براثن هذه الجماعات الإجرامية؟ أم أن نيتهم هي لصق هذا بالإسلام وتشويه صورته الناصعة؟".

ويشدد الدكتور العواري على أنه "لا يوجد شيء يسمى جهاد نكاح وليس له أي تأصيل علمي وشرعي في فقه أئمة الإسلام".






لماذا يستند المسلسل إلى جهاد النكاح في "حربه" على داعش؟


تؤكد الكاتبة سونيا زكري- من القاهرة- أن خلطة "الجنس والإسلام والحرب" التي تروجها وسائل إعلام عربية وتدور حول جهاد النكاح "طُعم مؤكد لوسائل الإعلام الغربية، التي تقع كثيراً ضحية للبروباغاندا الآتية من الشرق الأوسط".

وقالت إنه لا توجد أيضاً إلا أدلة قليلة للغاية على وجود "جهاد النكاح"، والقصة التي ذكرها الوزير التونسي لطفي بن جدو عن سفر فتيات تونسيات لجهاد النكاح في سوريا، لم يجد صحفيو تونس دليلاً عليها أو يلتقوا واحدة منهن.


قصة المسلسل


تدور أحداث المسلسل حول حكايات نساء انتسبن إلى تنظيم داعش تحت دوافع نفسية مختلفة، ثم يرصد رحلة أولئك النسوة إلى عالم بعيد عن الإنسانية وتعاليم الإسلام، ويتتبع بطريقة تصاعدية ما يحدث للمنتسبين والمنتسبات في التنظيم؛ إذ تفتر حماستهم ما إن يعرفوا حقيقة التنظيم المرّة ليجدوا أنفسهم في مأزق استحالة الهروب من المقر، الذي أصبح مع مرور الوقت معتقلاً فكرياً ونفسياً ويمس إنسانيتهم ويُشعرهم بمدى الخطأ الذي ارتكبوه.

ومع أن المسلسل يوضح أن تقسيم النساء في التنظيم موزع على 3 أقسام هي: جهاد النكاح، والجهاد الإلكتروني، وجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أكثر ما يسلط عليه الضوء بشكل مكثف هو النساء الملتحقات بالتنظيم والعاملات في مجال جهاد النكاح.

وشارك في انتقاد المسلسل الكثيرين منهم الفنانة مايا دياب، التي علقت على حسابها الشخصي بموقع تويتر، قائلةً: "كفى جهلاً وزرع التطرف في عقولنا".






من هم منتجو المسلسل وأبطاله؟


ميزانية المسلسل الضخمة (10 ملايين دولار) حُشد لها 6 مخرجين واثنان من المؤلفين بخلاف 49 ممثلاً وممثلة من 7 دول عربية مختلفة.

حيث أخرجه حسام قاسم الرنتيسي، وعادل أديب، وحسين شوكت (مخرجون رئيسون)، وكنان إسكندراني وسعاد الهجان (مخرجان منفذان)، وسعيد رياض (مخرج مساعد)، وألَّفه لين فارس، وأشرف على المضمون عبد الله بن بجاد العتيبي.

وشاركت في تجسيد الأدوار النسائية المصريتان دينا وسمر علام، والتونسية فاطمة ناصر، والسعودية مروة محمد، ومنى شداد من الكويت.

صنّاع المسلسل المثير للجدل صرحوا قبل بدء العرض، بأنهم يسعون لفضح طرق التنظيم الإرهابي، والوسائل التي يستخدمها للتواصل مع الشباب في المجتمعات العربية والغربية، واستقطابهم مستغلين نقاط ضعفهم النفسية والاجتماعية.

وأكدت قناة "MBC مصر"، في بيان صحفي لها قبل عرض العمل، أن غرابيب سود يفضح جرائم التنظيم المنحرفة والدموية وطرقه الوحشية في القمع والإجرام والتعامل مع أفراد التنظيم أنفسهم من جهة، والمنتسبين الجدد، وخصوصاً الأطفال والنساء من جهة أخرى، مسلطاً الضوء على بِنْيته التنظيمية، وتسلسل الهرم القيادي.

وقال آخرون إن إنتاج المسلسل وتسويقه من جانب قناة سعودية لا إيرانية، ومن دون عرضه على علماء دين لمراجعة ما به من أخطاء- قد يكون له آثار عكسية ويشوه الإسلام ذاته في أعين العالم وضعيفي الثقافة الدينية الذين قد يتصورون خطأ أن هذا أمر حقيقي موجود في الإسلام.


كيف تعامل المغردون والنشطاء مع "غرابيب سود"؟


عاب مغردون على المسلسل الخلط ورداءة السيناريو وعدم الاستناد إلى وثائق وأحاديث دينية قوية، فأصبح في النهاية عملاً ضد الإسلام وأهل السنة، وأظهر الدين الإسلامي على أنه يشجع على الإرهاب ويهين المرأة بأقبح طريقة، بحسب قولهم.

وكان من أبرز المنتقدين د. محمد البراك، عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى وعضو رابطة علماء المسلمين، الذي اتهم القناة بمعاداة الإسلام.

في المقابل، رأى آخرون المسلسل "رصداً للواقع وما يحدث بالفعل من عبث بالدين واستغلاله بشكل سيئ، ومنه جهاد النكاح الذي لا يتفق إطلاقاً مع الدين الإسلامي ولا تعاليمه ولم يُذكر في الكتاب أو السُّنة".